فيروز مخول تكتب: لا تصدقوا نشرةَ الأخبارِ
لصدرىَّ الملىءِ
بالجنودِ الذينَ عادتْ أسماؤهمْ سليمةً مِنَ الحربِ
للحسناءِ المُتعبةَ جدًا
التى احتضنتْ ضفيرَتَها الحزينةِ حتى الصباحِ
للبحارِ التى تحملُ فى أعماقِها
جماجِمَ ذكرياتٍ وسُفُنٍ قديمةٍ يابسةٍ
لرائحةِ ثيابى القديمةِ
وبيتى القديمِ
وأصابعى التى تهرولُ خلفَ أردافِ العباراتِ الشعريةِ
للعصافيرِ والشُّرفُاتِ الخارجةِ عنِ التغطيةِ منذُ زمنٍ
لجميعِ الأسلحةِ الغبيةِ والذكيةِ
لطفلةٍ بترتِ الحربُ أطرافَ دميتها
للمراعى التى ماتتْ ناياتُها مِنَ الرقصِ والحزنِ الطويلِ
والقروياتِ اللواتى غزا الشيّبُ سنابلهن
ولمْ يتعلَّمنَ بعدُ بأنَ الشرقَ الأوسطَ هو قلبُ الألمِ والعالمِ
وأنَ بلادى فى غرفةِ العنايةِ المشددةِ منذُ سنواتٍ
للعجائزِ اللائى يجففنَّ دموعَهُنَّ بدموعِهِنّْ
للصغارِ الذينَ ولدوا وكبروا ولمْ يروا أوطانَهُمُ الحقيقيةِ
للمدافعِ التى أفنتْ شبابها فى هدمِ أسواقِنا وأعمارِنا
للقراصنةِ الذينَ أضاعوا سيوفَهُمْ الحنونةِ
للصحارى العاطلةِ عنِ الحبِ
للرجالِ الذينَ أخفوا عَنْ زوجاتِهِمْ أنهم لا ينجبونْ
لِلأسِرَّةِ المحشوةِ بالطائراتِ الحربيةِ
والثعابينِ الصغيرةِ
للآبارِ التى لا يوسُفٌ فيها ولا ماء
للقصائدِ والقططِ التى تحلمُ بالعيشِ فوقَ سطحِ القمرِ
لِأمعائنا الخاويةِ التى ترقُبُ كيفَ النيرانُ تمضغُ محاصيلنا
لفُراتِنا الذى برزت عظامُ صدرهِ مِنَ العطشِ
لقضيتنا المسكينةِ التى تئنُّ بينَ فكَّىّ الأممِ المتفرقةِ والمتحدةِ
للذبابِ الذى يُدخِّنُ جراحنا بشراهةٍ
للربيعِ الذى يحمِلُ فوقَ أكتافهِ الخضراءِ صُرَّةً كبيرةً مِنَ الدموعِ والمشانقِ المُنهكةِ
للهلالِ الأحمرِ والأزرقِ والأسودِ الذى يوزِّعُ علينا أجودَ أنواعِ القهرِ
للملاجئِ المكتظةِ بأرقى أصنافِ الحرمانِ
للمعنى الشرسِ الذى يفترسُ قلبَ الشاعرِ
لجميعِ السجناءِ الذينَ لمْ يتذوقوا طعمَ التوتِ البرىِّ هذا العامِ أيضًا
أقولُ:
لا تصدِّقوا نشرةَ الأخبارِ المنكوسةِ الرأسِ
فالحالةُ الصحيةُ للمعاركِ فى تحسُّنٍ ملحوظٍ
وشعوبُنا ما زالتْ تتألمُ بشكلٍ مناسبٍ
وصباحُ الخيرِ يا بلدى

ضريحُ الجُورىِّ..
قَبَضَنى الصَّمتُ وأبَتْ أَشجانُ الفُؤادِ تُجيبُنى
طَوَقَنى بلآلِئِ الحُروفِ مُتَلَبِّسًا بعِشقِ المَطَرِ
تَرامَى الشِّتاءُ دونَ رِئَتَينِ
شُحوبًا ومالَ عنِّى وِدادى
لَاوَحَتْنى شُهُبُ الجَوَى
ذَرَّتْ عَبيرَ الماضى
فَوقَ أنفاسى المَشنوقَةِ
حَتّى أعناقُ الجُورىِّ تَخشى حَريقَ الدّموعِ.
خَلفَ هذا الصَّخَبِ المَمهورِ
يَنصَهِرُ بِكَ تاريخُ الدّموعِ
شِتاءٌ يَقتَصُّ مِنَ الرِّمالِ
لا صَدَى يَعودُ بِعِطرِكَ
ولا بَحرًا ماجَ بِحُطامى.
شَعرَةً شَعرَةً نَبَتِّ على ذَيلِ الرَّحيلِ
خَلفَكِ جِسرٌ مُتَهالِكٌ
خَيبَةٌ تَلِدُ خَيبَةً..
حَنينِى يَمُجُّ ألوانَ وَجهى
مِنَ الغَوايَةِ بينَ مَشنَقَتَينِ
يُعينُنِى قَوسًا يَدخُلُنى ويُغلِقُ مِن بَعدى بِقَوسَينِ.
يَنتابُنى نَبسٌ أَروَعُ يَقتَرِفُ حُدودَ الماءِ
يَزرَعُ أعتابَ مُقلِى ألغامًا ووُرودًا
يَصلِبُنى فَوقَ رابيَةِ حُروفٍ
يُفَخِّخُ أزِقَّةَ دَمى
يَغِبُّ بِخَمرى
يَسرُجُ بأنامِلِهِ صَهوَةَ رَعشَتى
يَهُزُّ مَهدَ أحزانى
يُؤَرجِحُنى بِجَدائلِ القَصيدةِ.
نَحيبٌ..
يَحدُّنى بِالغِيابِ مِنِّى إلَيَّ
حَتّى قَضَت زَيزَفونَتى بلا أمعاءَ.
وأنتَ
تَأتى ودَواتى نائِمَةٌ
دونَ استِئذانٍ
قَدَرٌ يَأخُذُكَ وقَدَرٌ يَعودُ بِكَ
وقَدَرٌ أولاكَ الجِهاتِ الأَربَعَةَ.
أسكُنُ غُرَفَ الهواءِ فى ظِلِّكَ
عَناوينى فَقَدَت وُجوهَها
صَفَّقَت نَوافِذُ الصَّمتِ
رَصَفوا وَجهَ الشَّمسِ بِدِمائى
يَتَّموا فِراخَ نَبضي
كُلَّما لُذتُ بِبَعضى
أجدُكَ قَمَرًَا صَغيرًا تُصدِرُ أَسوارى
وأَثداءُ عَينَيكَ تَصُبُّ حَليبَ السَّماواتِ بِتَفاصيلِى.
كُلُّ صَحوَةٍ أَجلِسُ القُرفُصاءَ فَوقَ ضَريحى
وكُلَّما أَزاحوا التُّرابَ عن وَجهى الأَصفَرِ
دُهشوا..
إِذْ تَبَيَّنوا أنَّ الذى ماتَ ودُفِنَ لَم يَكُنْ هى أَنا
بَل كانَ أنتَ..







