جيمس مولدون: كل تقدم تكنولوجى جديد يسرّع من انتشار «وباء الوحدة»
- روبوتات الدردشة تفضح حاجتنا العميقة إلى الحب والرعاية
باتت النقاشات حول الذكاء الاصطناعى جزءًا أساسيًا من المشهد فى عالمنا المعاصر، ومع ذلك، يرى الكاتب جيمس مولدون أن النقاش الدائر اليوم يميل إلى تجاهل البُعد الاجتماعى والعاطفى للذكاء الاصطناعى، خصوصًا فيما يتعلق بروبوتات الدردشة، التى يلجأ إليها الناس بشكل متزايد للعثور على الصداقة، والحميمية، والعلاج النفسى، وحتى للتواصل مع أحبائهم المتوفين.
يتناول جيمس مولدون، الباحث المشارك فى معهد أكسفورد للإنترنت، فى كتابه الجديد «آلات الحب: كيف يغيّر الذكاء الاصطناعى علاقاتنا»، هذا العصر الجديد من الرفقة الرقمية، إذ يكشف كيف يمكن لروبوتات الدردشة أن تتيح للناس مساحة لاستكشاف هويتهم، والتأقلم مع الحزن، والقلق الاجتماعى، أو الوحدة. ومع ذلك، فإنها قد تفاقم أيضًا من حدة المشكلات نفسها، عندما ينعزل المزيد من الناس عن العلاقات الإنسانية والعلاج مع المختصين، بما قد تترتب عليه عواقب أحيانًا قاسية.
فى هذا الحوار مع مجلة AnOther يتناول جيمس مولدون التوترات الأخلاقية والفلسفية التى تنشأ من روبوتات الدردشة، وما تكشفه هذه الصناعة سريعة التطور عن حالة العلاقات الحديثة.

■ أحد الأشياء التى يفكر فيها كثير من الناس عند الحديث عن هذا الموضوع هو فيلم «Her»، لكنك تتجنب جعله نقطة مرجعية كبيرة فى كتابك. إلى أى مدى يمكن أن تكون مثل هذه القصص مفيدة فى فهمنا لرفقاء الذكاء الاصطناعى اليوم؟
- أعتقد أن الخيال العلمى له تأثير مذهل على تطوير التكنولوجيا. فهو يكاد يسير فى دورات، إذ يحاول كتّاب الخيال تصور المستقبل وتوقعه، ثم تلحق التكنولوجيا أحيانًا بهذه التصورات، أو تأخذ مسارًا مختلفًا جذريًا. لكن من المثير للاهتمام عندما يكون الخيال متقدمًا على الواقع، ونرى المطورين وشركات التكنولوجيا يحاولون تقليد أفكار الخيال العلمى. هذا يسمح لهم برؤية عوالم جديدة وطرق جديدة للقيام بالأشياء. لكن فى الوقت نفسه، غالبًا ما يقعون فى فخ التفكير بأن هذا قد يكون مستقبلًا واقعيًا لمجرد أنه تم تصويره بهذه الطريقة فى الخيال، بينما تكمن فائدة الخيال فى أنه لا يضطر للتعامل مع أى من التوترات أو التناقضات أو القيود التى قد تظهر عند دفع فكرة معينة إلى العالم الواقعى. ونحن نرى هذه التناقضات تتكشف حاليًا فى مجال الرفقاء الاصطناعيين.

■ هل يمكنك التحدث أكثر عن هذه التوترات والتناقضات؟
- مثالٌ دالّ على ذلك يبرز فى مجال توظيف الذكاء الاصطناعى للتعامل مع الحزن، إذ تحاول بعض الشركات تطوير برامج تحاكى طريقة حديث الأحباء الراحلين. تقوم الفكرة الأساسية على ما يُشبه «رفع الوعى» إلى صيغة رقمية، والاحتفاظ بجزء من شخصية الإنسان أو إنسانيته، رغم غيابه الجسدى.
يروى أحد الرؤساء التنفيذيين أنه استلهم هذه الفكرة من حلقة San Junipero من مسلسل Black Mirror، إذ تلتقى امرأتان قبل أن تكتشفا أن وعيهما قد نُقل إلى سحابة رقمية. وكان يعتقد أن هذا السيناريو قد لا يكون ممكنًا اليوم، لكنه ربما يصبح كذلك فى مستقبل قريب.
غير أن الواقع أكثر تعقيدًا وقسوة. فنقل الوعى، أو حتى أى تصور متماسك عن الذات خارج الجسد، مسألة شديدة التعقيد، ويعدّها بعض الفلاسفة مستحيلة من الأساس. ورغم أن هذا التوجّه يمكن فهمه بوصفه رد فعل إنسانيًا طبيعيًا على فقدان شخص عزيز، فإنه يكشف فى الوقت نفسه حدود الخيال التكنولوجى المستقبلى، الذى يفترض أن مشكلات الإنسان الوجودية قابلة للحل تقنيًا، من دون الالتفات إلى التناقضات والأسئلة الأخلاقية والفلسفية العميقة التى ترافق هذا الوعد.
■ تتبنى فى الكتاب نبرة متعاطفة، خاصة مع المستخدمين الأفراد. هل وجدت صعوبة أحيانًا فى الحفاظ على هذا النهج مع الحالات الأكثر جدلية؟
- لو كنت أكثر صراحة، لربما اتخذت موقفًا نقديًا أشد مما يظهر فى الكتاب. غير أننى شعرت بأن المشروع نفسه لن ينجح إذا بقيت أُصدر أحكامًا متواصلة على كل قصة أسمعها. أردت أن أكون محايدًا أكثر من كونى قاضيًا أخلاقيًا، خصوصًا أن كثيرًا مما كنت أتعامل معه كان جديدًا إلى حد أننى، فى أحيان كثيرة، لم أكن قد كوّنت رأيًا شخصيًا نهائيًا حياله بعد.
