الجمعة 20 فبراير 2026
المحرر العام
محمد الباز

بكائيات وأكاذيب.. كيف تصنع جماعات التأسلم السياسى أساطيرها؟

حرف

- محمود عزت هو محاولة الإخوان لتجسيد كل أفكار وهلاوس وسواد قلب سيد قطب على الأرض بكل تفاصيلها

- محمد مرسى كان- كغيره من قادتهم- مجرد أداة أو ترس فى الجماعة يؤمر فيطيع

- القيادى الإخوانى محمود عزت هو رئيس العصابة والعقل المدبر والناب الأزرق

جاء الخبر على صفحات جماعة الإخوان كالآتى: استشهاد العالم ج. ع. السحلب فى محبسه! إذن لدينا عالمٌ ولدينا خبر استشهاده. ولدينا أيضًا نتيجة بحثٍ عن أبحاث العالم ونتاجه العلمى فى مجاله- التى ربما تكون قد نُشرت فى دوريات علمية- عبارة عن لا شىء! هذا إن كنا نفرق بين المعنى الحقيقى لكلمة بحث علمى وبين أوراقٍ مكررة لم تضف شيئًا للعلم ولم يسمع بها أحد خارج نطاق مهاطيل الجماعة! وبالبحث عن خبر وصفة الاستشهاد، تكون النتيجة أنها وصفٌ اعتيادى قررت جماعة الإخوان أن تمنحه لأى أحد من كوادرها أو حتى أعضائها من السلم الأدنى حين يموت فى السجن، بغض النظر عن حيثيات السجن، فهذه الحيثيات والتفاصيل- عند الجماعة التى قررت الإنابة عن الله فى منح صفات الإيمان والكفر والشهادة- مجرد شكليات!

 

 

فى بدء تسعينيات القرن الماضى كانت جريدة الشعب إحدى الصحف التى أقرأها باستمرار. كانت صحيفة حزب العمل الذى امتطته وامتطت صحيفتَه جماعةُ الإخوان بمباركة المهندس إبراهيم شكرى. وكان من بين كتابها الدائمون عادل حسين ومحمد عباس ومحمد عبدالقدوس وغيرهم من إعلامى وصحفيى الجماعة. من أنجح ما قامت به هذه الصحيفة- مع باقى مطبوعات الجماعة ومطبوعات باقى الجماعات الإرهابية- هو تسويق خديعة «علماء الجماعة» الذين تحول الدولة بينهم وبين استفادة مصر من علومهم وعبقريتهم. مما ساهم فى سقوط مصريين فى تصديق الخديعة هو حقيقة انتماء عدد كبير من أساتذة الجامعات وطلاب كليات الطب والهندسة للجماعة انتماءً تنظيميًا صريحًا. 

كانت جريدة الشعب تنشر موضوعات عن علماء الجماعة المزعومين فى تخصصات طبيعية مثل الجيولوجيا والطب والفيزياء والهندسة وغيرها. لم ينتبه المصريون وقتها أن كل ما يتم نشره هو موضوعات إنشائية ذات طابع سياسى مغموس بالبكائيات عما يواجهه هؤلاء «العلماء» من تتبع أمنى. لم ينتبه المصريون إلى السؤال الأهم: أين إنتاج هؤلاء العلمى فى علومهم على المستويين المحلى أو الدولى؟ أين أسماؤهم بين المصريين الذين نبغوا بالفعل خارج مصر، خاصة أن الجماعة كانت تتمتع بحفاوة غربية كبيرة ودعم حكومات وأجهزة مخابرات غربية، على الأقل منذ خمسينيات القرن الماضى. ظهرت حقيقة الخديعة بعد وصول الجماعة للحكم وبعد أن كانت قد وعدت المصريين بقائمة المائة عالم من علمائها الذين يمتلكون مشروعًا علميًا نهضويًا سريًا انتظر طويلًا لكى يرى النور. اكتسح النور الغرف المظلمة وصُدم المصريون بالوهم الكبير. فلا الجماعة تملك مشروعًا علميًا نهضويًا سريًا ولا تملك علماءً بالمرة فى أى فرع من فروع العلم.

