رحلة بحث عن معنى فى عالم بلا إله
لماذا أنا لست ملحدًا؟.. اعترافات مؤمن متشكك
- كاتب يحكى معاناته فى البحث عن إجابات فى الإلحاد.. ويتناول أسئلة حول الألم والموت والغاية
- كريستوفر بيها: الرحلة لن تنتهى ما دمت حيًا.. والاستمرار فيها هو العمل الذى وجدت لأجله على هذه الأرض
- كتاب: الإيمان يحافظ على أفضل ما فى المذهب المادى والرومانسى.. ويقدم صورة كاملة ومتماسكة للواقع
- المادية العلمية متناقضة داخليًا بل وغير متماسكة
- العالم المادى مخلوق من قبل شىء آخر غير عقولنا
- الملحد المعاصر لا يرفض الله بقدر ما يرفض العالم الغامض الخانق
قبل خمسة وعشرين عامًا، تخلى الكاتب «والكاثوليكى منذ ولادته» «كريستوفر بيها» عن الإيمان بالله. وبعد قراءة كتاب برتراند راسل الكلاسيكى «لماذا لست مسيحيًا؟»، أصبح ملحدًا ملتزمًا، موقنًا أن أيام إيمانه قد ولت. لكن تجربة شخصية فى شبابه مع الموت، دفعت «بيها» إلى رحلة بحث استمرت عقودًا عن معنى فى عالم بلا إله. يروى كتاب «لماذا لست ملحدًا: اعترافات مؤمن متشكك» قصة هذا البحث عن إجابات علمانية لما سماه «إيمانويل كانط» أكثر الأسئلة الإنسانية إلحاحًا: ماذا يمكننى أن أعرف؟ ماذا يجب علىّ أن أفعل؟ ما الذى يمكننى أن أرجوه؟
يتتبع «بيها»، فى رحلته، تطور ما يعتبره النظريتين الرئيسيتين للإلحاد: المادية العلمية والمثالية الرومانسية.يقوده هذا الاستعراض لهذين الشكلين المتنافسين للإلحاد إلى استنتاجٍ مفاجئ، وهو أن الإيمان- خاصة الإيمان بنظام خلقى لكل حياة بشرية فيه دور ذو معنى- يحافظ على أفضل ما فى كلا المذهبين، ويقدم فى الوقت نفسه صورة كاملة ومتماسكة للواقع.الكتاب الذى يقع فى 432 صفحة، صدر فى 17 فبراير الماضى، عن دار نشر «بنجوين برس»، وهو فى المرتبة الثالثة للكتب الأكثر مبيعًا فى الدين والفلسفة، والتاسعة فى كتب المساعدة الذاتية الروحية.وتأتى أهميته فى أنه لا يمثل جدلًا دفاعيًا عن المعتقدات، بل هو توثيق لانخراط طويل فى الأسئلة الإنسانية الخالدة، ودعوة للقراء لخوض غمار هذه الأسئلة بأنفسهم.
كريستوفر بيها هو المحرر السابق لمجلة هاربر ومؤلف أربعة كتب، بما فى ذلك رواية «فهرس الأفعال المدمرة للذات»، التى تم ترشيحها لجائزة الكتاب الوطنى لعام 2020.

مظاهر مألوفة
يفتتح المؤلف كتابه بمشهد كفيل بجذب انتباه حتى أكثر المتشككين تصلبًا. ففى الخامسة عشرة من عمره، يستيقظ على وجود ملائكى «أجبره على البقاء فى فراشه، وطالبه بالتوكل على الله». ويؤكد أنه لم يكن حلمًا، بل كان رعبًا حقيقيًا يجتاح جسده ورئتيه وروحه.
ومن هنا، ينتقل عبر تفاصيل طفولته، التى يصفها ليس فقط بأنها بيت كاثوليكى، بل «عالم كاثوليكى». القداس، والمسابح، وأحواض الماء المقدس عند الباب- كانت هذه هى مظاهر حياته المبكرة المألوفة، عادية كأشرطة الفيديو لفيلم «إيربلاين!». وفيلم «كاديشاك» بمشاهده المقتطعة بعناية.

