الثلاثاء 17 فبراير 2026
المحرر العام
محمد الباز

حديث المصادرة 3.. المقال المحذوف من كتاب «الله والإنسان»

حرف

- المقال الأساسى «الله.. والإنسان» الذى اتخذه مصطفى محمود لكى يكون عنوانًا للكتاب لم ينشر فى الكتاب أساسًا

تعودنا منذ زمن بعيد على التقدير المبالغ فيه عندما يتناول الأمر أحد الباحثين المستعربين، أو المستشرقين، أو المستمصرين، وتم النفخ والإشادة فى أسماء غربية شهيرة، رغم الأخطاء التى يرتكبها هؤلاء المستعربون، تلك الأخطاء لا تكمن فى عدم دقة المعلومة التاريخية فقط، بل يؤدى ذلك الخطأ إلى تشوش فى الرؤية والتحليل والتفكيك، وأحيانًا تكون هناك وجهة نظر سابقة وجاهزة للتطبيق، وبالتالى إن لم تكن المعلومة- التى يراد تجنيدها لحساب وجهة نظر مغرضة- موجودة، لتم اختراعها، ورغم ذلك يتم التهليل لهؤلاء الباحثين وكتاباتهم، كأنهم جاءوا بما لم يأتِ به الأوائل.

والشواهد كثيرة ومتوحشة، سنتناولها إن شاء الله فى ملف خاص ومستقل، ولكن «الشيخ البعيد سره باتع» كما يقول المثل الشعبى الدارج، ذلك الشيخ الذى تتوافر من خلاله السفريات والترجمات وإقامة المؤتمرات، ويستمتع المغيبون بكل الخير الحرام الذى تأتى به ترجمات وأبحاث وتأويلات هؤلاء المستشرقين، بغض النظر عن تسييد وجهات نظر هؤلاء ورؤاهم وتأويلاتهم فى مجتمعاتنا البحثية، ويتم التغاضى تمامًا عن خطر مثل هؤلاء المستعربين وكتاباتهم وأبحاثهم على مختبراتنا العلمية.

لن أخوض فى إحصاء تلك الخروقات التى ارتكبها هؤلاء الباحثون المستعربون فى حق نزاهة أو دقة البحث العلمى، لأن ذلك يحتاج إلى كتابة مستقلة، ولكننى سأحاول التعامل بشكل محدود مؤقتًا مع ما أنا بصدده فى قراءة «حديث المصادرة»، وخصوصًا حول ما حدث لكتاب الكاتب القصصى والطبيب مصطفى محمود، الذى سطع نجمه بقوة فى منتصف عقد الخمسينيات من القرن العشرين، منذ التحق بمجلة «روزا اليوسف» فى يونيو ١٩٥٤، وكتب ونشر مقاله الأول فى المجلة فى العدد الصادر فى ٢٨ يونيو.

تم ابتداع باب جديد فى المجلة تحت لافتة «أدب»، وكتب فيه يخوّل اعتماده ككاتب وكأديب، وذكر فيه الكتّاب الأمريكان مثل الكاتب وليم ساروان، وغيره من الكتّاب والمبدعين فى الولايات المتحدة الأمريكية، وقال إنه يستطيع أن يقرأ هؤلاء الكتاب وهو يأكل أو يشرب أو يجلس فى حافلة عامة، أو يستمع إلى الموسيقى، ولا يفقد الاستمتاع بكتاباتهم، ولكن تلك الكتابات لا تترك فيه وفى القارئ عمومًا أثرًا عميقًا، وهذا الأمر لا يحدث عندما يقرأ الأدب السوفيتى، وخاصة أنطون تشيخوف.

وبعد أن قال بأن الأدب الأمريكى ممتع، ولكنه خفيف ولطيف وظريف، قال: «وقرأت تشيكوف ودوستويفسكى فلم أستطع أن أخلع ثيابى، ولم أستطع أن أتمم فطورى، إنما جلست إلى القصة أقرؤها وأقرؤها دون أن أضحك، ودون أن أبتسم، وإنما قرأتها وأنا أفكر فى نفسى وفى الناس وفى الدنيا، وفى الحياة وفى معنى وجودى، ثم ذهبت إلى عملى، وقد بدأت أنظر إلى الدنيا بمنظار آخر..».