فما الذى كان يحدث فى جامعات مصر فى العقود من منتصف السبعينيات وحتى وصول الجماعة للحكم؟ كانت هناك نقطة بداية ذهبية مكنت الجماعة وباقى الجماعات المتأسلمة من الجامعات المصرية. ولم تفرط تلك الجماعات فى الفرصة، واستغلتها أفضل استغلال ممكن. نقطة البداية هى اتفاق الشيطان لخوض حرب الولايات المتحدة ضد روسيا فى أفغانستان بعناصر بشرية من دول مسلمة بينها مصر. ولكى يتم ذلك فلقد مُنحت الجماعاتُ مساحات تحركٍ واسعة فى المجتمع المصرى بما فى ذلك الجامعات خاصة جامعتى المنيا وأسيوط. 

فى هذه المصادفة التاريخية القاتمة حدث شيئان، الأول هو ضم وتجنيد أعدادٍ كبيرة من طلاب كليات القمة مثل الطب والهندسة. والشىء الآخر هو فتح أبواب الدراسات العليا على مصراعيها لأعضاء الجماعة، فاستطاع عددٌ كبير منهم الحصول على درجات أكاديمية مكنتهم من العمل كأساتذة فى هاتين الجامعتين تحديدًا. شكل هؤلاء رأس الحربة التى اخترقت الجامعات المصرية. ومكن هؤلاءُ طلابَ الجماعة من السير على نفس الطريق، وسهلوا لهم الحصول على درجات أكاديمية- عن غير استحقاق علمى- فيما يشبه التوريث الأيديولوجى لمقاعد الأساتذة.

عددٌ كبير من طلاب الطب والهندسة لم يكونوا فى الأساس أعضاءً بالجماعات حتى التحقوا بالجامعة فتلقفتهم الأسر الطلابية التى لم تكن سوى خلايا تنظيمية صريحة. كان القائمون على أمر هذه الأسر- من أساتذة وطلاب قدامى- أشبه بكشافى كرة القدم، يفرزون وينتقون مَن تدفعهم ظروفهم الاجتماعية لقبول سيل المساعدات من ملابس ومراجع وسكن، وأحيانا فرص عمل لبيع الملابس والكتب والسواك وزجاجات المسك أثناء الدراسة.

لم يكن حصول بعض هؤلاء المنتقين فيما بعد على درجة أكاديمية عليا يعنى أنهم علماء، لوجود تدخل مباشر من كبار أساتذة الإخوان. لم يسطع منهم اسمٌ فى مجاله العلمى المزعوم. كان الأمر أشبه باتفاق سياسى وتوافق إدارى للسيطرة أكاديميًا على كليات بعينها. هؤلاء هم الذين أصبحوا أساتذة جامعيين فى عقد التسعينيات والذين تم تلميعهم وإضفاء صفة العلماء عليهم كجزء من تسويق الخديعة.

كانوا يمارسون العمل الأكاديمى بصورة تقليدية فقيرة لأن مهمتهم الأساسية كانت تنظيمية سياسية. لم يكن العلم- بصفته الحقيقية المجردة- فى قائمة أولوياتهم، كما لم يمنحوا هذا العلم ما يستحقه ويتطلبه من تفرغ فى محرابه. كانوا قيادات جماعة سياسية يرتدون أو يتمسحون بعباءة العلم والعلماء عن طريق ما حصلوا عليه من درجات أكاديمية بفعل فاعل. تفرغوا للخطابة السياسية التعبوية للسيطرة عقليًا على الطلاب، ولم تكن بينهم وبين معامل العلم وأدواته ومؤلفاته علاقة زواج لا كاثوليكى ولا حتى زواج متعة! 

قضوا فى السجون سنوات من أعمارهم أكثر مما قضوها فى قاعات الدرس وهم يحسبون أنهم يجاهدون ويحسنون صُنعًا! حتى سجنهم لم يكن فى سبيل قضية وطنية شريفة فُرضت عليهم، بل كان اختيارًا من أجل الجماعة. سجنٌ من أجل جماعة لا وطن! هذه هى حقيقة من ظلت الجماعة وأتباعها يتفاخرون بهم لعقودٍ طويلة ويعدون المصريين بثورة علمية إن أوصل المصريون الجماعة لحكم مصر! 