ثم ينهار كل شىء. يروى الكاتب أنه خلال الفصل الدراسى الأول له فى جامعة برينستون، صدمت سيارة شقيقه التوأم جيم. كان المشهد مؤلمًا للغاية. انخفضت مستويات الأكسجين فى دمه، وخاف الأطباء من الأسوأ، بينما كان بيها وشقيقته ينتظران والديهما.
كتب بيها: «أول ما فعلناه... هو الصلاة»، وهو رد فعل طبيعى لعائلة تربت على التوجه إلى الله، عندما تشعر الحياة بأنها فى أشد حالاتها هشاشة.
نجا جيم، لكن بيها لم يكن مسكونًا بالمعجزة بقدر ما كان مسكونًا بالحسابات. عائلات أخرى تصلى. إخوة آخرون يموتون. بدت كلمة «الحظ» كلمة قاصرة، ولغزًا عظيمًا.
كانت هذه بداية حقيقية لعدم إيمانه. المعاناة من حوله- والمعاناة المحتملة فى المستقبل- جعلته يتخيل نفسه محميًا بشكل فريد، وهو أمر يبدو له مشينًا. فى تلك المساحة الهشة، ظهر الفيلسوف برتراند راسل.
التقط بيها كتاب «لماذا لست مسيحيًا؟» فى أحد فصول الصيف، منجذبًا إلى العنوان، ووجد نفسه منبهرًا بادعاء راسل الجرىء بأن «الخوف هو أساس كل شىء» عندما يتعلق الأمر بالمعتقد الدينى.
يصيبه هذا الخط ككرسى يسحب منه فجأة وهو جالس. خوف من الموت، خوف من الزيف، خوف من المجهول. فجأة، يبدو يقينه السابق وكأنه شىء تجاوزه.
يقول الكاتب: لقد غير هذا الكتاب حياتى. كان من تلك الكتب التى تقع بين يدى القارئ المناسب فى الوقت المناسب، وكأنها تخاطب حاجة خفية لديه.
يضيف: كان الأثر الدائم لكتاب راسل على نابعًا من إصراره على ضرورة مواجهة الخوف لا بالقبول الأعمى للعقائد التى ورثناها عن التقاليد والسلطات، بل بالنظر إلى العالم «بصراحة وجرأة» و«عقل متحرر».
لم تكن كلمات راسل تشير إلى مجموعة محددة من المعتقدات بقدر ما كانت تشير إلى منهج فى فهم العالم.
يصبح هذا الاكتشاف نقطة حرجة فى حياته. يتخلى بيها عن إيمانه، ويرفض التناول، ويلتزم بما يعتقد أنه عالم العقلانية والرزانة. لكن بينما ينشغل برفض الدين، يبدأ جسده برفضه: اكتئاب، ورعب، وشلل النوم، وأخيرًا سرطان الغدد الليمفاوية فى المرحلة الثالثة- «مغطى بالأورام»، كما أخبره طبيبه.


هنا تبلغ الرواية ذروة جاذبيتها. يغوص بيها فى عالم الملحدين الجدد- دوكينز، ودينيت، وهاريس، وهيتشنز- فيجدهم أذكياء، فطنين، بل وجديرين بالإعجاب. لكنه يدرك أيضًا أنهم يخبرونه بما لا يجب أن يؤمن به دون تقديم إرشادات تذكر حول كيفية العيش.
يصدمه كيف أن حججهم غالبًا ما تعتمد لا على العقل، بل على بديهيات أخلاقية كامنة لا يشرحونها شرحًا وافيًا. إنهم يدينون القسوة الدينية، لكنهم نادرًا ما يوضحون مصدر يقينهم الأخلاقى.
يقرأ لهم لأنه يبحث عن توجيه، لكنه يجد، بدلًا من ذلك، جوقة من الرجال تصر على أنه لا يحتاج إلى أى توجيه.
يقرر البحث عنه بنفسه. تتحول سنوات العشرينات والثلاثينات من عمره إلى حياة قراءة طويلة وشاقة: لوك، وهيوم، وكانط، وسبينوزا، ونيتشه، وهايدجر. إنه لا يبحث عن نظريات مجردة، بل عن شىء عملى، شىء يجيب على تساؤلاته الملحة.
كيف لى أن أعيش؟ ما الحياة الطيبة؟ ما الحياة ذات المعنى؟ يقدم الماديون كونًا من الجسيمات والقوانين، بينما يقدم الرومانسيون كونًا مبنيًا على الإرادة والأصالة. وكلاهما، بطرق مختلفة، يتركانه يحدق فى الفراغ.
يقول المؤلف: لم تعد الشكوك تراودنى إلا فى منتصف الثلاثينات من عمرى. بعد ما يقرب من عشرين عامًا من البحث غير المجدى عن رؤية عالمية ملحدة مقبولة، بدأت أشك فى أن الإلحاد نفسه قد يكون جزءًا من المشكلة.

