من لديه هذه الكتب لا يموت.. ننشر مقدمات أهم أعمال فرج فودة
- الشجاعة تقاس بعداء الجبناء والسمو يقاس بعداء الوضعاء والرصاص هو التعبير العنيف عن منتهى الضعف
- تعرضت لـ«معارك شخصية» استخدمت فيها أحط الأساليب وعلى رأسها أسلوب التشهير
- ما واجهته كله لم يزدنى إلا إصرارًا وصلابة وعشقًا لوطنى
- ما أنا إلا مسلم يجتهد فى دينه لدينه
فى تاريخ الفكر المصرى الحديث، ثمة أسماء ارتبطت بأسئلة كبرى تجاوزت أصحابها وأزمنتهم، وبقيت حاضرة لأنها لامست قضايا تأسيسية فى حياة المجتمع والدولة. ويأتى الدكتور فودة فى مقدمة هذه الأسماء، لا بوصفه طرفًا فى سجال فكرى عابر، ولا لأنه انتهت حياته باغتيال مأساوى، وإنما لأنه كان واحدًا من أبرز من انشغلوا بسؤال الدولة الوطنية الجامعة وحدود العلاقة بين الدين والسياسة فى العقود الأخيرة من القرن العشرين.
من خلال مقدمات كتبه نتعرف إلى مشروع فرج فودة ونقترب منه كما أراد أن يُعرف: صاحب موقف، آمن بأن الصمت خيانة، وأن الكلمة قادرة على البقاء.
الإرهاب.. 1987

لم يخطر ببالى يومًا أن أنشغل بما انشغلت به فى هذا الكتاب أو فى كتبى السابقة، فقد انصرمت سنوات دراستى وانصرفت إلى دراسة الاقتصاد الزراعى، وهيئ لى وأنا أحصل على الدكتوراه، أننى مقبل على البحث فى شئون التنمية الزراعية، وأن قصارى ما أتمناه أن أكتب مؤلفًا أو مؤلفين فى مجال تخصصى العام أو الدقيق، وأننى سأقضى عمرى أسيرًا لمنحنيات الإنتاج والتكلفة والإيراد، ومنصرفًا إلى المهنة التى عشقتها بكل جوارحى وهى التدريس، ولا أملك وأنا أراجع ما حدث بعد ذلك إلا أن أبتسم، فقد توارى ما قضيت عمرى فى بحثه وتحصيله، وانصرفت عنه إلى القراءة والدراسة ثم الكتابة والبحث فى مجال جديد كل الجدة، أدخلنى فى خضم معارك عنيفة وحادة، ونقلنى إلى مشارف المخاطرة، ووضعنى فى موقف العداء لتيار عريض وعنيد، وأسمعنى ما لم أتوقع فى حياتى سماعه، تنديدًا وتأييدًا، وفتح عينى على ما أجده الآن مبررًا لوجودى ومحورًا لعمرى، وملأ بريدى بخطابات التعضيد والتهديد، ولم أجد فسحة من الوقت لكى أتوقف قليلًا وأتساءل: متى، وكيف، وإلى أين؟
حقًا، وتقدرون فتضحك الأقدار، بل وتقهقه أحيانًا، فبعض ما كتبت يطبع للمرة السادسة، وبعضه يترجم، وبعضه يدرس فى الجامعات والمعاهد الأجنبية، وبعضه تعددت الكتب المؤلفة بالعربية للرد عليه، ولم يأت ذلك كله من فراغ، وإنما كان حصيلة جهد هائل ومرتب فى القراءة والبحث، وصدق مع النفس والناس بلا حدود، ووضوح فى القصد والرؤية دون التواء أو تمويه، وقد تيقنت خلال ذلك من حقيقة مؤكدة، وهى أننا نسىء الظن كثيرًا بمصر وبالمصريين، ونتصور أن الطريق إلى عقولهم محفوف بالمداهنة والاسترضاء، وأن ما يقبلونه منا هو ما يرضيهم أو ما نتصور نحن أنه يرضيهم، والحقيقة التى ثبتت لدىّ عكس ذلك تمامًا، فالعقل المصرى قابل للمحاورة معك مهما اختلفت معه، بشرط أن تكون واضحًا ومقنعًا، وهو أيضًا مستعد لتلقى آرائك مهما كانت بشرط أن يتيقن من صدقك فى التعبير والدفاع عنها، وحاسته فى إدراك الصدق وتمييزه حاسة باهرة، ولعل هذا يفسر لنا تقبل المصريين لفكر رواد الحضارة فى بداية القرن، من أمثال الطهطاوى وعلى مبارك وأحمد لطفى السيد وسعد زغلول وقاسم أمين وطه حسين وعلى عبدالرازق وأحمد أمين وغيرهم. على الزعم من أنهم ساروا «ظاهريًا» فى عكس الاتجاه، وسبحوا «كما بدا للجميع» ضد التيار، ولم تمر سنوات