كانت هذه هى أول مصافحة بين مصطفى محمود وقارئ مجلة «روز اليوسف» اليسارية وواسعة الانتشار، وظل يتقلب على باب «أدب» عدد من الكتّاب مثل أحمد عباس صالح، ولطفى الخولى، ونعمان عاشور، وألفريد فرج، ثم عاد مرة أخرى إلى مصطفى محمود الذى بدأ ينشر قصصه القصيرة الفلسفية فى المجلة.

ثم راح يكتب مقالات ذات طابع تأملى عميق، يتشح بالأفكار الفلسفية، وكانت تلك المقالات التى راحت تتواتر فى بداياتها مجرد عروض لكتب مفكرين غربيين، ومن هنا تسللت تلك الأفكار التى راحت تؤثر يومًا بعد يوم على مصطفى محمود الفكرى والثقافى والقصصى بشكل خاص، ثم راح يكتب مقالات بشكل شبه منتظم، تعتمد على أفكار لمفكرين وكتّاب غربيين، دون أن تكون عروضًا أو مناقشة مستفيضة لكتبهم، وكانت تلك المقالات التأويلية، هى النواة التى أسست لكتاب «الله والإنسان» الذى صدر فى مارس ١٩٥٧ عن سلسلة «كتب للجميع» بدار الجمهورية، وتم الترحيب به على نطاق واسع كما سنوضح لاحقًا.

غلاف العدد الذى نشر فيه رجاء النقاش مقاله

فى عام ١٩٩٣حصلت الباحثة السويدية مارينا ستاج على درجة الدكتوراه من جامعة استوكهولم، معهد اللغات الشرقية، وفى قسم اللغة العربية، وفى عام ١٩٩٥ قام المترجم القدير طلعت الشايب بنقل الرسالة وترجمتها إلى اللغة العربية، وصدرت عن دار شرقيات تحت عنوان لافت «حدود حرية التعبير.. تجربة كتّاب القصة والرواية فى مصر فى عهدى عبدالناصر والسادات»، ولم تكتفِ الباحثة بالاستناد إلى الوثائق والأرشيف السياسى والفكرى فيما يخص القضية المطروحة، ولكنها اعتمدت على وثائق خاصة، كما أنها أجرت لقاءات مطولة مع معظم الكتّاب الأحياء الذين تناولتهم الرسالة- الكتاب، ورغم ذلك، سقطت الباحثة فى كثير من الأخطاء، وكان بعض الأدباء الذين قابلتهم مبالغين فى الحديث عن أنفسهم.

وكتبتُ، آنذاك، مقالًا فى حينه، فى العدد الصادر فى مايو ١٩٩٦ من مجلة «القاهرة» تحت عنوان «الذات العارية أمام الآخر البرىء.. مغامرة سويدية فى حقل الأدب المصرى»، وفندت فيه كل الأخطاء التى سقطت فيها الباحثة لمن يريد قراءة المقال.

تنطلق الكاتبة من سلسلة أخطاء فادحة، تلك الأخطاء التى جاءت تارة من اللقاء مع الدكتور مصطفى محمود نفسه، الذى لم يعطها معلومات صحيحة، وربما كان قد نسى لابتعاد زمن مصادرة الكتاب، والذى لم تعثر عليه الباحثة أساسًا.

فقد أخبرها مصطفى محمود بأن مادة الكتاب نشرت مسلسلة فى مجلة «روز اليوسف» عام ١٩٥٥، وبالتحديد فى شهرى أكتوبر ونوفمبر، وكان ذلك هو الخطأ الأول، إذ بدأ مصطفى محمود كتابة تلك المقالات التأملية منذ يناير ١٩٥٥ حتى نهاية العام، وتم اختيار بعضها لكى تنشر فى الكتاب، ذلك الاختيار الذى لم يكن برضا مصطفى محمود، ولكنه جاء باختيار عين الرقيب «منير حافظ»، الذى كان يشرف على رقابة مجلتى «روز اليوسف، وصباح الخير».