يستكمل: قد يبدو هذا وكأنه مفترق طرق طبيعى آخر. فى البداية، رفضت المعتقدات التقليدية، ثم رفضت أشكالًا أكثر حدة من عدم الإيمان، وأخيرًا وصلت إلى موقف وسط معتدل.
يعرف هذا الموقف باسم اللا أدرية. وحسب فهمك لهذا المصطلح، فإنه يصف إما استجابة قديمة جدًا أو حديثة نسبيًا لمشكلة الإيمان. إذا اعتبرنا اللا أدرية ببساطة هى الرأى القائل بأن البشر لا يستطيعون أبدا الإجابة عن سؤال وجود الله، فمن المرجح أنها قديمة قدم الإيمان نفسه.
وقد سمى هذا الموقف تاريخيًا بالشك. وحتى يومنا هذا، أعتبر نفسى شكاكًا، وبهذا المعنى يمكننى الادعاء بأننى قبلت اللا أدرية.
يمكن تعريف اللا أدرية أيضًا بأنها الرأى القائل بأنه لا حاجة لنا إلى أى رأى بشأن الله على الإطلاق. يمكننا بسهولة أن نمضى فى حياتنا دون حتى إجابة مبدئية عن هذا السؤال، وبالتالى ينبغى لنا أن نتجاهله تمامًا.
على المستوى الفردى العملى، حتى هذا الموقف قديم جدًا. إنه تقريبًا الرأى الذى يتساءل: «ما علاقة كل هذا بى؟» بالنسبة للكثيرين، لا تبدو الأمور الروحية ملحة. فدون بنية اجتماعية تجبرهم على تبنى رأى ما فى المسائل الدينية، لا يشعرون بالدافع لطرحها.
لكن بالنسبة لى على الأقل، بدت هذه الأسئلة- كيف أعيش؟ ما الذى أدين به للآخرين «أو حتى لنفسى»؟ ما معنى الحياة؟- حقيقية بما يكفى، واستمرت فى المطالبة بإجابات.
يعلق: بدت الحياة التى تعلم فيها المرء، من خلال الفلسفة العلاجية، التوقف عن طرح هذه الأسئلة أفضل بقليل من الحياة التى أسكت فيها هذه الأسئلة عن طريق المخدرات أو الكحول أو التسوق أو التصفح اللا نهائى لوسائل التواصل الاجتماعى. لم أكن أرغب فى مثل هذه الحياة. وهكذا استمرت الرحلة.
لقد مضى على تلك الرحلة ما يقارب ثلاثة عقود. قادتنى إلى رفض الإلحاد رفضًا قاطعًا. وفى نهاية المطاف، عادت بى إلى الكنيسة الكاثوليكية، وإن كانت علاقتى بها مختلفة تمامًا عن تلك التى كانت تربطنى بها وأنا فتى صغير أخدم فى الكنيسة.
لم ينه هذا التطور رحلتى، تمامًا كما لم ينه ابتعادى السابق عن الكنيسة رحلتى. لقد بت أؤمن بأن الرحلة لن تنتهى ما دمت حيًا، وأن الاستمرار فيها هو، بمعنى ما، العمل الذى وجدت لأجله على هذه الأرض.