قليلة إلا وكانوا هم أنفسهم رواد المسيرة، ورموز التيار الفكرى العام، وأكاد أتخيل سعد زغلول، الأزهرى النشأة، الصاعد فى تؤدة إلى أعلى المناصب فى مجتمع ساكن الفكر، راكد الحوار، رموزه فى الكتابة متمثلة فى جاويش وعلى يوسف، والتيار الفكرى السائد على سطح الحياة السياسية متعلق بأهداب الخلافة العثمانية، أكاد أتخيله جالسًا فى قهوة مِتَاتْيا فى ميدان العتبة، مستمعًا إلى جمال الدين الأفغانى وهو يتحدث عن الثورة وحقوق الشعوب، بينما يتبلور فى وجدان سعد منهج فكرى متكامل، لو صارح به أحدًا وقتها لاتهمه بالجنون، ولعله كان يسائل نفسه، لماذا لا ندعو لاستقلال مصر عن الجميع، ولماذا لا ندعو لتوحد المصريين على أساس المواطنة وليس العقيدة، ولماذا لا تتحرر المرأة من سيطرة حجاب الزى وحجاب العقل، ولست أشك فى أنه كان يدرك المحاذير، على المستوى العام فيما يخيل للجميع أنه تيار فكرى سائد، وعلى المستوى الشخصى فيما يهدد مكانته المرتقبة، والمرتبطة أشد الارتباط بسكون المناخ الفكرى والحضارى وركوده، هنا لا بد من إضافة بُعْد جوهرى ومهم، وهو إدراك الرواد لطبيعة مسار التاريخ، واتجاه هذا المسار، وهو إدراك داخلى يتبلور فى اللاشعور، وفى هذه الأحوال يكون المسرح السياسى والفكرى مهيأ لدور ينتظر صاحبه، وعادة ما يكون هذا الدور معاكسًا لكل ما هو ظاهر، ومعبرًا فى نفس الوقت عما هو كامن وحقيقى ومستقبلى وصحيح، ولنا أن نتساءل بعد ستين عامًا عن النتائج، كيف انتهى المطاف بسعد زعيمًا شعبيًا وتاريخيًا، وانتهى بعلى يوسف شيخًا لسجادة صوفية، ولنا أيضًا أن نتساءل عن تأثير كتاب على عبدالرازق ذى الثمانين صفحة، وتأثير المجلدات التى كتبها معارضوه، وعن فكر طه حسين وأدبه، وفكر أشياخه ممن تصوروا أنهم أحرزوا نصرًا نهائيًا عليه حين رفضوا منحه شهادة العالمية، ولو استسلم كل من هؤلاء لما تصور الجميع أنه فكر الأغلبية، وصوت الرأى العام، وهوى الجماهير، لاقتصر دورهم على الأداء البيولوجى، يأكلون كما يأكل الناس، ويُخْرِجُونَ كما يُخْرِج الناس، ويفكرون كما يفكر الناس، ويكتبون كما تعود الناس، ويندثر ذكرهم كما يندثر ذكر أغلب الناس، ولعله من المفيد هنا أن نتساءل عن قيمة إسهام سعد زغلول لو اقتصر دوره وهو الدارس للقانون على مبحث فى القانون المدنى، أو مذكرة فى الأحوال الشخصية، وقس على ذلك لو اقتصر دور طه حسين على تقييم أدب أبى العلاء، أو دور على عبدالرازق على كتابة مذكرات أحكام القضاء الشرعى، هنا لا بد أن نسلم بحكمة علوية تهيئ الأفراد لأداء دور، ربما دفعوا حياتهم من أجله، وربما أسعدهم الحظ بحصاد النتائج خلال حياتهم، وربما حدث العكس فعاشوا حياتهم يتنازعهم حماس تأييد القلة، وصراخ تنديد الكثرة، وليس عليهم إلا أن يدركوا حقيقة واحدة، هى أنهم موجودون لأداء دور، تفرضه عليهم معطيات الواقع ومتطلبات المستقبل، ويدفعهم إليه إيمانهم بأوطانهم وبمستقبل الأجيال القادمة، وأن وجودهم مرتبط بأداء هذا الدور، وأنهم بقدر هذا الأداء سوف يكونون، وبقدر التضحية سوف تنتصر دعوتهم، وبقدر قوة مناوئيهم وعنفهم وجبروتهم، بقدر ما يكون لأدائهم معنى، ولدورهم تأثير، وبقدر إيمانهم بأن رحلة العمر كلها قصيرة، وأن الجميع إلى نهاية طال العمر أو قصر، وأن النهاية ثمن ضئيل لبداية الآخرين على طريق صحيح، بقدر ما تأتى البداية بأسرع مما يظن الجميع، وبقدر ما ترتفع الراية إلى أعلى مما يتصور الكل..
