الحاجة نعمات.. حفيدة الست تتحدث لأول مرة:
13 سنة مع «طنط ثومة».. أسرار جديدة عن سيدة الغناء تعيد اكتشافها من جديد
- لم أرَ فى حياتى سيدة بارة بأهلها كالست أم كلثوم سنة مع «طنط ثومة»
- ليس صحيحًا ما قيل عن مشاكل حدثت بين الست أم كلثوم والسيدة جيهان السادات
- نعمات حفيدة الشيخ خالد شقيق الست أم كلثوم
لو رجعت إلى الكتاب الأشهر عن سيرة الست: «أم كلثوم التى لا يعرفها أحد» لعندليب الصحافة محمود عوض، ستجده يتوقف عندها وتستوقفه محبة الست لها، فيكتب عنها ويصفها: «أكبر طفلة فى منزل أم كلثوم اسمها نعمات.. إنها بنت ابن أخ أم كلثوم.. لقد انفصل أبواها بالطلاق منذ سنوات، ثم تزوجت والدتها وتزوج أبوها.. بقيت الفتاة الصغيرة وعمرها تسع سنوات.. أخذتها أم كلثوم لتربيها فى منزلها، ولم تكن الفتاة قد دخلت مدرسة ولا حتى ذهبت إلى كتاب، وعندما بدأت نعمات تستقر فى منزل أم كلثوم، أحضرت لها مدرسًا خصوصيًا استمر يعلمها ثمانية أشهر.. إنها فتاة ذكية، لذلك نجحت بتفوق عندما أدت الامتحان فى مقرر ثلاث سنوات دفعة واحدة.. إنها الآن فى السنة الثانية بالمرحلة الإعدادية، وهى باستمرار تتفوق فى مدرستها، بالذات فى اللغتين العربية والإنجليزية.. إن أم كلثوم تحب نعمات مثلما أحبت عادل (ابن بنت عمها) من قبل».

ولو رجعت إلى ملف الطالبة نعمات سمير خالد إبراهيم البلتاجى فى مدرستى «القومية» و«آمون الخاصة» بالزمالك، فستكتشف أن متابعة «ولى الأمر» على الشهادات والتقارير الشهرية بتوقيع السيدة أم كلثوم، فقد ظلت «الست» طوال سنوات دراسة «نعمات» هى المتولية أمورها والمشرفة على شئونها، تتابع تفاصيل دراستها وحياتها، إلى أن أشرفت على زواجها قبل أشهر قليلة من رحيلها.
نحن إذن إمام واحدة من قلب العائلة الكلثومية، عاشت فى فيلا أم كلثوم 13 سنة، تحيا معها بين نفس الجدران، وتأكل معها على نفس المائدة، تشاهد تفاصيل يومها منذ أن تفتح عينيها فى الصباح، رأت وعرفت رامى والسنباطى وبليغ والشيخ سيد مكاوى ومصطفى أمين وكل أركان حرب الست من المبدعين.. وما زالت ذاكرتها تحفظ كل شبر من الفيلا التى عاشت فيها أجمل سنوات عمرها، وما زالت تبكى جدرانها حتى اليوم.
القريبون من أم كلثوم يعرفون مكانة الحاجة نعمات وصلتها وقربها من كوكب الشرق، لكن الحاجة نعمات نفسها لم تحاول أن تستغل هذه الصلة، ولم يحدث أن خرجت لتتكلم عن الست أو تحكى عن سنواتها بقربها، ولذلك ومن المؤكد أن ظهورها الآن له سبب ضاغط ومبرر قوى، ويمكن تلخيصه فى كلمة واحدة: فيلم الست!

ما سمعته الحاجة نعمات عن «طنط ثومة» والصورة التى قدمها به الفيلم والجدل المثار حوله، جعلها تخرج عن صمتها الطويل.. آلمها ما سمعت وما قيل، خاصة ما يتعلق ببخلها وجحودها تجاه أسرتها وحالة الوحدة والاكتئاب التى عاشتها.. ولأنها تعرف الست عن قرب قررت الحاجة نعمات أن ترد وتوضح وتدافع، فلهذه الست التى يشوهون صورتها دين فى عنقها جاء أوان سداده.