أما الخطأ الثانى الأكثر انحرافًا فهو أن الباحثة عندما لم تجد نسخة من الكتاب، ذهبت إلى دار الكتب كى تبحث فى أصل المقالات المنشورة فى شهرى أكتوبر ونوفمبر، والمدهش أن المقالات التى اعتمدت عليها الباحثة، وافترضت أنها كانت سببًا فى مصادرة الكتاب بعد استعداء السلطة السياسية عليها، لم تكن منشورة فى الكتاب.

أما الأكثر إيلامًا من هذا وذاك، فهو أن المقال الأساسى «الله.. والإنسان»، الذى اتخذه مصطفى محمود لكى يكون عنوانًا للكتاب، لم ينشر فى الكتاب أساسًا، بينما ذهبت الباحثة إلى أن ذلك المقال الذى لم ينشر فى الكتاب أصلًا، هو السبب الأول فى مصادرة الكتاب، واتهام مصطفى محمود بالإلحاد والهرطقة، فضلًا عن إنها لم تورد أى شىء عن المحاكمة التى تعرض لها مصطفى محمود والكتاب.

أول مقال لمصطفى محمود فى روز اليوسف يونيو ١٩٥٤

ولم يذكر كل كاتبى سيرة مصطفى محمود شيئًا عن تلك المحاكمة، فقط قال جميعهم بأن الرئيس جمال عبدالناصر هو الذى منع الكتاب بنفسه وفقًا لوشايات واحتجاجات على صدوره.

بينما هناك مفاجآت أخرى سنكشف عنها هنا، بعدما نعطى بعضًا من الكتابات التى تناولها كتاب ونقاد مرموقون رحبوا بالكتاب ومدحوه، أولهم الناقد الشاب رجاء النقاش الذى كتب مقالًا فى مجلة «صباح الخير» بتاريخ ١٤ مارس ١٩٥٧، فى باب «عصير الكتاب»، تحت عنوان «تأملات مصطفى محمود»، وأثنى على الكتاب، حيث استهله رجاء قائلًا: «.. عندما نقرأ مصطفى محمود نجد أنفسنا على الفور أمام طريقة فى التعبير لها متعتها المنفصلة عما تعبر عنه من أفكار، فالأسلوب رشيق أخاذ زاخر بالصور واللمسات الشعرية التى تغنيك عما وراءها من أفكار، إنه كاتب يعبر عن تجاربه بعد أن يتفاعل معها وجدانه.. وكثيرًا ما تغلب رؤيته الوجدانية على هذه التجارب، فتخرج على قلمه كأنها قصائد شعر أو ألحان موسيقار..».

ويستطرد النقاش فى تفنيد الكتاب، ويرى فيه كما عبر فى مقدمة المقال بأن الشاعرية طغت فى كثير من الأحيان على متن الأفكار المطروحة، والجدير بالذكر أن الناقد رجاء النقاش قد احتفى بمجموعة «أكل عيش» لمصطفى محمود فى طبعتها الثانية عام ١٩٦، وكتب لها مقدمة نقدية ضافية.

وكتب الشاعر كامل الشناوى فى جريدة الجمهورية، كذلك كتب فؤاد دوارة فى جريدة المساء، كما احتفى الناقد محمود أمين العالم بدراسة نقدية ضافية فى العدد الصادر من مجلة «الرسالة الجديدة» فى أبريل عام ١٩٥٧، وعمل على تفكيك تجربة الكتاب بشكل رائع، بعد أن كتب للدراسة مقدمة محتفلة بالكتاب، فتعرض لكل فصول الكتاب عن الحرية ومعنى الضمير والشرف.