طبيب الغلابة.. العالم المسن.. الشيخ الكبير الواهن.. كانت هذه بعض الأوصاف التى قرأتها مؤخرًا للإشارة إلى محمود عزت القيادى الإخوانى الشهير. منذ أن تم الإعلان عن قرب عرض العمل الدرامى رأس الأفعى فقد نشطت فجأة ماكينة إعلام الجماعة لاستباق عرض المسلسل، وخلق صورة ذهنية للقائم بأعمال مرشد الجماعة سنوات اقترافها عشرات الجرائم الإرهابية.

الصورة الذهنية لعزت التى تم استقرار الجماعة على محاولة ترويجها هذه الأيام هو أنه رجلٌ مسكين، طيب القلب، رحيمٌ بالغلابة، وهب نفسه وعلمه ووقته لخدمتهم، وطاف بطول امتداد مصر الجغرافى ليطبب مرضاهم ويواسى غلابتهم، ثم فجأة دون ذنبٍ جناه يجد نفسه مُلقى فى سجون السيسى! هذا النشاط المفاجئ وذلك الإلحاح يؤكد أننا على موعد مع كنزٍ معلوماتى سيتم بثه على شاشات القنوات التليفزيونية بعد أيام. إن المصريين على موعدٍ قريبًا جدًا لمشاهدة زلزال قوى سوف يفوق كل توقع، وسوف يصدم كثيرين من فرط وحشيته وإجرامه وكفره بكل قيم دينية وأخلاقية ووطنية. 

هل محمود عزت يستحق هذه الأوصاف- طبيب الغلابة.. الشيخ المسن.. العالم الطبيب- أم أن غباء الجماعة المعتاد جعلها تسقط سقوطًا مذريًا فى اختيار الصورة الذهنية التى كان يمكنها أن تساهم فى خداع بعض المصريين؟! 

فى عام ٢٠١٥م سمعت سردًا على لسان أستاذة جامعية بجامعة إقليمية فى مصر الوسطى عن أحد أساتذة كلية الطب وهو إخوانى معروف. سألتَه تلك الأستاذة عما إذا كان أعضاء الجماعة لا يزالون يجمعون أموال الاشتراكات؟ ففاجأها برده السمج المتباهى أنه بالفعل يجمع أموال الاشتراكات، وينفق منها على مئات الأسر الإخوانية غير المصرية التى دخلت مصر عامى الفوضى! 

نعم محمود عزت طبيب الغلابة، لكنهم غلابة وأسر أعضاء الجماعة. اعترافٌ يستحق القائمون على تمريره من الإخوان الحصول على لقب مخرجى أغبى سيناريو للتبرئة! غلابة الإخوان هم الذين كان عزت يشرف على دفع مرتباتٍ منتظمة لهم مقابل تنفيذ تكليفات الدم والخيانة وتأليب جموع المصريين ضد مصر... مجدى يعقوب طبيب غلابة المصريين. محمد غنيم طبيب غلابة المصريين. كل طبيب مصرى فى أى محافظة مصرية اختار ألا يتاجر بآلام المصريين هو طبيب غلابة المصريين، أما محمود عزت فهو مجرد مجرم من عتاة الإجرام يتمسح كذبًا برداء الإسلام والطب! 

هل محمود عزت من طائفة العلماء لحصوله على درجته الأكاديمية؟ أشك شكًا يقارب اليقين. فالرجل حصل على درجته فى أعوام تمدد الجماعة فى بعض الجامعات الإقليمية وكان يقضى أعوامه فى السجن من أجل جماعته ولم يكن مشغولًا لا بطب ولا بمرضى. بحثتُ كثيرًا عن أبحاث علمية طبية تحمل اسمه فى دوريات علمية معتبرة فلم أجد. أسامة شوقى عالمٌ تحمل اسمه فى دوريات الطب العالمية عمليات جراحية وأدوات طبية، كذلك مجدى يعقوب، فأين اسم العالم الطبيب محمود عزت من هؤلاء؟ حقًا ما أكذبهم وأفجرهم! 