الميزة الأهم والأكبر فى شهادة الحاجة نعمات أنها تتكلم من مقام العارف، الذى شاهد ورأى لا من سمع، ثم إن ذاكرتها القوية الحاضرة المحتفظة بكل التفاصيل تزيد وتضاعف من أهمية هذه الشهادة.. ولذلك فعلى الذين ملأوا الدنيا بحكايات وروايات ما أنزل الله بها من سلطان عن الست أن يصمتوا، ليسمعوا الحقيقة من مصدرها ومنبعها.
الحاجة نعمات ستحدثنا عن أم كلثوم كما عرفتها وعاشتها، ستقدم لنا صورة حية من داخل بيتها ومن خلال وقائع حضرتها وكانت شاهدة عليها وطرفًا فيها.. وخلال هذا الحوار الطويل كان يتجسد أمام عينى ذلك الوصف الذى سمعته من السفيرة إيناس مكاوى «الابنة الكبرى للموسيقار الشيخ سيد مكاوى»، وهى تحكى عن الانطباع الذى خرجت به بعد لقاءاتها مع أم كلثوم وهى طفلة.. «سيدة ذات جلال وحضور».
والآن لننصت إلى الحاجة نعمات وهى تحكى لنا عن «طنط ثومة»، عن «الست» من داخل بيتها وليس كما رأيناها على الشاشة.

أسرار الست: تزوجت مرة وحيدة وفسخت خطبتها من محمود الشريف بعد 5 أيام
أقدر أقول إن «طنط ثومة» عاشت حياة بسيطة.. وبحكم السنوات الطويلة التى عشتها بجوارها فإنها كانت تصحو مبكرًا، إفطارها لا يزيد على كوب شاى بالعسل، ثم تتناول أدويتها وتبدأ يومها، وغالبًا يكون عندها بروفة مع فرقتها، والبروفات إما أن تكون فى الصالة المخصصة للبروفات بالدور الوسطانى بالفيلا، أو فى استديو الإذاعة.. وتعود لتتناول غداءها فى حوالى الساعة الثالثة عصرًا، وغالبًا هو غداء خفيف، حتة سوتيه، حتة فراخ مشوية، شوية سلطة، وحتى فى الفاكهة تجدها تكتفى بنصف موزة وفصين برتقال، فقد كانت حريصة على المحافظة على وزنها وجسمها.
أما يوم الحفلة فكان مختلفًا، تصحى بدرى تصلى وتفطر وتشرب الشاى بالعسل وبعدين تنزل تتمشى على كورنيش النيل باتجاه المعادى، وسائقها بالسيارة يمشى وراها يتابعها خوفًا من المعاكسة أو المضايقة، وكانت تحرص على المشى الطويل لأنه يرفع لياقتها البدنية.
ولما ترجع يأتيها الكوافير والماكيير وتبدأ فى تجهيز نفسها بمساعدة الحاجة إحسان مساعدتها..وكانت الناس تنتظر فستان أم كلثوم الجديد زى ما بينتظروا أغانيها، وفساتينها دائمًا فيها حشمة ووقار وأناقة وذوق، وكانت لها خياطة بتستريح فى تصميماتها اسمها «مدام فاسّو».. ولا تأكل قبل الغناء، وتكتفى قبل دخولها على المسرح بكوب تيليو بالعسل.. وطبعًا لازم المنديل يكون فى إيديها لا يفارقها، أولًا لأنها تكون متوترة وكأنها تغنى لأول مرة، وثانيًا لأن إيديها كانت بتعرق وعرق الإيدين وراثة عندنا فى العيلة.
ورغم الإرهاق والتعب واليوم الطويل، لازم لما ترجع البيت تصلى كل ما فاتها من صلوات، وتؤديها بتأن وخشوع، وبعدين تنام شوية وتصحى بدرى كعادتها لتتلقى ردود الأفعال عن الحفلة، ودايمًا كان فيه تليفون تنتظره من الفنانة شادية الله يرحمها.. وفى هذا اليوم كان التليفون لا يتوقف عن الرنين، مكالمات واتصالات من كل أنحاء العالم العربى.
وأما ما قيل عن أنها كانت تدخن السجائر والكلام الفارغ عن انتشار الحشيش فى ليالى حفلاتها فهو «قلة أدب» وكلام قهاوى ولا يصدر عن ناس تعرف أم كلثوم.. الست كانت حريصة على صحتها جدًا وتعرف أن رأسمالها هو صوتها فكيف تضيع رأسمالها فى التدخين.. وأذكر أنه فى شهور الصيف كانت الست بتنزل تقعد معانا فى الدور الأرضى لأنها بتخاف من التكييف الموجود فى غرفتها وتخشى من تأثيره على صوتها.
