الأحد 11 يناير 2026
المحرر العام
محمد الباز

الموت كمدًا.. رحيل فاجع للكاتبة والسيناريست هناء عطية

حرف

- رحلت وسط صخب ثقافى عام دون التفات لها كما يليق بكاتبة ومبدعة مهمة

- لم تشفع لها أعمالها أن تهتم بها الحركة الثقافية كما حدث مع كاتبنا الكبير صنع الله إبراهيم

عشر سنوات كاملات مرت على صدور كتابى «لماذا تموت الكاتبات كمدًا»، عام 2016، ولا أريد أن أنسب لنفسى مجدًا أو سبقًا فكريًا فريدًا، لأن كل ما كتبته فى ذلك الكتاب لم يكن اختراعًا علميًا أزهو به، أو ادعاءً مجازيًا أو خياليًا، ولا تأليفًا لمجموعة ظواهر لم تحدث فى الواقع على مدى عقود طويلة. 

رغم أن الكتاب جاء فى صفحات لا تزيد على مائة وأربعين صفحة، إلا أنه كان كشفًا عن مسكوت عنه طويلًا، وأصبح ذلك السكوت ظاهرة تضرب فى كل حياتنا الثقافية، وهى ظاهرة تكريس شبه جماعية لما تم تكريسه منذ سنوات، حتى لو كان ذلك التكريس يخص كتّابًا أو كاتبات دون المستوى، ولكن مذبحة الكاتبات فى صمت كانت أكثر فداحة، وأكثر ظلمًا، وحاولت التأكيد أن الظاهرة ليست معركة بين رجال ونساء، أو بين شباب وشيوخ، ولكنها معركة ثقافات، ثقافات قديمة ورجعية، ولكنها متغلغلة فى كل أداء ثقافى وفكرى، ولها حراس ومؤسسات ومنظّرون ومفكرون كبار، ويصبح مجرد الاقتراب من هؤلاء المفكرين جرمًا ممن حاولوا الكشف عن ذلك العوار، وعلى الجانب الآخر هناك ثقافات طليعية وجريئة، ولكنها لا تجد لنفسها مكانًا شرعيًا أو مؤسسيًا لكى يكتب لها شهادة ميلاد، ولا أعنى شرعيًا بالمعنى الدينى أو السلطوى أو السياسى، ولكننى أقصد المعنى الثقافى والفكرى الفاعل والمجرد عن كل الملابسات المعقدة الرسمية، وإن كانت المؤسسة الرسمية تنبذ تلك الثقافات الطليعية، وتتبنى كثيرًا ذلك الخطاب الذى يكرّس للسائد. أتذكر عندما كنت أكتب حلقات الكتاب مسلسلة فى صحيفة «أخبار الأدب»، كانت تأتى ردود فعل كثيرة ومتنوعة وثرية، وعندما صدر الكتاب، وعقدنا له ندوة فى المجلس الأعلى للثقافة، احتشد فى القاعة الرئيسية للمجلس جمهور كبير جاء للمناقشة، وعندما امتلأت القاعة تم فتح القاعة المجاورة مع عرض وقائع الندوة على شاشات، وكانت المنصة عامرة بنخبة متميزة من الكتّاب والنقاد الكبار، وأذكر أن ناقدًا أكاديميًا كبيرًا ومرموقًا توقف عند مسألة «الكاتبات يمُتن كمدًا»، وقال: كيف يموتون كمدًا؟، وأكد «أن نازك الملائكة عاشت ما فوق الثمانين»، وأضاف: «أما من يمُتن كمدًا فهذا نتيجة أسباب بيولوجية تخص المرأة!!!!»، بالطبع هذا الأكاديمى الكبير كان صديقى، ولكن وجهة النظر تلك جاءت من ميراث طويل وعريق فى ثقافتنا العربية، ميراث ما زال حماته يحيون على مجده بيننا، على مجد عنترة بن شدّاد الذى حرر عبلة، وإيزيس التى ركزت الأبحاث الكثيرة على أنها مجرد جامعة لأعضاء حبيبها، وعندما عارضت نوال السعداوى مسرحية «إيزيس» لتوفيق الحكيم بمسرحية حملت الاسم ذاته، وأوضحت بعد بحث طويل أن إيزيس لم تكن مضافًا إليه، بل كانت عالمة ومفكرة- لم يلتفت إلى ما كتبته الباحثون والمتابعون، لكن السعداوى لم يصبها تجاهل هؤلاء فحسب، بل هاجمها كل المتشددين.

وفى ذلك المجال لا بد أن أذكر سلسلة مؤاخذات فى مسألة استبعاد الكاتبات أو تحديد إقامتهن فى نوع وجنس أدبى محدد، كما كتب عباس العقاد فى كتابه «شعراء مصر وبيئاتهم» ١٩٣٧، وقال إن المرأة لا تصلح لكتابة الشعر، وإن كتبت شعرًا فلا تتجاوز باب الرثاء، مثل الخنساء فى رثاء شقيقها «صخر»، ومثل عائشة التيمورية فى رثاء ابنتها، وهو يريد أن يوضح أنها ندّابة لا تنتج سوى العويل والبكاء، والكتاب موجود لمن لم يقرأه، كذلك قال إنها جديرة بكتابة السرد والحكايات، وهو لم يكن يحترم السرد، ويعتبره نوعًا من التسالى، هذه كلمات تعبّر عن لسان حال كثيرين من العقول القائدة فى ذلك الوقت، وكنت قد ذكرت ذلك باستفاضة فى كتابى «الذين قتلوا مى»، الذى صدر عن دار أخبار اليوم، وهو معارضة لكتاب الشاعر الكبير كامل الشناوى «الذين أحبوا مى»، وذكرت فيه أن كل من التفوا حولها وأكلوا وشربوا فى صالونها، وكتبوا فيها شعرًا وكان مصدرًا للإلهام فى سنوات زهوها، تخلّوا عنها فى سنوات انكسارها، بل هاجموها، وقالوا كلامًا ليس طيبًا فى أحسن الأحوال.