تبلغ الرواية ذروتها المظلمة عندما يعترف الكاتب بتكرار تفكيره فى الانتحار. ليس بدافع المبالغة، بل بدافع منطق قاتم. إذا كان العالم غير مبال والذات هى المهيمنة، فلماذا لا ينسحب؟ يقول: «لم أكن أخشى شيئًا، لكننى مع ذلك كنت أشعر بالخوف»، واصفًا الرعب الغريب الذى ينبع من انعدام الإيمان.
وهنا تبدأ القصة بالتحول.
بعد عقود من البحث عن شكل مقبول من الإلحاد، يدرك أنه ربما لا يرفض الله بقدر ما يرفض العالم الغامض الخانق الذى ورثه الملحد المعاصر. يبدأ بالاشتباه فى أن مجرد الرغبة فى التساؤل عن كيفية العيش هى بحد ذاتها دليل يشير إلى ما هو أبعد من المادية أو المعنى الذى يبتدعه المرء بنفسه.

ولإيجاد طريقه فى الحياة، يركز بيها فى كتابه على نظرية المعرفة. ولتعميق فهمه، يستكشف التراث الفلسفى. يكتب تاريخًا شاملًا بدءًا من الإغريق، ويتناول كيف ينظر المفكرون الغربيون إلى الدين المنظم، والعقلانية، والعلم، ومعنى الحياة.
هذه الصفحات عبارة عن شروح واضحة وموجزة لتطور الفلسفة، تتخللها تعليقاته على مواطن الضعف فى الاستدلال، بما فى ذلك أسباب تأييد أو عدم تأييد هؤلاء المفكرين للإيمان بالله.
يبدأ فى مقدمة الفصل الأول من كتابه بعنوان «سجناء غرباء» بالحديث عن ماهية المعرفة، فيقول: كما فهمت، تتكون الرؤية العالمية الصحيحة من ثلاثة عناصر مترابطة: «١» نظرية حول الطبيعة الكامنة للواقع، «٢» نظرية حول كيفية تصرفنا، و«٣» نظرية المعرفة.
يضيف: أظن أن معظم الناس قد فكروا فى العنصرين الأولين، وهما موضوعا الميتافيزيقا والأخلاق على التوالى. أما طبيعة المعرفة، فنادرًا ما يخصص لها أحد. حتى أولئك الملمين بالتخصص الفكرى الذى يعنى بهذا الموضوع- نظرية المعرفة- قد يعتبرونه أحد المجالات التى تنحرف فيها الفلسفة عن الاهتمامات الإنسانية الحقيقية إلى تأملات أكاديمية منغلقة.


يشير المؤلف إلى أن من أوائل الأمور التى تعلمها عندما بدأ قراءة الفلسفة الحديثة بجدية، هو المكانة المحورية التى تحتلها نظرية المعرفة فيها.
ويوضح: قبل أن نتناول حتى أكثر المواضيع إلحاحًا، نحتاج إلى منهج سليم لتمييز الصواب من الخطأ من العبث. نحتاج إلى معرفة ماهية المعرفة الحقيقية. ويتضح هذا أكثر إذا عرفنا الميتافيزيقا بأنها معرفة طبيعة الواقع، والأخلاق بأنها معرفة السلوك الإنسانى السليم.
لكن عندما نطرح الأمور بهذه الطريقة، تبرز مشكلة. أليس من المفترض أن تحدد طبيعة الواقع الأساسية شكل معرفتنا به؟ ثمة حلقة مفرغة لا مفر منها هنا: فسلامة المنهج المعرفى تعتمد على الموضوع قيد الدراسة، لكن فهمنا لهذا الموضوع يعتمد على منهجنا.

يلفت الكاتب إلى أن المسألة تزداد تعقيدًا عند التطرق إلى الأخلاق. ثمة خلاف كبير حول المسألة المعرفية المتعلقة بإمكانية التعامل مع مسائل القيمة بنفس طريقة التعامل مع مسائل الحقيقة.
هل المعرفة فى هذا المجال ممكنة أصلًا؟ هل يوجد ما يسمى «الحقيقة» الأخلاقية؟ ستعتمد إجاباتك إلى حد كبير على المكانة الميتافيزيقية التى تمنحها للقيم الأخلاقية «وللحق نفسه».
يبدو أن مسألة القيمة تعتمد على كل من الميتافيزيقا ونظرية المعرفة. لكن ثمة أيضًا معنى حقيقى جدًا لضرورة إعطاء الأخلاق الأولوية. إن قرار السعى وراء أنواع معينة من المعرفة هو قرار بالتصرف بطريقة معينة، أى أنه قرار أخلاقى.
تجد الحساسيات المعاصرة شيئًا من التخلف فى فكرة أن بعض الحقائق بالغة الخطورة أو التدمير بحيث لا يمكن السعى وراءها، لكننا جميعًا نعتبر من المسلم به أن معرفة كيفية صنع قنبلة نووية، على سبيل المثال، يجب أن تبقى بعيدة عن أيدى فئة معينة، ولن يتردد الكثير منا فى القول إن البشرية جمعاء ما كان ينبغى لها أن تكتسب هذه المعرفة أصلًا.