حياتها كلها كانت لفنها وجمهورها، ولا أعرف من أين جاءوا بحكاية أنها كانت وحيدة وعايشة لوحدها فى البيت.. فيلا الست أم كلثوم كانت دايمًا «تشغى» بالضيوف والزوار.. وخلال إقامتى فى بيت «طنط ثومة» قابلت وعرفت ناس جميلة زى الأستاذ رامى الشاعر الرقيق اللى كان من ألطف وأرق خلق الله.. وطبعًا الأستاذ رياض السنباطى وبليغ والشيخ سيد مكاوى.. حتى الأستاذ محمد عبدالمطلب أو الأستاذ طلب كما كنا نناديه، وكان أول واحد يزور بيت الست يوم العيد لتهنئتها.. وفاكرة إنى زرت معها الأستاذ عبدالوهاب فى بيته على النيل واحتفت بنا مدام نهلة القدسى.
ولا يمكن الحديث عن بيت الست دون أن أذكر د. حسن الحفناوى، هذا الرجل الجميل النبيل..وهو الزوج الوحيد للست أم كلثوم.. وأنا أؤكد أنها لم تتزوج غيره، وحكاية الأستاذ محمود الشريف فإن الأمر لم يزد على خطوبة استمرت خمسة أيام ثم فسختها.
وفى بيت الست كان من زواره الدائمين أولاد الرئيس عبدالناصر، وقرأت مؤخرًا حوارًا للسيدة منى عبدالناصر ذكرت فيه أن الذى أحيا فرحها هى «طنط ثومة».. وقالتها بتلقائية لأنها كانت مثلنا تناديها «طنط ثومة».. وكان شقيقها الأكبر د. خالد عبدالناصر يزورنا فى البيت.. أما علاقتها بالسيدة تحية عبدالناصر فكانت فوق الوصف، وعاشت الست أصعب أيام حياتها فى فترة الحداد على الرئيس عبدالناصر واعتزلت الناس والغناء، ولم ترجع إلا بطلب من السيدة تحية التى تنازلت لها بكل محبة وتقدير عن لقب سيدة مصر الأولى طوال عهد الرئيس عبدالناصر.
وليس صحيحًا ما قيل عن مشاكل حدثت بين الست أم كلثوم والسيدة جيهان السادات.. أنا شفت السيدة جيهان فى بيت أم كلثوم، وأنا التى قدمت لها الشيكولاتة.
الست كما عرفتها: صورة حية من داخل جدران الفيلا
أنا حفيدة الشيخ خالد، شقيق الست أم كلثوم، وكنت طفلة صغيرة عندما انفصل والدى «سمير خالد إبراهيم البلتاجى» عن والدتى، فقررت الست أم كلثوم أن تتولانى بالتربية والتعليم وانتقلت لأعيش فى بيتها، حياة كاملة، وألحقتنى بمدرسة «آمون الخاصة»، ثم «القومية» بالزمالك، ومن زملائى فى المدرسة كان معى بنات الرئيس السادات من زوجته الأولى، وبنات الفنان أحمد مظهر، وزوجة المهندس عادل الحديدى ابن عمتى وأحد أحفاد الست أم كلثوم. وقعدت معاها وتحت رعايتها المباشرة لغاية لما جوزتنى، وماتت بعد زواجى بحوالى ٥ أشهر.
فاكرة كل حاجة عشتها فى الفيلا، وزعلت عليها لما هدوها، حسيت بألم شديد وكأن ضهرى انكسر، ولغاية الآن لما أمر عليها وأنا رايحة نادى نقابة المهندسين- بحكم أن ابنتى مهندسة وعضوة بالنادى- أبقى مخنوقة من الزعل والحسرة على المكان اللى تربيت وعشت فيه مع الست أم كلثوم.
كل حاجة حلوة شفتها من الست، رغم مشاغلها فإنها كانت حريصة على متابعة كل تفاصيل حياتى، حتى ملابسى كانت بإشرافها، شهادات المدرسة وتقارير المتابعة الشهرية هى اللى توقعها بنفسها، تتابع حتى أدائى للصلوات، وأشهد أنها كانت ست متدينة وعمرها ما نسيت إنها بنت شيخ ومتربية على القرآن الكريم. فى أيام الحفلات أو البروفات الطويلة كانت أول ما ترجع البيت لازم تصلى كل الفروض المتأخرة، وتصلى بخشوع وكما يجب أن تؤدى الصلوات. وفاكرة فى المناسبات الدينية فى رجب وشعبان كانت تجمعنا كلنا حولها وتقعد فى وسطنا تدعى واحنا نقول وراها.