وعندما دعتنى المخرجة والصديقة عبير على للمشاركة فى مهرجان «إيزيس المسرحى»، منذ سنوات، لكى أقدّم بحثًا عن الكاتبات المسرحيات، وجدت أن من كتبن المسرح فى النصف الأول من القرن العشرين نادرات، وكنّ ممثلات ومغنيات فقط، وفى كل الأفيشات والإعلانات التى تروّج للفيلم أو المسرحية كان جسد المرأة هو بطل الأفيش، وكان الإعلان يكشف عن تفاصيل ذلك الجسد «السيقان والأذرع» بطريقة سوقية، أى تسليع الفنانة عبر جسدها، أما الرجل فهو الكاتب والسيناريست والمخرج وكاتب الأغانى، أى العقل المفكر الذى يقود كل شىء على خشبة المسرح، كما يحدث كذلك على شاشة السينما، كما كان يحدث وما زال فى الحياة ذاتها. ولا بد أن أذكر مرارًا وتكرارًا مجموعات القصص المشتركة التى كانت تصدر فى العقود العديدة منذ ثلاثينيات القرن العشرين، فكانت تخلو تمامًا من الكاتبات، وأشهر تلك المجموعات التى صدرت فى مطلع عام ١٩٥٦، وقدّم لها الدكتور طه حسين، وأعد دراسة نقدية رصينة الناقد والمفكر محمود أمين العالم، وصدرت عن دار النديم «اليسارية» آنذاك، وضمت بين دفتيها كتّابًا ومبدعين منهم يوسف إدريس، ويوسف الشارونى، وعبدالرحمن الخميسى، ومصطفى محمود وغيرهم من نجوم القصة القصيرة فى ذلك الوقت، ولكنها خلت تمامًا من أى عنصر نسائى، وكانت هناك كاتبات ومبدعات مثل جاذبية صدقى، وأمينة السعيد، وصوفى عبدالله، وفاطمة محجوب، وغيرهن، وتكرر ذلك الأمر فى مجوعة أخرى قدم لها بدراسة نقدية الناقد الدكتور عزالدين إسماعيل، وتكرر ذلك الأمر دون ملل عام ١٩٦٩ فى مجموعتين كبيرتين، ضمتا كل ألوان الطيف الأدبى من الكتّاب، دون كاتبة واحدة، وفى ذات الوقت كانت قد صدرت مجلة «جاليرى ٦٨» الطليعية، وظلّت ثلاثة أعوام تصدر، ولم يتضمن أى عدد من أعدادها سوى نص واحد لصافيناز كاظم بين الشعر والسرد، وقصيدة مترجمة للشاعر «أبولينير» قامت بترجمتها نادية كامل، وماعدا ذلك لم نعثر على أى نص لكاتبة، رغم أنه كان يتربع على عرش المجلة كتّابًا وأدباء ونقاد طليعيين، منهم أستاذنا إدوار الخراط، والناقد الكبير إبراهيم فتحى، وغالب هلسا، ورغم ذلك لا أقول إن ذلك كان استبعادًا متعمدّا بالدرجة الأولى، ولكنه كان تجاهلًا، وعدم اكتراث، وذكورية متفشية ومترسخة من عهود وثقافات سابقة ومهيمنة، 

وهناك شواهد كثيرة كانت وظلّت فاعلة حتى الآن، وإن كانت أخذت أشكالًا أخرى فى العهد الحديث، مما كان وما زال يدفع الكاتبات إلى الإحباط الحتمى، ويجعل كاتبة ومثقفة رفيعة المستوى، ومشاركة رئيسية فى صياغة ثقافة حقيقية، أن تنهى حياتها فى واقعة شهيرة، وهى العزيزة الراحلة أروى صالح، ودون استطرادات فى سرد نماذج أخرى، فالكاتبة التى سنتناولها لاحقًا، والسيناريست هناء عطية، رغم أنها أصدرت عدة مجموعات قصصية، مثل «شرفات قريبة، وهى وخادمتها»، وروايات منها «تمارين الورد، ورمادى»، وكتبت سيناريوهات لأفلام شهيرة مثل «خلطة فوزية، ويوم للستات»- لم يشفع لها كل ذلك أن تهتم بها الحركة الثقافية كما حدث مع كاتبنا الكبير صنع الله إبراهيم، رحمه الله، وهذا الأمر ليس جندريًا فحسب، لأن ذات الفعل حدث للكاتب مصطفى نصر. هذه مقدمة كان لا بد منها حتى نكتب فى العدد المقبل قراءة نقدية فى عوالم وشخصيات كتابات هناء عطية، التى رحلت وسط صخب ثقافى عام، دون التفات لها كما يليق بكاتبة ومبدعة مهمة فى السرد المصرى والنسائى.