مَن منا يتذكر اسمًا واحدًا من أسماء مَن أنكروا على جاليليو مقولته بدوران الأرض حول الشمس؟ لا أحد، بينما يتذكر الجميع جاليليو، ويعترف الجميع بصحة نظريته، ولو أخفى جاليليو ما توصل إليه، لربح العيش الآمن وخسر نفسه، ولما ذكره أحد..

من منا يتذكر مَن قطع أطراف ابن المقفع وأجبره على أكلها بعد شيها، لأنه تجرأ على إزجاء النصح للحاكم فى كتابه «رسالة الصحابة»، تقريبًا لا أحد، بينما تنتقل كتب ابن المقفع، كليلة ودمنة، والأدب الكبير، والأدب الصغير، ورسالة الصحابة، من الأجداد إلى الأحفاد، وأحفاد الأحفاد، ويرتفع ذكره بقدر صدقه مع نفسه ومع الناس، ولو تفرغ لكتابة عرائض المديح، وقصائد الثناء، لاندثر ذكره فيمن اندثروا وما أكثرهم، وما زاده عذابه فى النهاية الأليمة إلا ارتفاعًا فى المكانة وخلودًا فى الذكر..
لا أذكر هذا كله تعزية للنفس، ولا تسرية عنها، وإنما أذكره لكى يتعظ به من يركبون مدّ الإرهاب، استجابة لتصفيق صفيق، ومجاراةً لريح السموم التى هبت على مصرنا فى غفلة من التاريخ، وسعيًا وراء عيش هنئ، وطعام مرىء، ولو تأملوا قليلًا، لأدركوا أنهم لا يتجاوزون فى رؤيتهم أرنبة أنفهم، وأنهم يسعون بأنفسهم إلى حتوفهم، وأن لفعالهم مكانًا خالدًا فى مزبلة التاريخ، وأن أولادهم وأحفادهم سوف يحصدون نتائج مزايداتهم عيشًا وغدًا مقابل عيشهم الرغد، وسمًّا ناقعا مقابل طعامهم المرىء.
ما زلت أتذكر أحد أيام صيف عام ١٩٨٢ وأنا أعرض مسودات كتابى الأول «الوفد والمستقبل» على الأستاذ الكبير إبراهيم طلعت فى الإسكندرية، تعليقه المختصر «بالتوفيق»، لكنك تضع نفسك أمام فوهة المدفع» وقد تذكرت قوله مرة ثانية وأنا أتهيأ لإصدار كتابى الثانى «قبل السقوط»، الذى رفضت كل دور النشر إصداره، وكان تقديرى أننى وضعت نفسى بكتابته فى فوهة المدفع ذاته، وها هى السنوات تمر، ويتوالى ما أصدرته من كتب، «الحقيقة الغائبة»، ثم «حوار حول العلمانية»، ثم «الطائفية إلى أين» بالمشاركة مع آخرين، ثم «الملعوب»، ثم هذا الكتاب الذى أقدمه للقارئ، ولم ينطلق المدفع بعد، ولا يعنينى أن ينطلق، بل إن الموقف برمته أدى إلى نتائج معاكسة تمامًا لما استهدفه مغاوير زماننا الكئيب، فاليوم الذى لا يصلنى فيه تهديد منهم، «عمر ضايع يحسبوه الناس علىّ» كما تقول أم كلثوم، والصباح الذى لا تكتحل عيناى فيه بهجوم من تياراتهم دليل قصور فى سعيى وتقصير فى جهدى، وأذكر أن جريدة «الأحرار» فى عهد سيطرة التيار الدينى على حزب الأحرار، تفرغت للهجوم علىَّ، مدفوعة بمحاولة أحد القيادات السياسية الدينية تصفية حساباته السياسية معى، ولم يكن يمر أسبوع دون خبر مثير، أو مقال عنيف، أو هجوم مستفز، وكم كانت جوانحى ترقص طربًا وأنا أقرأ هذا كله، لأن معناه واضح لديهم، ومفهوم لدىّ، ودلالته أننى أوجعهم بما أكتب، وأثيرهم بما أجتهد، ومادام رد فعلهم سبابًا وقذفًا فمعنى ذلك أن منطقهم أعجز عن الرد، وأهون من الحوار، وأقصر من التصدى، وقد هالنى أن يمر أسبوعان دون شىء من ذلك، فرفعت سماعة الهاتف محدثًا الأستاذ محمد عامر رئيس التحرير، الذى انتقلت دهشته إلىّ عبر المحادثة، وأنا أسأله: ترى هل قصرت فى شىء، وهل تراجعت عن شىء، وهل توقفت عن شىء، وإذا لم يكن شىء من هذا واردًا فلماذا لا أجد حرفًا واحدًا فى جريدتكم ينقل إلىّ ما تعودته منكم، ولماذا لا تجودون ولو بشتيمة واحدة، أو كلمة سباب، أو عبارة قذف، لماذا يا أستاذ عامر؟ لقد كدت أشك فى نفسى، وبالطبع كان رده مزيجًا من الضحك والاندهاش، والحق أنه استجاب لندائى، وأجاب رجائى على خير ما أتمنى وأنتظر، وإذا كان الشىء بالشىء يذكر، فلعل القارئ يذكر أن اسمى كان ترتيبه الثالث فى قوائم الاغتيال التى ضبطت لدى تنظيم «الناجون من النار» كما أسموا أنفسهم، أو «الساعون إلى النار» كما أسميهم، ولو لم يحدث ذلك لشعرت بأسى شديد، فالشجاعة تقاس بعداء الجبناء، والسمو يقاس بعداء الوضعاء، والرصاص هو التعبير العنيف عن منتهى الضعف، وعندما سألنى محرر مجلة أكتوبر عن تعليقى، أبديت منتهى الحزن والأسى، على أن ترتيبى تأخر إلى المركز الثالث، ووعدت أن أبذل قصارى الجهد حتى أحتل الموقع الجدير بى، فى المقدمة، وربما تصور البعض أنها شجاعة لكننى أصحح لهم، فالحقيقة أنه.. طموح..
أى زمان هذا الذى نعيش فيه؟ وأى حوار هذا الذى ينطق أحد أطرافه بالكلمات، فيرد الطرف الآخر بالطلقات؟، إننى كثيرًا ما أتساءل: هل مر على مصر فى تاريخها كله شىء مثل هذا أو شبيه به؟ وهل مطلوب من صاحب الرأى أن يتمتع بمهارة استخدام المسدس للدفاع عن نفسه، وأن يفسح مساحة من وقته لكى يتدرب على الكاراتيه بديلًا عن التفرغ للقراءة أو الكتابة؟، إذا كان المقصود أن نتراجع فقد طلبوا المستحيل، وإذا كان المستهدف أن نخاف فقد ضلوا السبيل، وإذا كان المطلوب أن نغمد القلم فقد أخطأوا رقم الهاتف، وليس فى الأمر شجاعة منا بقدر ما فيه من منطق، فالموت أهنأ كثيرًا من العيش فى ظل فكرهم العيىّ، وحكمهم العتىّ، ومنطقهم الغبىّ، وأن يفقد الواحد منا حياته وهو يدافع عن وحدة الوطن، أشرف كثيرًا من أن يعيش فى وطن ممزق، للمرة الأولى فى تاريخه، وأن يضحى الواحد بالسنوات الباقية من عمره أشرف كثيرًا من أن يقضيها تحت حكم مَن يفضلون ركوب الناقة على ركوب السيارة لأن الثانية «لتركبوها» بينما الأولى «لتركبوها وزينة»، كما يذكر أحد أمراء الجماعات فى أسيوط، أو مَن يذهبون فرادى وجماعات لقضاء الحاجة فى الخلاء وفى يد كل منهم حجر وبوصلة، الحَجَر للاستنجاء، والبوصلة لضبط المؤخرة فى عكس اتجاه القبلة، كما يفعل أعضاء الجماعة الإسلامية فى المنيا.
المقبرة أهون، والاستشهاد أفضل، والجهاد ضدهم حتى يقضى الله أمرا كان مفعولا هو الاختيار الصحيح والمريح..
لقد قصدت بهذه المقدمة السريعة أن أوضح السبب فى تناول الإرهاب كمحور أساسى لهذا الكتاب، وأن أطمئن مَن أرسلوا إلىّ مؤازرين ومعضدين، وأن أرد على مَن أرسلوا إلىّ منددين ومهددين، ولسوف يجد بعض القراء مَن وجهات النظر ومِن الآراء ما يقبلونه أحيانا ويختلفون معه أحيانًا، ولا ضير فى ذلك أبدًا، وليس مطلوبًا أن يشغلنا الاختلاف فى الجزئيات عن وحدة الصف فى مواجهة اختبار الوجود والاستمرار للوطن والحضارة والمستقبل، ولن يغفر الله والوطن لأحد إن تقاعس أو تراجع أو جبن، فما بالك إن زايد أو تملق أو تحالف..