مقال محمود أمين العالم فى مجلة الرسالة الجديدة أبريل 1957

ولأن محمود العالم أحد دارسى الفلسفة بشكل أكاديمى، فقد استهواه الكتاب الذى خاض فى ذلك المجال بشكل شاعرى، ولكن العالم كان يراه خوضًا مهمًا، ويسعى العالم لتفكيك الصور القلمية التى رسمها مصطفى محمود بدقة، وبعد ذلك يبدأ فى تشريح المقالات الأخرى بشكل موسع، ويقتبس عبارات مكثفة من الكتاب ويعمل على قراءتها بشكل فلسفى، ورغم ذلك فكانت له مآخذ على الكتاب، لكن تلك المآخذ لا تقلل من القيمة العظمى للكتاب كما يقول العالم.

وقبل أن نتعرض إلى المحاكمة التى واجهها مصطفى محمود، لا بد أن نشير إلى أن كثيرًا من المقالات التى من المفترض أن الكتاب سيضمها، فإن المقالات التى تم نشرها وضمها فى الكتاب، خضعت لمقص الرقيب بحدة، وذلك فى متن المقالات، وفى عناوينها، ففى مقال «منطق اللص»، الذى كان قد نشر فى العدد الصادر من مجلة «روز اليوسف» بتاريخ ٢٨ يناير ١٩٥٥ تحت عنوان «كلنا لصوص»، ولاحظ أن ذلك العنوان عاد مرة أخرى لكى يصبح عنوانًا لفيلم مع تحريف قليل «يا عزيزى كلنا لصوص»، بطولة محمود عبدالعزيز وصلاح قابيل وليلى علوى، وكتبه إحسان عبدالقدوس، ومصطفى محرم.

مقال رجاء النقاش فى مجلة صباح الخير مارس ١٩٥٧

أما المقال فلم يقتصر الأمر على تغيير العنوان، ولكن عندما نشر فى الكتاب تم حذف عبارات لم تعجب الرقيب، عبارات ترهب الهاربين من الضرائب، وتتهم الرأسمالية بالجشع والتوحش والاستفحال، رغم أن بلادنا تعلن غير ذلك.

مصطفى محمود رغم أنه فى ذلك الكتاب كان يتحدث عن الحريات وضرورة وجودها فى المجتعات، فإنه كان يلطم الرأسمالية فى مقتل، أحيانًا بشكل مباشر، وأحيانًا تحت أقنعة أسلوبية ساخرة مثلما يقول: «اللص ليس نذلًا ولا قاتلًا، كل ما هنالك أن له مشرطًا كاللسان الطويل يقطع به جيوب الناس».

طبعة ١٩٦٠ مع دراسة رجاء النقاش

لغة الكتاب جاءت ساخرة وحادة خاصة عندما كانت تقترب من رجال الدين الذين لا يقيمون للعدل أو للعلم أى قائمة، لذلك كانت مواجهة هؤلاء شرسة وحاسمة لإعدام ذلك الكتاب للأبد، خاصة أن مصطفى محمود نفسه لم يبادر لنشره مرة أخرى، بعد أن تراجعت أفكاره، وكتب كتابًا مضادًا تحت عنوان «حوار مع صديقى الملحد»، فند كل أفكاره القديمة ودحضها وتنكر لها بعد أن أصابته الدروشة بفعل فاعل.

زعمت الباحثة السويدية أن مصطفى محمود اعتنق الماركسية، وهذا لم يحدث أبدًا، ولم يكن فى يوم من الأيام فى خندق الماركسيين أو الشيوعيين، ودائمًا ما كان يناهض أفكارهم ويهاجمهم حتى بعد مرحلته الدرويشية، رغم أن كل مقالاته وقصصه التى كتبها فى الخمسينات كانت تضج بالتناقضات الطبقية والاجتماعية، وتسعى لفضح تلك التناقضات، ولكن تحت رؤية وجودية متقدمة، ولذلك كانت التقاءاته مع الماركسيين قليلة، وهامشية، وليست متينة.