تعتمد وجهة نظرى الشخصية على منظور الاقتصاد السياسى، إذ أركّز على الحوافز البنيوية واستراتيجيات الربح لدى الشركات، والأطر التنظيمية التى تعمل ضمنها، إلى جانب أزمة الوحدة التى نعيشها اليوم، وكيف تُسوَّق هذه المنتجات فى هذا السياق. وقد رغبت فى إدراج هذا التحليل داخل الكتاب، من دون أن يطغى على العنصر الإنسانى، لأن كثيرين ممن تحدثوا معى وضعوا ثقتهم فىّ وهم يروون قصصهم، ولم يكن من العدل، ولا من الأخلاقى، أن أتعامل معهم بسخرية أو أن أختزل تجاربهم فى مقاربة نقدية صارمة.
■ تبدو بعض السياقات التى أشرتَ إليها، مثل «اقتصاد الوحدة»، شديدة الارتباط بلحظتنا الراهنة. بعيدًا عن التطور التكنولوجى الذى أتاح ظهور هذه الأدوات، هل ترى أن رفقة الذكاء الاصطناعى بوصفها ظاهرة هى نتاج خاص بعصرنا الحالى؟
- أعتقد أن وباء الوحدة كان يتصاعد تدريجيًا، لكنه معنا منذ وقت طويل. كل تقدم تكنولوجى جديد يسرّع هذا الاتجاه أكثر فأكثر. أتحدث فى الكتاب عن التحولات الاجتماعية والاقتصادية التى حدثت؛ الثورة النيوليبرالية، انهيار الخدمات العامة، وانحسار مراكز المجتمع، كما لعبت التكنولوجيا دورًا مهمًا جدًا فى ذلك، من خلال منحنا وهم التواجد مع الآخرين دون أن نكون فعليًا معهم سواء عبر الشبكات الاجتماعية، أو هذا اللقاء على «زووم»، أو الألعاب الإلكترونية، التى أراها عاملًا مؤثرًا، خصوصًا بالنسبة للشباب، والآن الروبوتات الرفيقة العاملة بالذكاء الاصطناعى.
من المهم النظر إلى هذه الظاهرة فى إطار ثورة أوسع فى أنماط العزلة الاجتماعية والاتصال الرقمى، بما تحمله من وعود وحدود فى آن. وما تعلّمناه من تجربة وسائل التواصل الاجتماعى بالغ الأهمية عند التفكير فى الروبوتات الرفيقة؛ إذ انتقلنا، فى مسار متدرّج، من التحدث المباشر بعضنا مع بعض، إلى التحدث عبر التكنولوجيا بوصفها وسيطًا، ثم نصل اليوم إلى أن نتحدث مع أنفسنا عبر التكنولوجيا.
■ يبدو أن الذكاء الاصطناعى يتحول اليوم إلى ما يشبه جيلًا جديدًا من الشبكات الاجتماعية. فخلال عقد ٢٠١٠، انصبّ التحذير على خطر «غرف الصدى»، حين أصبحنا نسمع فى الغالب آراءً تشبه آراءنا ونعيد إنتاجها. أما الآن، فتبدو هذه الظاهرة وقد عادت بصورة أكثر كثافة وتركيزًا، مع فارق جوهرى يتمثل فى أن الطرف المقابل لم يعد بشرًا آخرين، بل أنظمة مصمَّمة خصيصًا لتعزيز هذا الانعكاس.
- بالضبط، ويمكنك أن تفهم سبب حماس شركات التواصل الاجتماعى لهذا الأمر. مثال واضح هو مارك زوكربيرج، الذى يريد أن يملأ وسائل التواصل الاجتماعى بروبوتات دردشة ذكية، والهدف هو زيادة مدة التفاعل مع المنصة.
روبوتات الدردشة جذابة جدًا، فالناس كانوا يقضون حوالى نصف ساعة يوميًا على منصات التواصل التقليدية، بينما على منصات مثل Character.AI يقضى المستخدمون ساعتين يوميًا فى التحدث مع الروبوتات.
كانت الفكرة أن الذكاء الاصطناعى يمكن أن ينعش الشبكات الاجتماعية ويجعلها أكثر إثارة، لكن الواقع صعب، لأن الناس فى العمق لا يشعرون بالارتياح عند التحدث مع كيانات غير بشرية عشوائية على الإنترنت.
■ رغم أن هذا الكتاب يتحدث عن الذكاء الاصطناعى، ما هو الشعور الذى خرجت به تجاه حالة العلاقات الحديثة أو الوضع الإنسانى بشكل عام؟
- دفعتنى كتابة هذا الكتاب إلى التأمل فى أوجه تقصيرى بوصفـى صديقًا. فأحد الأسباب الجوهرية وراء الشعبية المتزايدة لروبوتات الدردشة هو أنها «حاضرة» دائمًا من أجلك، وتمنحك دعمًا غير مشروط؛ وهو ما يجعل كثيرين يشعرون بأنهم لا يتلقّون القدر الكافى من ذلك فى علاقاتهم مع أصدقائهم البشر. ومن هنا، أعتقد أن الدرس الحقيقى الذى تكشفه لنا روبوتات الدردشة يتعلق بنا نحن؛ ثمة حاجة هائلة إلى الحب والرعاية فى هذا العالم، وحاجة لأن نحاول أن نكون حاضرين من أجل بعضنا البعض، ربما أكثر مما كنا عليه فى السابق.







