الأربعاء 07 يناير 2026
المحرر العام
محمد الباز

«سينما الهموم الشخصية».. علاء خالد يلتقط القلق الإنسانى عند داود

حرف

لا يستهدف الشاعر والروائى علاء خالد من كتابه «داود عبدالسيد.. سينما الهموم الشخصية» تقديم دراسة سينمائية أو التأريخ لمسار مخرج ينتمى إلى جيل الثمانينيات فى السينما المصرية بالأساس، لكنه يجرى ما يشبه حوارًا طويلًا مع عالم داخلى؛ عالم يتقاطع فيه الحلم بالواقع، والحرية بالعجز، والفرد بالجماعة، من دون أن ينتصر أحدهما نهائيًا على الآخر. ينظر علاء خالد إلى أفلام داود بوصفها حالات وجودية، يمكن الدخول إليها من زوايا نفسية، فلسفية، وجمالية فى آنٍ واحد. فمنذ الصفحات الأولى، ينطلق من فرضية أساسية؛ أن سينما داود عبدالسيد هى سينما الهموم الشخصية، لا لأن أبطالها منعزلون عن المجتمع، بل لأن المجتمع نفسه لا يُفهم إلا من خلال هذا الفرد القَلِق، الهش، الحالم، الذى يقف دائمًا فى المنتصف بين الامتثال والتمرد، الخضوع والحرية، وبين ما هو اجتماعى وما هو ذاتى.

أبطال داود عبدالسيد

يضع الكاتب تجربة داود عبدالسيد ضمن سياق أوسع هو سياق جيل الثمانينيات الذى تشكّل وعيه فى ظل هزيمة سياسية وثقافية طويلة، جعلت من الصعب العثور على «بداية جديدة» واضحة، فلم تعد السينما قادرة على تقديم بطولات كبرى أو سرديات خلاص جماعى، ومن ثم، اختارت أن تنكفئ إلى الداخل، وإلى الذات، بحثًا عن خيط وعى جديد وسط واقع استهلاكى ومتآمر، على حد وصفه. 

من هذا المنظور، يأتى اختيار داود عبدالسيد لأبطال أفلامه، فهم ليسوا أبطالًا تقليديين، ولا نماذج للنجاح الاجتماعى، بل أشخاص يشعرون بالعجز النفسى أو الاجتماعى أو الجسدى، وهو ما يمنعهم من الاندماج الكامل فى الجماعة، غير أن هذا العجز لا يتحول إلى هزيمة، بل إلى دافع للتجاوز.

ثمة تناقضات تسم أبطال داود؛ فهم منتمون إلى الواقع، لكنهم فى الوقت نفسه متعالون عليه بوعيهم. يعيشون داخله، لكنهم لا يتصالحون معه بالكامل. كأن كل واحد منهم يحمل رسالة ذاتية غير معلنة، يريد أن يبرر بها وجوده، أو يمنح لحياته معنى يتجاوز الامتثال، لكن «التجاوز»، كما يوضح الكاتب، لا يتحقق عبر التفوق أو الصعود الطبقى أو تحطيم الآخر، كما هو «الإنسان الأعلى» عند نيتشه، بل يتحقق عبر الاتساق مع الذات، فى لحظة استنارة داخلية، تصادف الأبطال فجأة، تدفعهم إلى مراجعة حياتهم، وإعادة ترتيب علاقتهم بأنفسهم وبالعالم. 

ذات ينحاز لها المخرج 

ينحاز داود عبدالسيد، فى قراءة علاء خالد له، إلى الذات، أيًّا كان موقعها الاجتماعى، فهى كائن يبحث عن حريته الخاصة. ومن ثم، فإن التجاوز عند داود عبدالسيد لا ينتمى إلى عادات أو تقاليد طبقة بعينها، بل يشبه حلمًا شخصيًا يُسقِطه المخرج على طبقته، أو على الهامش داخلها.

وتبدو الطبقة المتوسطة، التى ينتمى إليها داود نفسه، حاضرة بقوة فى أفلامه، لكن من خلال شخصيات هامشية داخلها، ليست من تيارها الرئيسى، ولا تمثل صورتها المستقرة. لا يعيش هؤلاء الأبطال داخل العائلة أو فى لحظة ما بعد تفككها. إنهم أفراد مبتورون عن معنى العائلة، يقفون على عتبة تكوين حياة جديدة، أو الخروج من فكرة الحياة المنظمة نفسها.

تتبع فكرة الخروج خيطًا واضحًا فى كتاب علاء خالد؛ فهو الخروج من الطبقة، ومن المكان، ومن الجماعة، بل أحيانًا من الذات القديمة. وبالتالى، فإن الحرية، فى سينما داود، لا تُمنح داخل البنى القائمة، بل خارجها، أو على حوافها. ولهذا يبدو أبطاله دائمًا فى حالة انتقال مثل يوسف كمال فى «البحث عن سيد مرزوق»، ويحيى فى «رسائل البحر»، والشيخ حسنى فى «الكيت كات»، وسليم فى «مواطن ومخبر وحرامى»، فجميعهم يتحرك بلا يقين، لكن بإيمان داخلى بالحلم. هذا الحلم ليس فرديًا خالصًا، ولا جماعيًا تمامًا. إنه حلم يقع فى المنتصف، مثل السينما نفسها، التى يصفها علاء خالد بوصفها مساحة عابرة بين عالمين. عالم نخرج منه فور انتهاء العرض، لكن أثره يظل عالقًا فينا، كأننا لم نغادره تمامًا.