هل محمود عزت شيخٌ مسن لا حول له ولا قوة كما يروجون؟! قولًا واحدًا لا. سيرته تصرخ بحقيقة واحدة لخصها محمد حبيب.. محمود عزت جندى وقائدٌ مخلص للجماعة! نعم هو مخلص لجماعته ولا ينتمى لغيرها.. لا ينتمى لوطن ولا لغلابة ولا لمصريين.

سوف يكتشف المصريون أن محمود عزت هو محاولة الإخوان لتجسيد كل أفكار- وهلاوس وسواد قلب سيد قطب- على الأرض بكل تفاصيلها، من حرق واستهداف منشآت ومصريين يعملون فى مؤسسات الدولة. هو محاولة لهذا التجسيد بكل تحديثات العصر وأدواته التى يمكن أن تسهم فى أعمار الأرض وإسعاد الإنسانية، أو تتحول- فى حالة محمود عزت- إلى أدوات تخريب وخراب جهنمية. 

هو رئيس العصابة والعقل المدبر والناب الأزرق. وسوف يسجل التاريخ أن عملية خلق بكائية بطلها محمود عزت هى الأفشل فى تاريخ الجماعة المحترفة فى خلق البكائيات والأساطير. لأن ما تم العثور عليه وقت القبض عليه أضخم وأبشع من قدرات أى جماعة على الكذب والتدليس.

إن من يريد أن يرى مأزق الجماعة الآن فى مواجهة هذا العمل الدرامى التوثيقى عليه فقط أن ينتبه إلى حالة العجز التى ضربت أذرع الجماعة الإعلامية فلم تجد تلك الأذرع سوى صورة الفنان شريف منير فى أحد الأعمال المسرحية- متنكرًا فى زى نسائى حسب دوره المسرحى- للرد على العمل! لم يجدوا من الأكاذيب ما يمكنه أن يجدى فى خداع المصريين وأن يدافعوا به عن سفاحهم العجوز فوجهوا حملتهم لتشويه أحد فنانى العمل! 

كيف كانت جماعات التأسلم السياسى- وعلى رأسها جماعة إخوان صهيون- تخلق البكائية وتجعل من قادتها أساطير يسقط فى فخ تصديقها بعض السذج؟ إن تتبع تاريخ هذه الجماعات يقود إلى يقين قطعى.. إن كلمة السر الأولى فى صناعة البكائيات والأساطير هى الدم ورائحة الموت. دم بعض المهابيل ممن ينخدعون فى شعارات الجماعات الدينية، أو دم أحد قيادات الجماعة بدءًا من المرشد ذاته حسن الساعاتى، مرورًا بأى قيادة يكون دمها مفيدًا للجماعة فى أى مرحلة، وصولًا لدم مرسى. كلمة السيسى فى احتفال عيد الشرطة «هُما اللى بدأوا».. هذه الكلمة التى مرت على البعض مرور العابرين تكشف هذا السر. 

طريقة صنع وإخراج أى بكائية واحدة دائمًا.. فهم يبدأون بسفك الدماء ودفع مهابيلهم- من أبناء القرى الذين جاءوا بأسرهم خلف من يعتقدون أنهم قادة الإسلام والدفاع عنه- لإثارة الفوضى والخراب ومهاجمة المؤسسات. وفى ذروة الفوضى يقوم أحد مسلحى الجماعة بقنص أحد المهابيل من ظهره، فتبدأ على الفور صناعة البكائية. صراخٌ وهتافٌ معد مسبقًا.. شهيد..شهيد! 

وفى لحظة يتم التوقف عن الخوض فى كيفية بدء الحدث، ومن حرّض، ومن حاول الاقتحام، ومن قتل غيلة ويتم نصب المندبة! مشهد الأكفان المرصوصة هو أهم أدوات مخرج البكائية. أثناء فضح فعاليات رابعة شاهدنا تجهيز المسرح بالأكفان التى يتحرك بعض من بداخلها! يراهنون على قدرتهم على خداع المصريين بمشاهد الأكفان والصراخ المجنون.. شهيد شهيد! 

حتى كبيرهم الذى علمهم السحر كان موته مجرد مادة وأداة من أدوات مخرجى الجماعة المحترفين. جعلوا من عميل المخابرات البريطانية والألمانية والأمريكية شهيدًا بعد قتله فى تصفية حسابات داخلية بين أساطين الجماعة، بعد أن جعلوه صاحب دعوة كالأنبياء فى حياته!