يرى بيها أن الأخلاق يمكن أن تحظى بأولوية من نوع آخر. فهى، على أبسط المستويات، العنصر الأساسى فى أى رؤية للعالم، والذى لا غنى لنا عنه. حتى أقلنا تفكيرًا يتخذ خيارات لا حصر لها يوميًا.
قد لا نتبع منهجية محددة فى اتخاذها، لكن خياراتنا تعكس حتمًا مجموعة من القيم. وكما يشير ويليام جيمس، قد يكون إدراكنا لهذه القيم غامضًا، لكن الخيارات نفسها ملموسة بالضرورة.
يضيف: تفرض بعض الرؤى العالمية علينا متطلبات أخلاقية يصعب تحقيقها عمليًا، بل ويصعب علينا حتى السعى لتحقيقها. فإذا لم نستطع إدراك «خير» رؤية عالمية ما، فسوف نرفضها، مهما بدت مقنعة نظريًا. فى المقابل، قد يؤمن الناس بأمور لا يجدون لها مبررًا، ما دام أن هذه المعتقدات تجعل الحياة ممكنة.
لذا، يصعب تحديد عنصر واحد من هذه العناصر كأساس واضح تستند إليه العناصر الأخرى. فى الرؤية العالمية المقنعة، تعزز هذه العناصر بعضها بعضًا. عندما يحدث هذا، لا نفكر عادة فى أنفسنا على أننا نتبنى رؤية للعالم على الإطلاق؛ فنحن ببساطة نعيش فى العالم.
من داخل رؤية متماسكة وقابلة للتطبيق، تبدو الرؤى الأخرى ليست خاطئة فحسب، بل سخيفة أيضًا، بينما تعتبر الانتقادات الموجهة لرؤية تبدو مدمرة من الخارج، من الداخل، بمثابة إغفال تام للجوهر.

يقول المؤلف: مع ذلك، يتخلى الناس أحيانًا عن رؤى للعالم عن وعى، حتى تلك التى تبدو مقنعة. هذا ما فعلته تحديدًا عندما تخليت عن الإيمان بالله.
لم أشعر بدعوة للتخلى عن رؤيتى الإيمانية للعالم والتوجه إلى خيار آخر أفضل. انهارت فجأة جدران المنزل الذى قضيت فيه حياتى كلها، واحتجت إلى مكان جديد أعيش فيه.
لكن من الصعب للغاية بناء رؤية للعالم من الصفر. فكلما حاول المرء وضع الأسس، ظهرت له تلك الدائرة المفرغة التى كنت أتحدث عنها. فى الوقت نفسه، قد تكون الرؤى الموجودة مسبقًا غير مرحبة أحيانًا. ويبدو أن قبول أى عنصر منها يعتمد على قبول العناصر الأخرى مسبقًا.
يتساءل: كيف يمكن للمرء تجاوز هذه العقبات؟