الفرد والسلطة

يفكك علاء خالد مفهوم «الفرد الهامشى» فى سينما داود عبدالسيد، ليؤكد أنه ليس الفقير، ولا المنبوذ، ولا المتمرد بالضرورة، بل هو الشخص العادى، الذى يملك قدرة نادرة على البوح الصادق. من هنا، تتشكل أيديولوجية جوانية غير معلنة للمقاومة، فهى ليست مقاومة سياسية مباشرة، ولا خطابًا أخلاقيًا صريحًا، بل مقاومة تتحرك بالصدفة، أو بالمكبوت فى اللاوعى. ومن هذا المنظور، فإن داود لا يهدف إلى صُنع مثل أعلى اجتماعيًا، بل يترك الفرد يصنع مثاله الخاص، اعتمادًا على مرجع إنسانى واسع، وإيمان داخلى بالحرية.

ويرصد علاء خالد تطور مفهوم السلطة فى سينما داود، من سلطة اجتماعية واضحة المعالم مثل الأب، العائلة، الدولة، المجتمع إلى سلطة ميتافيزيقية غامضة، بلا وجه محدد، كما فى «البحث عن سيد مرزوق» و«أرض الخوف». يعكس هذا التحول انتقال الأسئلة عند عبدالسيد من مستوى الصراع الاجتماعى المباشر إلى مستوى أعمق، فتصبح السلطة شبحًا، أو قدرًا، أو نظامًا غير مرئى يتحكم فى المصائر. 

الراوى وصوت الداخل

يخصص علاء خالد مساحة مهمة لتحليل حضور «الراوى» فى أفلام داود عبدالسيد. فأحيانًا يكون الراوى خارجيًا، يعلّق على الأحداث ويربط بين الأزمنة، كما فى «مواطن ومخبر وحرامى». وأحيانًا يتحول إلى صوت داخلى، مونولوج طويل، لا يسمعه إلا المتفرج، كما فى «أرض الخوف»، إذ يعد الكاتب هذا الصوت وسيلة لكشف فجوات الماضى، ومساءلة الذات، وتحويل السينما إلى مساحة اعتراف.

ومن الإضافات اللافتة فى قراءة علاء خالد تركيزه على حضور «النص المكتوب» داخل أفلام داود مثل الرسالة، والرواية المفقودة، والاعترافات المكتوبة، إذ يعدها محركات للتغيير، ووسيطًا بين الداخل والخارج، بين الماضى والحاضر، كأن الكتابة داخل الفيلم تعكس رغبة دفينة فى الإمساك بالمعنى، أو فى تثبيت لحظة استنارة قبل أن تتبدد. وهى، فى الوقت نفسه، امتداد لفكرة البوح التى تسيطر على عالم داود؛ ما لا يمكن قوله فى الواقع، يمكن كتابته، أو الاعتراف به فى فضاء آخر، وفضلًا عن ذلك يظهر من خلالها وجود لغة مشغولة بعناية، تقترب من الشعر، سواءً بالفصحى أو بالعامية، وتخرج من عمق نفسى واضح. 

ثوابت سينما داود

من أكثر المحاور أهمية فى الكتاب تتبع تطور مفهوم «الذنب» فى سينما داود عبدالسيد؛ من الذنب الاجتماعى فى «الصعاليك»، إلى الذنب الدينى فى «سارق الفرح»، وصولًا إلى تفكيكه الكامل فى «أرض الخوف»، فالذنب عند داود عبدالسيد، وفقًا لرؤية الكاتب، لم يعد جوهر الشخصية، بل شىء يطاردها من الخارج، ويدفعها أحيانًا لإعادة ترتيب أولوياتها، ما يجعل التحرر آتيًا عبر مواجهة الذنب، لا عبر محوه. 

ويرى علاء خالد أن مفهوم «الصعلكة» يشكل أحد ثوابت سينما داود عبدالسيد. لكنها صعلكة مجازية، لا اجتماعية فقط. تحرر من القيود، ومن النماذج الجاهزة والأخلاق المغلقة. فالصعلوك هنا ليس ضد الدين، ولا ضد السياسة، لكنه يضع «الحرية» فى قلب التجربة الإنسانية، بوصفها الطريق الأقرب إلى السمو.

يشير المؤلف أيضًا بهذا الصدد إلى أن مفهوم الزمن عند داود عبدالسيد هو زمن داخلى؛ زمن التحولات الشخصية، لا الأحداث الكبرى. فالهموم الشخصية، فى عالمه، أهم من السياسة، وأهم من التاريخ الرسمى، لأن المقياس الحقيقى هو حياة الفرد، ووعيه، وحلمه.