محمد مرسى كان- كغيره من قادتهم- مجرد أداة أو ترس فى الجماعة يؤمر فيطيع. لا ينطق بكلمة أو يتخذ قرارًا من تلقاء نفسه. يؤمر بالتجسس فيتجسس.. يؤمر بخيانة بلاده فيخون.. هو عضو جماعة تنزع إرادة أعضائها، لكنه أمام القانون مواطنٌ مسؤل عن تصرفاته التى قُدم للمحاكمة ليدفع بالقانون ثمنها. وأثناء المحاكمة، وبعد أن تتم مواجهته بأدلة خيانته كرئيس وكمواطن يسقط ميتًا. كل المصريين وقتها كانوا يتابعون ما يحدث. من لم يكن يعرفه سابقًا عرفه من مكالمته الشهيرة على الهواء مباشرة بعد تهريبه من السجن. ثم فتش المصريون عن تاريخه حين دفعته الجماعة للترشح. عرف المصريون كل شىء عنه بدءًا من أكذوبة أنه أحد علماء وكالة ناسا، كما عرفوا دوره فى الخيانة والوشاية بأحد علماء مصر أثناء إقامتهما معًا خارج مصر. ثم شاهد المصريون تلقينه من المرشد ما يقوله من كلمات. ثم تابعنا ما فعله أثناء توليه المنصب.. موقفان علنيان يكفيان لإدانته شعبيًا، موقف استاد القاهرة يوم السادس من أكتوبر، واجتماعه على الهواء مباشرة مع زمرة من إعلاميى الجماعة لتوريط مصر وإدانتها. هذا بخلاف تلالٍ من أدلة الإدانة القانونية السرية والمعلنة.

لم يقو على مواجهة اللحظة فسقط مدانًا. فهل حزنت الجماعة على هذا الموت؟ أعتقد أن العكس هو الصحيح. فموته كان بمثابة لقطة ذهبية للجماعة. لقطة تعشقها الجماعة لتجعل منها نواة لخلق أكذوبة كبرى مستغلة رهبة المصريين من الموت وتعاطفهم اللا شعورى مع أى متوفى. حدث ذلك بعد موته حين سقط فى فتنة هذا الشعور كثيرون ممن كانوا يدركون حقيقته سقطوا رافعين شعار «اذكروا محاسن موتاكم» وأنه مسكينٌ مغلوبٌ على أمره. لم يكن مطلوبًا ولا أخلاقيًا أن نشمت فى الموت لأننا كلنا ميتون، لكن كان مستهجنًا أن يعتقد البعض أن الموت يجعل من الخائن بريئًا!

كان موته مصادفة ذهبية للجماعة التى سارعت لالتقاط المشهد مغموسًا بمشاعر بعض المصريين. رأت الجماعة فى موته طوق نجاة للتوقف عن استمرار جلسات المحاكمة وكشف المزيد من حقائق الخيانة أمام الشعب المصرى. 

ثم رأت الجماعة أن هذا ليس كافيًا، بل يجب استثمار هذه المصادفة النادرة فى مواصلة ما تحترفه وتبرع فيه. الصفاقة كانت لافتة والتبجح فاق كل حد وكل توقع. آلاف الحسابات تفجرت فى وجوه المصريين رافعة ومروجة لبكائية «الرئيس الشهيد!» هكذا يتم تحويل مُدان بالخيانة إلى شهيد. وتحت هذا العنوان يتم إلقاء آلاف الأكاذيب عن مواقف الرئيس الشهيد فى مساندة فلسطين- وهو الذى تواطأ على وأد قضيتها وخيانة أرض مصر فى صفقة واحدة- وفى مساندة الغلابة المصريين وهو الذى أشرف أطباء جماعته على تعذيب هؤلاء الغلابة الذين تظاهروا ضد حكمه!