وقى الله الكنانة شر هؤلاء وأولئك، وحماها من ردة حضارية تأخذ بتلابيبها، ونصرها، وسيحدث وأعزها، وسيكون، وأبقاها منارة للحضارة والتقدم والاستنارة..
وهل فى ذلك شك؟
مصر الجديدة - ٣٠ يونيو ١٩٨٧

حوار حول العلمانية 1986

هذا كتاب أعتز به كثيرًا، لأنه ينقل إلى القارئ ملامح معارك فكرية استمرت عامين، ربما تفسر للقارئ كثيرًا من القضايا، لكنها تفسر لى شخصيًا سر الشعيرات البيضاء التى تسللت إلى الرأس، والصلابة التى تمثلت فى المواقف، والوضوح الذى تخلل الفكر، وهى أيضًا ظاهرة إيجابية فى مناخنا الفكرى العام، لأنها تعيد إلى الأذهان ذكرى المعارك الفكرية فى العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات بعد أن تخيل الكثيرون، وأنا منهم، أنها بعض ملامح الزمن السعيد الذى لا يعود، ولعل الصلة الواضحة بين هذا الكتاب وكتبى الثلاثة السابقة «الوفد والمستقبل»، «قبل السقوط»، «الحقيقة الغائبة»، تتمثل فى أنها جميعًا كتب «مزعجة»، تثير الكثيرين، وتقيم الدنيا ولا تقعدها، وتلجئنى أحيانًا إلى لعن اليوم الذى أمسكت فيه القلم، لولا أنه الواجب، والصدق مع النفس، واليقين فى المستقبل، ولعلى أصارح القارئ بأن هذا الكتاب هو الأثير لدىّ، ليس فقط لكونه الأخير، بل لكونه حصيلة اجتهاد وجهاد وعناد. أما الاجتهاد فالحكم عليه متروك للقراء، وأما الجهاد فلأن أغلب ما نشر فيه من مقالات كان استجابة لإنذارات قانونية، يعلم من تلقاها أننى على استعداد لإكمال الشوط مهما كلفنى من جهد ومال، ومن المناسب أن أصارح القارئ بأننى ترفعت فى بعض الأحوال عن اللجوء لهذا الأسلوب رغم حقى الواضح فيه، وذلك حين تبينت أنه لا يوجد «تحت القبة شيخ»، وهو ما سيدركه القارئ فى حوارى مع البعض، ومن أمثلة ذلك حوارى مع الأستاذ فهمى هويدى الذى تطوع «الأهرام» بإرسال المقالات الثلاث إليه فأودعها درج مكتبه، وحجبها عن النشر، ولو كنت مكانه لفعلت ما فعل، على الأقل تنفيذًا لأمر الله بالستر..
ولا يبقى بعد الاجتهاد والجهاد إلا العناد، وأمره واضح فى إصرارى على الكتابة رغم رفض النشر لكثير من المقالات. وللقارئ أن يتعجب معى من سبب عدم النشر، وله أن يفسر ذلك بمشاعر «التخوف»، وحسابات «الأمن»، ودواعى «الحساسية» فى الصحف القومية، وبالتقليد السائد فى غيرها والمتمثل فى الحكمة السائدة «دع مخالفك فى الرأى يضرب رأسه- أقصد رأيه- فى الحائط»، ولو اقتصر الأمر على منع النشر سواء للرأى أو للرد لهان ذلك علينا وما استحق التعليق، لكنه تجاوز إلى معارك صغيرة لم أشغل بها القارئ فى الكتاب لأنها ليست «معارك فكرية»، بل «معارك شخصية» استخدمت فيها أحط الأساليب وعلى رأسها أسلوب التشهير، ولم يتحرج الطرف الآخر فيها من استخدام أقذر الأسلحة وهو الكذب، ومن أمثلة ذلك ما نشرته جريدة «الوفد» ثم جريدة «الأحرار» عن كونى غير حاصل على شهادة الدكتوراه، «ولا حتى من جامعة بخ بخ على حد قول جريدة الوفد»، بينما صاغتها جريدة «الأحرار» فى شكل «فزورة» تحت عنوان «من هو»، من نوع فزورة «مصنوع من الأخشاب، وآخر حرف فيه باء، والحرف الأوسط ألف، وأول حرف فيه باء، واسمه باب، يبقى إيه؟»، والتقطت جريدة «الشعب» الكرة، فذكرت اسمى صريحًا، «حاف كده من غير الدال» على حد ما جاء فى الخبر، لأننى فى تقديرها نصاب أدّعى لقبًا لم أحصل على شهادته، وتكرر ذلك من الجريدة فى أسابيع متتالية مع نشر صورتى، ووجدت نفسى فى موضع صعب وعصيب، فأنا إن رددت على جريدة «الشعب» بإرسال صورة الشهادة، أكون قد رفعت من شأنها وأعطيتها من الاهتمام ما لا تستحق، ثم منذ متى كان مطلوبًا من حامل اللقب أن يحمل الشهادة على ظهره مثبتًا أحقيته باللقب للناس؟