وفاكرة إنه كان فيه شيخ يأتى من شبرا ليقرأ القرآن فى البيت كل أسبوع وله مرتب شهرى، ودى كانت عادة موجودة أيامها فى أغلب البيوت.. وكان فيه شيخ تانى فى القرافة له مرتب شهرى وكانت تكرمه لما تروح تزور أمها.. الصلاة والقرآن من الطقوس اليومية الثابتة عند الست أم كلثوم، والمؤكد أن تربيتها الريفية الملتزمة فضلت محافظة عليها طول عمرها، وأنها بنت الشيخ إبراهيم البلتاجى.. وبالمناسبة جدى الشيخ إبراهيم كان موظفًا وله مرتب من الدولة كمؤذن للمسجد فى «طماى الزهايرة».
وخلينى أقول لك إن صلة أم كلثوم عمرها ما انقطعت بأهلها وناسها فى طماى، كل يوم على الله كان عندنا ناس من البلد، لدرجة أنها خصصت لهم بدروم الفيلا، اللى جاى يتعالج فى القاهرة أو طالب خدمة أو وظيفة، ولا تكتفى باستضافته، بل تتكفل بمصاريف العلاج والدواء وأجرة السفر، ولو المريض قريب لها- وغالبًا من أولاد عمها- تزيد على كل ده بأن تمنحه «نفحة» خاصة علشان يدخل على أسرته لما يرجع بهدايا وحاجات حلوة.
وبحكم أنها كانت من مؤسسى بنك مصر وترتبط بعلاقة صداقة وطيدة مع الأب الروحى للمشروع طلعت باشا حرب، فإنها توسطت لتعيين عشرات من أهل طماى كموظفين فى البنك، أغلب أهل قريتها من الحاصلين على شهادة تعليمية ولو شهادة الابتدائية كانوا موظفين فى البنك.
وفى فترة عملت حصرًا بكل الأسر المحتاجة فى طماى وخصصت لكل أسرة معاشًا شهريًا قيمته جنيه مصرى، والجنيه وقتها كانت له قيمته.. وفى شهر رمضان تتفق مع شركة بيع المصنوعات على كميات كبيرة من الأقمشة تشحنها فى سيارات نقل لكسوة الناس فى طماى، وكانت جدتى «هنومة»- زوجة جدى الشيخ خالد- تسافر مع سيارات الأقمشة لتوزعها بنفسها على الأهالى.
طول عمر الست أم كلثوم وهى فخورة برحلة كفاحها ومعاناة بداياتها، يعنى مرة سألوها فى حوار صحفى عن بيتهم فى طماى، فردت ساخرة: بيت!.. قولوا أوضة، فكل واحد من أعمامى كانت له غرفة واحدة يعيش فيها مع أولاده، ووالدى له غرفة يعيش فيها مع أمى وإخوتى.. ولما ربنا فتحها عليها واشترت أراضى واسعة فى طماى أعطت لكل واحد من أبناء عمومتها فدانين ليعيش من دخلهما وعمرها ما حاسبتهم لا على دخل ولا إيراد.. خير الأرض لهم. والكل يعرف أنها تبرعت بكذا فدان لإقامة الوحدة الصحية والجمعية الزراعية فى طماى.
ومع اتساع الأرض التى اشترتها فى طماى تولى شقيقها الشيخ خالد إدارة «العزبة» والإشراف على شئونها، وغير صحيح أنها كانت تحاسبه وتعاتبه على إسرافه.. أيوه كان عايش كويس وعنده عربية كاديلاك وبقى عمدة طماى، وكانت الست تحبه وتحترمه وتقدره.. يعنى لما سافرت تعمل عملية الغدة الدرقية فى مستشفى البحرية الأمريكية، وعالجوها باليود المشع خوفًا على حنجرتها وصوتها، كانت تعليمات الأطباء الصارمة إنه ممنوع تتعرض لضغط نفسى فى فترة النقاهة، يعنى لا زعل ولا نرفزة، وحصل إن جدى الشيخ خالد توفى فجأة «١٩٥٤» وهى خارج مصر، ولأنهم يعرفون علاقتها بشقيقها منعوا عنها الصحف والمجلات حتى لا تعرف بالخبر، ولم تعرف بوفاة شقيقها الوحيد إلا بعد رجوعها مصر.. وعاشت فترة حداد طويلة حزنًا على شقيقها الوحيد.