وبعد أن أخذ الكتاب يروج وينتشر وينتبه الناس إليه، أمرت نيابة أمن الدولة فى يونيو ١٩٥٧ وطبقًا للقانون بعرض أمر المصادرة على محكمة مصر للحكم بتأييد القرار أو رفضه.. ثم استجوبت المحكمة مصطفى محمود لمدة ساعتين، ثم استمعت إلى مرافعة النيابة- كما ذكرت مجلة «صباح الخير» فى ١٣ يونيو ١٩٥٧- جلسة كاملة، ثم عقدت خمس جلسات أخرى لاستماع مرافعة الدفاع.

فى الجلسة الأخيرة ظل الدفاع يتكلم ثلاث ساعات، ثم أعلن القاضى تأجيل النطق بالحكم للاطلاع على الأوراق.. والقاضى الذى نظر القضية هو الأستاذ محمود صادق رمضان رئيس محكمة مصر، ووكيل النيابة الذى ترافع مطالبًا بتأييد قرار المصادرة هو الأستاذ عبدالرءوف على، أما محامى الدفاع فهو الدكتور محمد عبدالله، الأستاذ الجامعى والمحامى العام السابق - كما ذكرت الصحف، وهو حاصل على الدكتوراه فى جرائم النشر، وله فى جرائم النشر كتاب مهم، كان قد نال به على جائزة الدولة فى القانون.

وقد أثارت النيابة تحفظها على استخدام الكاتب بعض العبارات التى اعتبرتها تعديًا على الدين، وكانت هناك مذكرتان الأولى من وزارة التربية والتعليم، تتهم الكتاب بأن فيه هدمًا للروحانيات ومحاولة لبسط سطوة العقل على كل شىء، أما المذكرة الثانية، وذلك هو المدهش، فكانت من دار الإفتاء المصرية، وتلك هى المفاجأة، وذكرت مذكرتها بأن الكتاب تمجيد للحرية، وإعلاء لشأن العقل، ولكنه فى تناوله للأديان قد وقع فى أخطاء جوهرية.

أما القاضى فقال ما هو أغرب وأفدح، وقال: إن الرسوم التى جاءت بالكتاب- وهى بريشة الفنان جمال كامل- جاءت فيها أجساد عارية وهو أمر لا يليق... أما المحامى محمد عبدالله المثقف، فدافع عن الرسوم قائلًا: «إنها رسوم رمزية، وإن الجسد العارى لا يكون دائمًا خلاعة وإثارة، إنما هى طريقة فى التعبير، بدليل إن أكثر رسوم المعابد والكنائس تحتوى على أجساد عارية..

جاءت المحاكمة فى عدة جلسات، وشهدت سجالات عديدة، وعالية المستوى، بين الدفاع والقاضى والمحامى والنيابة ومصطفى محمود، وكان جو المحاكمة كما قالت الصحف كلها جوًا فريدًا من نوعه، ولعلها أول قضية فى محكمة مصر تتردد فيها أسماء مثل فرويد وداروين وهيجل إلى سيدى أبوالفضل الشاذلى مؤسس الطريقة الشاذلية، أما مرافعة محمد عبدالله فأشاد بها الجميع، فكانت ممتعة للغاية، وأهم ما عرفت القضايا من مرافعات، حيث قال فى بعض منها سلسلة أفكار أدهشت الحضور، وقد ناقشت المحكمة فى إحدى جلساتها نظرية داروين، وهل صحيح أن الإنسان أصله قرد، أما مصطفى محمود فرد قائلًا بأن هناك بقايا تشريحية فى جسم الإنسان تدل على ذلك وعلى ذلك النسب.

ورغم كل تلك الحوارات العلمية والشائكة، لم تصدر المحكمة حكمًا نهائيًا بالمصادرة، ولكنها لم تعقد جلسات أخرى، ويبدو أن أمرًا غامضًا آخر تدخل فى استبعاد الكتاب من النداوت، ولم ينشر مرة أخرى.