، ثم ما علاقة مواجهتى للتطرف والإرهاب الدينى السياسى بالحصول على دكتوراه الفلسفة فى الاقتصاد الزراعى؟، ولم أجد فى نهاية الأمر مفرًا من أن أرد على ذلك فى حديث نُشر فى «آخر ساعة»، نشرت فيه صورة شهادة الدكتوراه، مع حمد الله على أنها من جامعة عين شمس «المصرية» حتى لا أُتهم بشرائها من الخارج، ومع ذكر أسماء المشرفين على الرسالة والمناقشين لها، وجميعهم على قيد الحياة. وللقارئ أن يتساءل معى عن وصف مناسب لهذا النوع من المعارك، أكثر من كونها ضريبة يدفعها الشرفاء وثمنًا يؤديه المخلصون لله والوطن عن طيب خاطر، ودليلًا على ما وصل إليه المناخ الفكرى من تخلّف وقصور، وشبيه بهذا ما نشرته الجريدة الأخيرة على مدى أسابيع متتالية من أخبار مختلفة عن تعاون «علمى ومادى وثيق» مع إسرائيل، دون أن يقدموا بينة أو دليلًا على ما يدعون لكونه ببساطة غير صحيح، لكنها الديماجوجية التى تسود مناخنا الثقافى، والتى تتسق تمامًا مع التطرف والتخلف، وهما مترادفان، ومحاولة استدراج البسطاء بعيدًا عن المعركة الأساسية، عن إحساس بالعجز عن المواجهة، والفشل فى الرد، والقصور فى التصدى وهى فى النهاية، وأمثالها من الترهات، غثاء لا نفع فيه وتطاول لا رد عليه، وتدنٍ لا نستدرج إليه. وما دمنا نتحدث عن التدنى فلا بأس من أن أعرض على القارئ نموذجًا له سوف يجد فى الكتاب ردًا عليه، وهو ما عرضه الشيخ صلاح أبوإسماعيل فى صفحات كاملة، فى أعداد متتالية من جريدة «الأحرار»، حين تخيل- والخيال حق لأصحابه- أننى أدعو فى كتابى «قبل السقوط» لإباحة الزنا، فطلب منى أن «آتى له بزوجتى وأهلى، فإذا فعلت فلا كرامة لى، وإذا لم أفعل- فأنا أنانى». وبالله عليك أيها القارئ بماذا تسمى ذلك؟، وبالله عليك أيضًا ماذا تفعل لو كنت مكانى؟ ولا تسألنى عن سبب عرض ما سبق عليك، فجزء من واجبى وأنا أقدم لك هذا الكتاب أن أوضح لك المناخ الذى صدر فيه، والخلفية وراء ما حفل به من معارك، ولعلك تفزع حين أذكر لك أن ما سبق كان أهون ما فى الأمر، وأن ما خفى كان أسوأ وأمرّ، لكنى أطمئنك إن كنت مؤيدًا بأن مثلى لا ينثنى، وأؤكد لك إن كنت معارضًا أن مثلى لا ينحنى، وأن ذلك كله لم يزدنى إلا إصرارًا وصلابة، وعشقًا لوطنى.
لا بأس من اعتذار عن خطأ وقعت فيه، وتردد فى بعض المقالات، وقد نبهنى إليه الأستاذ الكبير مصطفى مرعى، حين رددت على هجوم البعض علىّ بأننى أخالف نص مادة من الدستور تنص على أن «الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للقوانين»، مرددًا نفس المقولة ومفسرًا إياها أو مهونًا من تأثيرها، بينما حقيقة الأمر أن النص الدستورى لم يذكر «الشريعة الإسلامية»، بل ذكر «مبادئ الشريعة الإسلامية»، والفرق بينهما واسع وشاسع، بل إن النص بهذا الشكل لا يعنى شيئًا يذكر، ولا يترتب عليه نتائج ذات تأثير، ولا يبرر الاستناد عليه فى الدعوة لتغيير القوانين الحالية، لأنها جميعًا لا تخالف «المبادئ»، التى لا يغير من جوهر الأمر كثيرًا أو قليلًا أن تكون مصدرًا رئيسيًا، أو المصدر الرئيسى، أو حتى المصدر الوحيد كما ينادى البعض ويتشدق عن مزايدة ربما، أو عن عاطفة دينية مشبوبة غالبًا، أو عن جهل بالقانون أو بالشريعة أو بهما معًا، ولأن ما نُشر قد نُشر وأصبح من حق القراء علىّ أن أنقله كما هو دون تغيير، فإنه يكفينى الإشارة إلى ذلك فى المقدمة مع الاعتذار.