أما تقديرها لوالدها- جدى إبراهيم- فكان أشد، يعنى قبل وفاته أوصاه واحد صاحبه غلبان من البلد على ابنته الصغيرة التى أنجبها على كبر، قال له: خلى بالك منها لأنى خايف عليها تتبهدل من بعدى، والفقر زمان كان صعبًا، وإكرامًا لوالدها قررت الست أم كلثوم أن تتبنى هذه الطفلة، وعاشت «سنية» فى بيت «طنط ثومة» وبرعايتها العمر كله.. إكرامًا لوالدها وتنفيذًا لوصيته.
ومن المعلومات المغلوطة التى سمعتها وتحتاج إلى تصحيح أن الشيخ إبراهيم البلتاجى عاش معها فى الفيلا، جدى الشيخ إبراهيم مات قبل بناء الفيلا، وقبلها سكنوا فى عابدين ثم فى عمارة بهلر بالزمالك.. لكنه لم يحضر الفيلا، ولما مات دفناه فى طماى، أما جدتى فاطمة- والدة أم كلثوم- فهى التى عاشت معها فى الفيلا، وبلغ من تقدير الست لها أنها قبل كل حفلة لازم تعدى عليها تبوس إيديها. وأوصت ستى فاطمة بدفنها فى القاهرة وليس فى طماى، وبالفعل دفنتها الست أم كلثوم فى المقبرة التى اشترتها فى البساتين.
لم أرَ فى حياتى سيدة بارة بأهلها كالست أم كلثوم، ويمكننى أن أحكى الكثير عما قدمته لأسرتها ورعايتها كل أفرادها.. حصل مرة إنى أبلغتها بأن خالى الموظف بوزارة الصحة أصيب بقرحة فى المعدة واضطر لاستئصال أجزاء منها، وأصبح العلاج يستنزف مرتبه.. لقيتها رفعت التليفون وكلمت وزير الصحة وفضلت تتابع معه لغاية لما صرفوا له الدواء من الوزارة، وفضل يصرفه لغاية لما مات.
وخير الست كان على الكل، وبيتها مفتوح لكل محتاج.. كنت تلاقى مظاهرة قدام الفيلا من أصحاب الطلبات، يقفوا يستنوها لما تخرج أو ترجع، تاخد منهم الطلبات، وكلها لازم تتلبى.. يعنى من فترة قريبة كان عندى صنايعى بيعمل لى حاجة فى المطبخ، وحكى لى بفخر- ولم يكن يعرف قرابتى بأم كلثوم- أن شقته التى يسكنها منذ سنين طويلة فى الحى السادس بمدينة نصر أخذها بفضل الست أم كلثوم، وسألته: إزاى؟ رغم إنى أعرف التفاصيل، حكى إنه انتظرها عند خروجها من الفيلا وأعطاها الطلب، فاتصلت بمحافظ القاهرة وتوسطت له دون أن تعرفه.
ولذلك عندما أسمع الآن عمن يتهمون أم كلثوم بالبخل، أتأكد أنهم لا يعرفونها، وأقول لهم كنتم تعالوا شوفوها وهى تجمعنا نحن بنات العائلة بعد النكسة وتقول لنا: عيب لما تبقوا لابسين دهب فى الظروف دى، وبناء على أوامرها تبرعنا بذهبنا للمجهورد الحربى وهى أولنا، وفى رحلاتها الغنائية من أجل المجهود الحربى كانت تحمل معها فى جولاتها صندوقًا هائلًا تعود فيه بكل ما جمعته من تبرعات، وتأتى عربية مصفحة فيها اثنان من اللواءات وعدد من الجنود وأمناء الشرطة ليتسلموا حصيلة الصندوق، الذى يعلم الله كم مرة امتلأ على آخره وتبرعت به أم كلثوم لبلدها ولم تحصل على أى أجر فى هذه المهمة الوطنية.. فعن أى بخل يتحدثون؟
حتى حكاية العازف فى فرقتها الذى قيل إنها رفضت أن تقف معه فى أزمته، فالذى حدث أنها عرفت أنه يضيع فلوسه على «الشرب»، فقررت أن تعطيه درسًا وتعاملت معه بغلظة مستحقة، ثم قدمت كل المساعدات الممكنة لزوجته وأولاده واشترطت على زوجته ألا تخبره بما فعلت..والحقيقة أن علاقة أم كلثوم بعازفى فرقتها كانت فوق الوصف، وفيه ناس استمروا يشتغلوا معها أكثر من ٣٠ سنة، وأذكر أن عازف الناى سيد سالم قرر أن يعتزل بعد رحيل أم كلثوم، وقال لا يمكن أشتغل مع أحد غيرها.. يبقى إزاى كانت بخيلة معهم وهم يحبونها كل هذا الحب؟
أنا من الناس الذين كانوا يقرأون الجوابات التى تصل إلى «طنط ثومة»، وهى بالآلاف، كنا نقرؤها جميعًا ونرد عليها، أما الخطابات التى تتضمن طلبات ومساعدات فكنا نعرضها عليها، ويشهد الله أنها كانت تلبيها جميعًا.