وهناك شائعات كثيرة قد انتشرت وما زال بعضها يرددها كتاب وباحثون تقول إن مصطفى محمود تم منعه من الكتابة، وهذا لم يحدث على الإطلاق، لكن مقالاته ظلت تنشر فى مجلة «صباح الخير»، ولكنه كان قد توقف فى تلك الفترة عن تلك الكتابة الشائكة والتى وضعته فى عداد الملحدين تارة، وتارة أخرى فى صفوف المعارضين، أما الشائعة الغريبة فهى التى تقول بأن مصطفى محمود قد تم اعتقاله آنذاك، وهذا لم يحدث أبدًا، بل أصدر كتبًا ومجموعات قصصية، منها «أكل عيش»، ومجموعة «قطعة السكر»، والتى لم يعد نشرها مرة أخرى، ولكنه وزع قصص تلك المجموعة فى مجموعات أخرى.

الله والإنسان 

بقلم: مصطفى محمود 

الطبعة الأولى للكتاب فى مارس ١٩٥٧

يقول يهوذا فى التوراة: 

أنا الرب إلهكم الذى أخرجكم من مصر.. من أوطان الذلة.. فلا تتخذوا من دونى آلهة تعبدونها.. حرمت عليكم الأصنام والتماثيل، وتصوير ما فى السماء وما فى الأرض وما فى البحر.. 

أنا الرب إلهكم القوى الغيور الذى ينتقم من الآباء العصاة فى أبنائهم، وأحفادهم إلى الجيل الثالث والرابع، والذى يمنح الغفران لمن أحبوه وحافظوا على فروضه، ويبسط رحمته على أبنائهم وأحفادهم إلى ألف جيل من ذريتهم.. 

أنا الرب إلهكم إذا سرتم حسب أوامرى وحافظتم على ما أطلب منكم.. أنزلت عليكم المطر المناسب لكل فصل.. فتنبت الأرض الحب وتثمر الأشجار فى خصوبة يانعة..

وإذا لم تطيعونى ولم تقوموا بما آمركم به.. عاقبتكم بالجدب.. وبالقيظ الذى تذبل منه أعينكم، وألقيت فى قلوبكم الرعب.. وسحقت كبرياءكم.. وجعلت السماء من فوقكم كالنار والأرض من تحتكم كالنحاس.. وسلطت عليكم الطاعون..

أنا الرب إلهكم..

لا تنسوا يوم السبت.. يوم راحتى..

اشتغلوا طيلة ستة أيام.. واعملوا فيها ما تريدون، ثم خصصوا يوم السبت لى.. ولا تقوموا فيه بعمل، وكذلك أبناؤكم وبناتكم، وخدمكم وخادماتكم، وحيواناتكم والغريب فى بلدتكم..

إنى أنا الرب.. خلقت السماء والأرض فى ستة أيام، ثم استرحت فى اليوم السابع..

من كل الحيوانات التى تسير على أربع لا تأكلوا إلا ما كان ظلفه مشقوقًا..

لا تأكلوا الأرنب لأن ظلفه غير مشقوق.. فهو نجس. وكذلك الأمر فى الأرنب الجبلى..

منذ ثلاثمائة عام، كان باروخ دى سبينوزا.. الفيلسوف العملاق.. يقرأ هذه السطور من التوراة.. ويشرد بذهنه.. ويستغرق طويلًا فى التأمل..

وشأن كل الفلاسفة الذين يفكرون كثيرًا، انتهى سبينوزا إلى نتيجة لم تعجب المتدينين فى عصره.. فطرده كبير الأحبار من رحمة الكنيسة..

وخرج سبينوزا وكلمات الحبر الأعظم ما زالت تطن فى أذنيه:

فى نظر الملائكة، وفى نظر الأبرار.. وفى نظر القديسين أنت مجذوم.. ملعون فى السماء وفى الأرض.. وملعون الذى يحدثك.. والذى يسكن معك تحت سقف واحد..

وسار المفكر وحده يبحث عن غرفة تؤويه..

لقد تبرأ منه أبوه.. وأنكرته أخته.. وأغلق أصدقاؤه فى وجهه الباب..