الأجيال المعاصرة من قيادات الجماعة أفشل من الأجيال الأولى فى قدرتها على الخداع. وذلك لسبب مهم هو تطور وسائل تداول المعلومات. ليس سهلًا أن تخدع كل الناس فى هذه الفترة المعاصرة، وهذا من سوء حظ الجماعة ومن تلطف الأقدار بمصر. فقط الذين ينفصلون عن التفاعل مع وسائل المعلومات الحديثة هم من يسقطون فى الفخ. ولذلك تستهدف الجماعة هؤلاء تحديدًا وتنتقى أهدافها من طبقات اجتماعية بعينها. بينما نجحت الأجيال الأولى لأن دورة تداول المعلومات عن طريق قراءة الكتب والمطبوعات الورقية كانت أطول وقتًا. 

أهم نجاح حققته تلك الأجيال الأولى من الجماعة كان نجاحهم فى صياغة بكائية معتقلات عبدالناصر. حين قرأتُ لأول مرة مجلة الاعتصام فى المرحلة الإعدادية منتصف الثمانينيات تأثرتُ بقوة من صفحات المجلة الخاصة باستعراض ما تعرض له معتقلو الجماعة فى تلك السجون. 

ثم ما لبث هذا الوهم أن انقشع وتبدد بمجرد غوصى فى قراءة بعض الكتب التاريخية والفكرية فى المرحلة الجامعية. وكان لكتاب سيد قطب الفضل الأكبر فى اكتشافى حجم الخديعة. هذا الكتاب صدمنى بشدة حين قرأته أول مرة وأدركت منذ تلك اللحظة أن تلك الجماعة تكفيرية. ودفعنى هذا إلى إعادة قراءة كتاب زينب الغزالى بشكل مختلف نقدى تخيلى لمنطقية ما سردته فلم يصدقها عقلى. 

وفى الجامعة قرأتُ لأول مرة رواية مختلفة عن اغتيال حسن البنا ذكرها بعض قادة الجماعة الآخرين الذين انشقوا عنها، والذين نفوا تمامًا رواية أو بكائية الإخوان عن ضلوع فاروق فى هذا الاغتيال، وألمحوا إلى صراعات الجماعة وقرار بعض قادتها التضحية برأس الجماعة أو مرشدها الذى كان يريد الإطاحة بهم أو التنصل من جرائم جماعته رغم ضلوعه فى تلك الجرائم وقت اقترافها. كان صراع بقاء.. المرشد أم النظام الخاص وكلهم مشاركون فى كل جريمة اقترفها ذلك التنظيم منذ بدء تدشينه! 

إذا كانت رائحة الموت هى الركن الأول فى خلق بكائيات الجماعات، فإن الشكل الجسمانى وهيئة الوجه والمحن الدينى السمج هى مكونات الركن الأول الذى اعتمدته الجماعة فى خلق وغرس أساطيرها بين جموع الطلاب والمواطنين الريفيين فى عقدى الثمانينيات والتسعينيات. 

طلاب بسطاء من ريف مصر العليا والوسطى كان بعضهم يرى فى مجرد إقامته فى المدينة الجامعية رفاهية وراحة من أعمال الزراعة الشاقة. ويشعرون بأن مجرد الانتماء لكليات القمة هو ذروة الطموح، ويعتقدون فى درجة الدكتوراة حلمًا صعب المنال. 

ثم يشاهدون فجأة نموذجًا مثاليًا واقعيًا يجمع ظاهريًا بين اليوتوبيًا الأخلاقية والنجاح المجتمعى. لحى مهذبة وجلابيب بيضاء وانتماء للسلك الأكاديمى أو كليات الطب والهندسة. ألسنةٌ تلهج بآيات القرآن الكريم وأقوالٍ منسوبة للنبى «ص». نموذجٌ صارخ للمُحن الدينى لا يتطرق فى البدايات إلى أى مسائل شائكة. فقط حديثٌ عن مجد الإسلام والدولة الإسلامية الفاضلة الكبرى المفقودة. لقد نجحت الجماعات المتأسلمة فى خلق هذا النموذج من الأسطورة واستخدامه فى السيطرة العقلية التامة على آلاف الطلاب البسطاء داخل الجامعة وعلى آلاف المواطنين خارجها. نموذج الهيرو المسلم أو الشخص المسلم كما ينبغى. وتبلغ الدراما ذروتها بأن يتودد هذا النموذج لهؤلاء، ويمد لهم يد العون، ويخطب ودهم ولا يطلب شيئًا فى المقابل سوى حضور الدروس والندوات المعدة باحترافية الصياد لاصطياد الفرائس.