وأخيرًا...
هى غمة ستنزاح..
وهو مأزق تاريخى سوف نعبره بإذن الله..
وهى ردة حضارية سوف نتجاوزها دون شك..
وهو اختبار لشجاعة الشرفاء وانتهازية الجبناء..
وهو قدر البعض أن يتحدى الجميع.. من أجل الجميع..
وهكذا كان..
وهكذا- فى تقديرى- ما يجب أن يكون.
مصر الجديدة- ١٤ ديسمبر ١٩٨٦
النذير 1988

مصر دولة مؤسسة الدولة، منذ قامت بها أول دولة فى التاريخ. ولنا أن نختلف مع مؤسسة الدولة، ما شاء لنا الاختلاف، دون أن يُؤثر هذا الخلاف على حقيقة مؤكدة، تتمثل فى ذلك الفرق الشاسع، بَيْن محاولة إصلاح المسار، والاختلاف حول جزئية هنا أو جزئية هناك، وبين محاولة هدم المؤسسة ذاتها واستئصالها كأن لم تكن. وحين تحدث هذه المحاولة، وهى حادثة الآن، يُصبح من واجب الجميع، المختلفين منهم قبل المتفقين، أن يتضامنوا مـع الدولـة لعبور المأزق الصعب، وأن يكشفوا لها أخطاءها بـلا تردد، ويوضحوا لها ما يكتنفها من أخطار دون حرج. وقـد شـاء قـدر مؤسسة الدولة فى مصر فى السنوات الأخيرة، أن تُصبح واجهة للنظام المدنى كله، وأن تواجه من يسعون إلى إقامة الدولة الدينية بشتى السبل. وفى صراع مثل هذا أعطى تأييدى لمؤسسـة الدولة دون تردد، وأنصحها مخلصًا بـكل الصدق، وأؤجل خلافى معها إلى مرحلة تالية. تستقر فيها السفينة على بر الأمان، وتستقر معها شرعية اجتهاد الإنسان، ويُصبح فيهـا الاختلاف واجبًا، وليس رفاهية أو قصر نظر.
وقد أردت بهذه المقدمة أن أفسـر توجهى للدولة فى هذا الكتاب بالنقد والتحذير، حتى لا يأتى وقت نُردد فيه قول ابن الرومى:
وكنا ألفناها ولم تك مألفا
وقد يؤلف الشىء الذى ليس بالحسن
كما تعشق الأرض التى لم يطب بها
هواء ولا ماء ولكنها وطن.
مصر الجديدة، أبريل 1988
قبل السقوط 1984

لا أبالى إن كنت فى جانب والجميع فى جانب آخر، ولا أحزن إن ارتفعت أصواتهم أو لمعت سيوفهم، ولا أجزع إن خذلنى من يؤمن بما أقول، ولا أفزع إن هاجمنى من يفزع لما أقول، وإنما يؤرقنى أشد الأرق أن لا تصل هذه الرسالة إلى من قصدت.
فأنا أخاطب أصحاب الرأى لا أرباب المصالح، وأنصار المبدأ لا محترفى المزايدة، وقُصّاد الحق لا طالبى السلطان، وأنصار الحكمة لا مُحبى الحكم. وأتوجه إلى المستقبل قبل الحاضر، وألتصق بوجدان مصر لا بأعصابها.
ولا ألزمُ برأيى صديقًا يرتبط بى، أو حزبًا أشارك فى تأسيسه. وحسبى إيمانى بما أكتب، وبضرورة أن أكتب ما أكتب، وبخطر أن لا أكتب ما أكتب.
والله والوطن من وراء القصد.
ف. ف
نكون أو لا نكون 1988

هذه مجموعة من المقالات، لكل مقال منها قصة، والقصة ضرورية أحيانًا لفهم المقال ومعايشته، وأغلب هذه القصص لطيف، بينما أغلب المقالات عنيف، لأنها كُتبت بأعصاب مشتعلة، ونحتت من الوجدان، وصدقت فى مشاعرها إلى أقصى الحدود، وقد اكتشفت عنفها حين اجتمعت معًا، واندهشت لذلك كثيرًا، لأنى فى حياتى الخاصة ومع أصدقائى، شديد الوداعة والطيبة، على العكس تمامًا من طبيعتى حين أشعر بأن هناك ما يهدد ذلك الذى أحيا من أجله، وأستمد وجودى من وجوده، وأدافع عنه حتى آخر نفس، وهو الوطن.