يوضح الكاتب أن هذه العملية تعد موضوعًا لأشهر استعارة فى تاريخ الفلسفة الغربية. فى كتاب الجمهورية لأفلاطون، يطلب سقراط من أحد محاوريه «شقيق أفلاطون الأكبر، جلوكون» أن يتخيل مجموعة من الناس محاصرين طوال حياتهم فى كهف تحت الأرض.
فى الأعلى وخلفهم، ينفتح الكهف على ضوء الشمس، لكن الضوء لا يصل إلى مكان جلوسهم، ولا يستطيعون الالتفات لرؤيته، لأنهم مقيدون فى مكانهم، يواجهون الجدار الخلفى للكهف.
مع ذلك، فهم ليسوا فى ظلام دامس. بينهم وبين الفتحة نار مشتعلة، وبينهم وبين النار جدار منخفض، «كالشاشة أمام محركى الدمى الذين يعرضون دميهم فوقها». يسير الناس جيئة وذهابًا على طول الجدار، حاملين تماثيل بشرية وحيوانية وأشياء أخرى متنوعة تسقط ظلالها على الجدار الخلفى للكهف.
يعلق جلوكون، وهو محق تمامًا: «إنها صورة غريبة تصفها، وسجناء غريبون».
فيرد سقراط قائلًا: «إنهم مثلنا».
يشير بيها إلى أن فى الرؤية الأفلاطونية، نحن الغارقون فى عالم الإدراك الحسى المتقلب والمتغير باستمرار، أشبه بسجناء الكهف. ما نعتبره حقيقة ليس إلا عرضًا ظليًا.
ولأن عقولنا حبيسة هذه القيود، لا نستطيع حتى رؤية ذواتنا الحقيقية- أرواح خالدة تمر مؤقتًا عبر هذه الأجساد المادية- فضلًا عن رؤية الأشياء الحقيقية التى تظهر ظلالها على الجدار.
وجدت الفلسفة لتحرير الناس من قيودهم، لكى ينصرفوا عن الظلال، ويدركوا حقيقة وضعهم فى الكهف، ويغادروه فى نهاية المطاف تمامًا ليقفوا فى نور الخير الأبدى الثابت.

يصف المؤلف هذا التحول بالتجربة غير السارة على الإطلاق. يطلب سقراط من جلوكون أن يتخيل شخصًا تحرر فجأة من هذه القيود التى لازمته طوال حياته، قادرًا على الوقوف ومواجهة النور.
يقول سقراط إن مثل هذا الشخص سيكون «متألمًا ومذهولًا وغير قادر على رؤية الأشياء التى كان يرى ظلالها من قبل». قد يظن أنه انتزع من الواقع، بدلًا من أن ينقل إليه.
بمجرد أن تعتاد عيناه على النور، سيرى النار داخل الكهف والتماثيل تحمل على طول الجدار، وسيدرك أنه كان مخطئًا بشأن الواقع. لكن لكى يكون حرًا حقًا، سيظل بحاجة إلى الخروج من الكهف تمامًا، والوقوف فى ضوء الشمس.
إن إيصال الناس إلى هذه النقطة نوع من العنف: «لو جره أحدهم من هناك بالقوة، صعودًا على الطريق الوعر شديد الانحدار، ولم يتركه حتى جره إلى ضوء الشمس، ألن يتألم ويغضب من هذه المعاملة؟»
فى البداية، لن يتمكن الشخص الذى يجر إلى وهج الشمس من رؤية أى شىء. لن يرى الحقيقة التى قيل له أن يتوقعها، وقد يرغب فى العودة إلى حياته السابقة. لكن هذا لن يكون ممكنا: ستكون عيناه قد اعتادتا على الظلام لدرجة تجعلهما عاجزتين عن الرؤية فيه، حتى وإن لم تكن قادرة على الرؤية فى الضوء بعد. لفترة من الزمن على الأقل، سينفصل هذا الشخص عن أى واقع على الإطلاق.

يستكمل الكاتب روايته فيقول: من عاد إلى الكهف وتعثر فى الظلام، كان سيعرض نفسه للسخرية بين السجناء. سيقال إنه «عاد من رحلته الصاعدة وقد أُصيب بصره»، وهذا دليل على أن رحلته لم تكن مجدية. وإذا حاول هذا الشخص أن يقود الآخرين إلى حيث كان، فسيتمكن السجناء من الإمساك به وقتله.
كتبت الجمهورية بعد نحو خمسة وعشرين عامًا من وفاة سقراط، ومن الواضح أن أفلاطون ينسب نبوءة استرجاعية إلى معلمه. فقد بدا لمعظم الأثينيين أن الشباب الذين وقعوا تحت تأثير سقراط آمنوا بأمور غريبة وغير معقولة أفسدتهم عن المشاركة الفعالة فى المجتمع، وحملوا سقراط المسئولية عن ذلك. وفى النهاية، حوكم بتهمة إفساد شباب أثينا، وأُدين، وحكم عليه بالإعدام.
يلفت إلى أن أحد أسباب كون سقراط رمزًا للكثيرين، بمن فيهم من يختلفون فيما بينهم حول كل شىء تقريبًا، هو شعور معظمنا بضرورة توجيه حياتنا نحو الحقيقة، حتى وإن اختلفنا حول ماهيتها.
يعلمنا سقراط أن الخطوة الأولى فى عيش الحقيقة هى التحرر من الأباطيل التى نقبلها بسهولة. فما دمنا أسرى الزيف، لا سبيل لنا إلى التوجه نحو الحقيقة.
يضيف: عندما بدأت قراءة الفلسفة بجدية، لم أتخيل أننى بحاجة إلى مساعدة لكسر قيودى، أو الابتعاد عن وهمى. كما رأيت، هزتنى أحداث معينة فى حياتى- حادث أخى، وتشخيص إصابتى بالسرطان- وحررتنى.
كنت قد اتخذت القرار بالفعل، وأدركت حقيقة وضعى. الآن أردت الخروج من عزلتى، ورؤية الأشياء على حقيقتها، والوقوف فى نورها.