ولا يتجاهل الكتاب البعد الجسدى فى سينما داود عبدالسيد، بل يراه جزءًا من رؤيته للتحرر. فالجنس، فى أعمال داود وسيلة لعبور الحواجز الطبقية والجغرافية والنفسية، وهو لحظة تواصل عارية من الخوف، تستدعى الذاكرة المكبوتة، وتفتح أرشيف الوجود الفردى، ومن ثم يصير الجسد امتدادًا للروح، وأداة لاكتشاف الذات، واستعادة آثار الإنسان القديم، ما قبل الاجتماعى، قبل أن تُفرض عليه القيود.

تصريحات داود

يضم الجزء الثانى من الكتاب ثلاثة حوارات كاشفة، لا تقل أهمية عن القسم التحليلى، أجراها علاء خالد مع داود عبدالسيد، ومع الموسيقار راجح داود، ومهندس المناظر أنسى أبوسيف. وهى حوارات تمثل امتدادًا حيًا للأفكار التى اشتغل عليها الكتاب، وتفتح نافذة مباشرة على وعى صُنّاع هذا العالم السينمائى.

فى حواره، يقدّم داود عبدالسيد مفاتيح لقراءة أفلامه، حين يصرّح بأن أقرب أبطاله إليه هو «يحيى» بطل فيلم «رسائل البحر»؛ ذلك الرجل الذى يعيش عدم التوافق مع مجتمعه، ويعانى من التلعثم الذى يمثل عجزه عن التواصل مع عالم قاسٍ. يربط داود خروج يحيى إلى مكان جديد بفكرة التحرر بوصفها امتدادًا طبيعيًا لتمرد الشباب، حين يبدأ الفرد فى مساءلة كل ما يبدو بديهيًا؛ القيم، الأخلاق، والسلطات الخفية التى تحكم السلوك اليومى. 

ويميّز داود فى حديثه بين الأخلاق كمنظومة مغلقة، وبين الأخلاق كقدرة على الفهم والتعاطف، فمفهوم مثل «المغفرة»، فى رأيه، لا ينبغى أن يُختزل فى معناه الدينى الضيق، بل فى جوهره الإنسانى يعنى محاولة فهم الآخر، والبحث له عن عذر، قبل إصدار الأحكام عليه.

ومن اللافت أن داود لا يوجّه نقده الأساسى إلى الأخلاق الدينية بقدر ما يوجهه إلى أخلاقيات الطبقة المتوسطة التى نشأ داخلها؛ تلك الأخلاقيات التى يصفها بأنها الأكثر قسوة، لأنها محافظة، تحب الوضوح الحاد بين الصواب والخطأ، وتخشى الخطأ بوصفه تهديدًا للتماسك الاجتماعى، لا تترك هذه الطبقة، فى رأيه، للفرد مساحة للالتباس أو التجربة، ما يفسر قسوة الأحكام التى تطال أبطال أفلامه، حتى وهم لا يرتكبون جرائم بالمعنى المتعارف عليه.

يعود داود عبدالسيد، فى حواره، إلى لحظة هزيمة ١٩٦٧، بوصفها جرحًا مؤسسًا لجيله، وصدمة دفعت إلى التقوقع والعزلة، وخلقت حالة من الشك العميق تجاه الخطاب الرسمى، تحول إلى حساسية نقدية دائمة، جعلته غير قادر على تصديق أى خطاب جاهز، أو أى حقيقة غير ممحّصة. ما انعكس على رؤيته للفرد، وعلى تبنيه موقفًا ليبراليًا بالمعنى الإنسانى لا السياسى؛ ليبرالية ترفض التضحية بالفرد من أجل الكل، انطلاقًا من إيمان عميق بأن البشر ليسوا نسخًا متكررة، وأن كل حياة هى تجلٍّ فريد لا يمكن تعويضه.

ينعكس هذا الموقف بوضوح فى سؤال داود الدائم عن وظيفة السينما: هل يصنع أفلامًا لتأكيد قناعات الجمهور، أم لتغييرها؟ ما يجيب عليه بحسم بأنه يريد أن يغيّر، أن يعرض إحساسه وأفكاره، من دون أن يصادر على نفسه خوفًا من غضب الجمهور. لكنه فى الوقت نفسه يدرك المأزق الجوهرى للسينما، كيف تصنع علاقة حقيقية مع جمهور، من دون أن تخضع لمزاجه، أو تنفصل عنه تمامًا؟

يرى داود أن حل هذا التناقض كان أحد رهاناته الأساسية فى «مواطن ومخبر وحرامى»، فقد حاول تمرير أفكار معقدة وصعبة داخل بناء ممتع، قادر على التواصل مع المتفرج العادى، من دون تفريغ الأسئلة من حدّتها. وهو رهان يكشف عن جوهر مشروعه كله؛ سينما لا تداعب الجمهور، ولا تعاديه، بل تحاوره، وتدفعه، بهدوء وإصرار، إلى إعادة النظر فى المسلّمات.