صعودٌ بالعقل تدريجيًا للوصول فى النهاية لأن تصبح الفرائس جنودًا وتابعين للجماعات ومدافعين باستماتة عنها. عملية خطف عقلية مكتملة. رأيتُ بعينى ذلك الانبهار فى أعين طلاب الأقاليم الذى ما يلبث أن يتحول لاتباعٍ أعمى ودفاع مستميت لا يخضع لعقل. 

لا يتطرق أحد المبهورين إلى أسئلة منطقية: متى تتفرغ هذه النماذج لطلب العلم وهى تقضى أيامها بين ندوات دينية ودروس وأنشطة الجماعات بين المساجد؟ أين نبوغ هؤلاء فى تخصصاتهم؟ كيف يحصلون على تقديراتهم كل عام؟ ومن أين يأتون بتلك الأموال؟ أستاذ فى كلية الطب لا وقت لديه للحديث عن الطب.. طلاب طب وهندسة يقضون الساعات الطويلة فى «الصياعة والتسكع» تحت زعم الخروج فى أيام للتبليغ والدعوة أو فى معسكرات إسلامية لا يحملون خلالها مراجع علمية إنما كتيبات تافهة كتبها قادة الجماعات الذين لم يقرأوا فى حياتهم كتابًا واحدًا يخاطب العقل والفكر! هؤلاء الذين سقطوا فى الفخ فى تلك العقود هم الآن آباءٌ وأمهاتٌ وهم الذين ربوا أبناءهم على نفس الأوهام! وهم الذين يقفون موقف المخاصمة من مؤسسات الدولة! 

هكذا خدعت الجماعات المتأسلمة ملايين المصريين بخلق بكائيات وأساطير من العدم. أكاذيب وخواء وشخصيات فارغة عقليًا أو متورطة ومدانة بخيانة وطنها. نجحت هذه الجماعات بالفعل فى خديعة كثير من المصريين الذين أصبحوا كأكياس الرمل الثقيلة فى أقدام مصر. فى كل موقفٍ تراهم دائمًا سائرين خلف كل ناعقٍ ضد مصر. يلهثون خلف وَهْم العمل على تحقيق أساطير الجماعات وخلق دولة الإسلام المثالية التى لم يكن لها وجود فى يوم من الأيام. نجحت تلك الجماعات عن طريق ترويج هذه الأساطير فى خلق ظهير شعبى على الأرض يدافع عن سقوطها وجرائمها. 

الآن يجب أن نقوم بتفنيد وتفكيك تلك الأساطير. نحن على موعد قريب من عمل قوى يمكنه أن يكون بداية حقيقية تتبعها أعمال أخرى. 

نريد الخوض فى أساس الأساطير. نريد أعمالًا درامية وفكرية تفند أكذوبة الدولة الإسلامية الخيالية. نريد كشف المسكوت عنه فيما يسمى بالتاريخ الإسلامى. لقد بادرتُ إلى ذلك منذ سنواتٍ، وعرضت فى كتابى «الكتاب الأسود» كثيرًا من تلك الأكاذيب، وكشفت ما تم حجبه عمدًا عن طريق مؤرخين خافوا من عرض الحقيقة أو تحرجوا أو كانوا ممن سقطوا فى الفخ. نحن فى انتظار أن نتجرأ ونكتب أعماًلا درامية تزيل الأوهام من العقول. هذا هو الطريق لتفكيك أساطير وبكائيات الجماعات المتأسلمة. إن لم نفعل ذلك الآن فسوف نسهم بالصمت- أو عدم البوح بالحقيقة- فى منح تلك الجماعات فرصة أخرى لخلق أكاذيبها الجديدة التى ستخدع أجيالًا لم ترَ ما رأيناه وعاصرناه! سوف نسهم- إن لم نكمل الطريق- فى أن تصدق أجيالٌ آتية أن محمد مرسى رئيس وطنى شهيد، وأن محمود عزت طبيب الغلابة، وأن كل مجرمى الجماعة- الذين ماتوا فى السجون بعد إدانتهم- شهداء!