يقارن بيها بين النظريتين الرئيسيتين للإلحاد وهما: المادية العلمية ويعرفها بأنها الاعتقاد بأن المادة الفيزيائية هى كل ما هو موجود، وأننا نكتسب المعرفة عن العالم المادى من خلال العلوم التجريبية. وبناءً على ذلك، فإن المعرفة عن العالم المادى التى تكتسب عبر العلوم التجريبية هى المعرفة الحقيقية الوحيدة.
يلفت إلى أن غالبًا ما تقترن المادية العلمية بأخلاقيات النفعية، التى تسعى إلى ترسيخ الأخلاق فى الأحاسيس الجسدية للذة والألم، ثم تحاول قياس هذه الأحاسيس كميا بطريقة تسمح لنا بإنشاء علم للأخلاق.

أما النظرية الثانية فهى المثالية الرومانسية، التى يعرفها بأنها نظرية غير عقلانية للعالم تعلى من شأن الإرادة الحرة والتجربة الشخصية. وتميل إلى التركيز لا على الواقع الموضوعى، بل على التجربة الذاتية للواقع.
كما أنها تميل إلى تبنى أخلاقيات الأصالة. مهمتنا- أو مشروع حياتنا- هى خلق معنى خاص بنا فى هذا الوجود القاحل الخالى من الإله، وذلك من خلال العيش بطريقة أصيلة تتوافق مع تجاربنا الذاتية.
يضيف المؤلف: لا أرى جدوى من مهاجمة المادية العلمية من منظور رؤية عالمية أخرى؛ بل أريد أن أتحداها من الداخل. سأجادل بأن المادية العلمية متناقضة داخليًا، بل وغير متماسكة، فبالرغم من اتخاذها التجربة أساسًا للمعرفة، فإنها تعجز عن تفسير السمات الأساسية والجلية للتجربة الإنسانية.
وأخيرًا، سأجادل بأن الأمر- ليس فقط بالنسبة للبعض ولكن بالنسبة لمعظمنا- ببساطة لا يمكن العيش فيه.
يرى الكاتب أن هذين المذهبين قد يقدمان لك وجهة نظر محددة، لكنهما يقصران فى دمجهما. يضيف: ما توصلت إليه فى نهاية المطاف هو أن المذهب القادر على دمج هذين المذهبين وتقديم أفضل ما فى كلا المذهبين الإلحاديين هو المذهب الإلهى الذى يدرك أن العالم المادى مخلوق من قبل شىء آخر غير عقولنا، وبالتالى فهو شىء لا نملك السيطرة الكاملة عليه، وعلينا أن نعيش فى ظله.
لكن هذه الرؤية تقر أيضًا بوجود ذواتنا الذاتية فى هذا العالم، وبوجود ذوات ذاتية أخرى، وبواجبنا فى الاعتراف بأن حياتهم لا تقل أهمية عن حياتنا.
يختتم بيها كتابه قائلًا: «هذه الحياة هى نتاج قوة إبداعية أعظم منى بكثير، وإننى مدين بكل شىء لحب هذا الخالق، وإن هذا الخالق يدعونى إلى الوفاء بهذا الدين من خلال إغداق الحب نفسه الذى يغدقه على بقية خليقته».