الوداع يا ست: زوّجتنى وأدت رسالتها نحوى وماتت بعدها بـ5 أشهر
ظللت فى رعاية «طنط ثومة» وتحت إشرافها حتى زواجى من ابن عمتى، يعنى كان قريبها هو كمان، وتولت تجهيزى وحضرت فرحى وأدت رسالتها تجاهى، وانتقلت لأعيش فى بيت الزوجية، لكن كنت أزورها باستمرار، ولم أستطع البعد عن البيت الذى تربيت وتعلمت فيه.. وماتت بعد زواجى بحوالى ٥ أشهر.
وحتى آخر أيامها كانت «طنط ثومة» تتمتع بصحة جيدة، كانت تسافر سنة آه وسنة لأ لعمل فحوصات شاملة «غالبا فى سويسرا».. عملية الغدة الدرقية تركت فقط آثارها فى عين واحدة فى شكل جحوظ، وكانت تخفيه بنظارتها السميكة.
ومع تقدم العمر قلصت عدد الوصلات فى حفلتها إلى وصلتين فقط.. وفى الأسابيع الأخيرة كانت تشكو من آلام فى الكلى، فقد كانت تظن أن شرب الماء يزيد الوزن، ولذلك كانت تشرب كميات قليلة جدًا من الماء، ما أثر على كفاءة الكلى، فكانت تشعر فيها بآلام مبرحة فنقلناها إلى مستشفى المعادى العسكرى.

وكنا نظن أنها مجرد أيام حتى تتحسن حالتها وتعود إلى بيتها، وفاكرة إن الأستاذ مصطفى أمين زارنا وقتها فى البيت وقعد يوصى عم محمد البواب: عايزك تمسح السلم بريمو والدنيا تنور كده علشان الست لما ترجع إن شاء الله تلاقى البيت زى الفل!
لكن شاءت إرادة الله أن تتدهور حالتها الصحية بسرعة وتنتقل إلى جوار ربها.. وكانت صدمة فظيعة بالنسبة لنا لم نستوعبها حتى الآن.. ربما خفف من حزننا تلك الجنازة المهيبة، حيث خرجت الملايين لتشيّعها وتبكيها.. الناس كلها كانت حزينة عليها وكأن كل واحد فقد قريبة له عزيزة عليه.
مصر كلها كانت فى حالة طوارئ، وفاكرة إن هيئة السكة الحديد سيّرت قطارات مجانية لنقل المشيعيين من المحافظات.
الست أم كلثوم بالنسبة لى كانت أمًا فعلًا، وأتكسف إنى أدعى فى صلاتى لأمى من غير ما أدعى لها.. حزنت عليها وبكيتها ولسه بادعى لها.. وحزينة أكتر على البيت اللى عشت فيها، وحاسه إن «ضهرى اتكسر» لما هدوه.
ربما الميزة الوحيدة للفيلم الجديد عن الست أنه جعل الأجيال الجديدة من الشباب تسمع الست وتهتم تعرف أكتر عن حياتها.. ولا أستغرب أنها بعد أكتر من خمسين سنة على رحيلها ما زالت هى مطربة العالم العربى الأولى.. ولا أبالغ عندما أقول إنها هرم مصر الرابع.. ربنا يرحمك يا «طنط ثومة».