ورحل إلى رينسبرج.. وغيّر اسمه. واشتغل يصقل العدسات واستأجر غرفة صغيرة على سطح بيت قديم، وفى هذه الغرفة كان يعمل فى النصف الأول من النهار فى كسب خبزه.. وكان يقضى النصف الباقى فى التفكير فى الله والإنسان.. وفى كلمات التوراة كان عليه أن يوجد إلهًا يعبد أن يرفض يهوذا.. إلهًا قادرًا على كل شىء..

وسجن نفسه فى غرفته مثل دودة سجنت نفسها فى شرنقة لتصنع الحرير..

وأخذ يسجل تأملاته..

إن الشجرة والوردة والعصفور والجدول والمرأة الجميلة وماء البحر وكل خط وكل لمحة وكل ظل فى الكون هى تعبيرات وتجليات لقوة باطنة هى.. الله..

إن الخير نسبى والشر نسبى لأن الإنسان ينظر إلى الأشياء من زاويته.. فالأسد متوحش لأنه يأكل الإنسان.. والدجاجة ظريفة.. لأن الإنسان يأكلها.

إننا نتوهم أن كل شىء فى خدمتنا.. نتوهم أن أشجار البلوط تنمو فى الغابة لنصنع منها الدواليب.. والخيول تنبت لها ذيول لنصنع منها المنشات.

ولو فكر البعوض بهذا الأسلوب المضحك.. لقال إن الإنسان خلق بساقين، ليلسعهما والماء يتجمع فى المستنقعات ليبيض فيه ويفقس..

إن الخير والشر يخرجان من حاجات الإنسان ومصالحه. ولكن الله ليس عنده خير، وليس عنده شر.. وإنما كل شيء عنده ضرورى..

الخط الأسود ضرورى ليكمل الخط الأبيض، والظل ضرورى ليكمل النور..

-

كان سبينوزا يغزل هذه الخيوط الدقيقة من الفكر.. ويبحث فى معانى الحياة الغامضة.. حينما تلقى طعنة غادرة بين كتفيه.. وقال الذى طعنه إنه يريد أن يقتل ملحدًا ليتقرب بدمه.. إلى الله..

وظل سبينوزا فى الفراش شهورًا طويلة.. ثم بدأ يخطو ببطء نحو الشفاء..

ومات أبوه وهو فى الفراش واستولت أخته على حقه فى الميراث.. فرفع عليها قضية كسبها.. ولكنه أعاد ما كسبه فى خطاب رقيق قال فيه:

«أختاه.. ها هو نصيبى أعيده إليك.. إنى ما فكرت لحظة فى مال أبى.. وإنما أردت فقط أن أعلمك احترام القانون».

وحينما قدم له التاجر الثرى سيمون دى فرى منحة مالية كبيرة أصر على رفضها.. كما رفض كرسى الفلسفة فى جامعة هايدلبرج والمبلغ الجسيم الذى قدمه له لويس الرابع عشر..

وظل يعيش على اللبن والشعير والهواء الطلق.. حتى رقد فى شتاء ١٦٧٧ ليموت..

ورفع الناس قبعاتهم.. وأطرقوا.. يصغون إلى الروح العظيمة تغنى أغنية الإنسان الخالد:

إنى آكل من قلبى كل يوم..

وأحترق..

لأضىء للناس الطريق..

-

لقد ولدت أحمر اللون..

وسوف أموت..

أبيض الشعر..

سوف تذهب نارى..

ويبقى الرماد..

أن أى متعة فى الحياة..

لا تساوى ألمى..

-

إنهم يلقون بزيتى على الأرض.

إنهم يسرقون نبيذى.

إنهم يكبلوننى بالحديد.

إنهم يقطعون يدى ورجلى.

إنهم يريدون منى أن أكذب.

ولكنى لن أكذب.

سوف أموت وأخلف لهم.

شيئًا لا يموت..

هو الحقيقة.

يا قلبى العجوز تشجع.

لا تعبأ بالهزيمة.

إن النصر آت عما قريب.

والعدل لا بد أن يتحقق.