الغريب أن ذلك- القدر من العنف- لم يكن اكتشافى الوحيد حين اجتمعت هذه المقالات أمامى لأول مرة، وإنما كان هناك اكتشاف آخر، هو أننى فى هذه المرة، أو بمعنى أدق فى هذه المقالات، لا أرد سهامًا، ولا أصد هجومًا بل أبادر وأبدأ وأشتد، على العكس من أغلب مقالاتى فى كتابى السابق «حوار حول العلمانية» التى كانت رد فعل لهجوم الآخرين.
ربما كان غريبًا أن يتحدث الكاتب عن انطباعاته بالنسبة لكتابه إلى القراء، لكن لا بأس، فما أكثر ما خرجنا على المألوف عامدين!، وما أكثر ما اصطدمنا بالمألوف مضطرين!، ولا بأس أن أستطرد فأذكر للقارئ أننى عند مراجعتى الكتاب تذكرت انطباعاتى منذ عشرين عامًا وأنا أقرأ المعارك الفكرية للرواد، على عبدالرازق، وطه حسين، والعقاد، وخالد محمد خالد وغيرهم، ووقتها كنت أندهش أحيانًا، وأنزعج أحيانًا، وأسعد دائمًا، وأتساءل باستمرار عن سبب عقم زماننا، وهأنذا أقارن بين معاركهم ومعاركنا، وتتوارد إلى ذهنى كتابات رواد التنوير فى عصرنا، المستشار سعيد العشماوى، والدكتور فؤاد زكريا، والسفير حسين أمين، والدكتورة نوال السعداوى، والدكتور لويس عوض، والدكتور صبحى منصور، والدكتور عبدالعظيم رمضان، والأستاذ خليل عبدالكريم، والدكتور سيد القمنى، والدكتور نور فرحات، والأستاذ مكرم محمد أحمد، والأستاذ أحمد بهاء الدين والأستاذ صلاح حافظ، والأستاذ محمود السعدنى، والدكتور رفعت السعيد والشاعر أحمد عبدالمعطى حجازى، وأخيرًا ما كتبه صاحب هذا القلم، وأجزم بأن ما كتبه هؤلاء فى السنوات الأخيرة، هو أجرأ ما كُتب فى تاريخ اللغة العربية، وأكثره وعيًا واستنارة، والأهم من ذلك أكثره شجاعة ومقدرة.
إن ما أسجله فى هذا الكتاب شديد الأهمية فى تقديرى، لأنه يعكس واقع المعارك الفكرية التى نعيشها، وهو سجل مهم للأجيال القادمة، أكثر بكثير من أهميته لجيلنا، لأنه وثيقة شرف لجيل آبائهم، ولعلهم لن يصدقوا أننا كتبناه ونحن غارقون فى اتهامات التكفير، ومحاطون بسيوف الإرهاب والتهديد، ويقينًا سوف يكتب البعض من الأجيال القادمة ما هو أجرأ، وأكثر استنارة، لكنه سوف يصدر فى مناخ آخر، أكثر حرية وانطلاقًا وتفتحًا، ولعله من حقنا عليهم أن نذكرهم بأنهم مدينون لنا بهذا المناخ، وسوف يكتشفون عندما يقلبون أوراقنا ونحن ذكرى، أننا دفعنا الثمن.
ويا أيها القارئ بعد زمان طويل، اقرأ لنا وتعلم كيف يكون الإنسان موقفًا، وكيف نحتنا عصر تنوير جديد بأقلامنا، وكيف كانت الكلمات أقوى من الطلقات، وافهم معنا ما فهمناه من حكمة الله العلى القدير، حين شاء أن تكون أولى كلماته فى الإنجيل «فى البدء كانت الكلمة»، وفى القرآن «اقرأ».
أيها القارئ بعد زمان طويل.. اقرأ..
د. فرج فودة- مصر الجديدة ٢٠ ديسمبر ١٩٨٨

الملعوب 1985

كانت هذه الصفحات فصلًا من كتاب، وكنت متفائلًا بإمكانية نشره فى إحدى المجلات أو الصحف، وحاولت مع ثلاث منها، فكان الرد اعتذارًا رقيقًا، لأن مضمونه الذى يعكسه العنوان، ليس مؤكدًا لديهم أو متوقعًا منهم، وخلال المحاولات مرت الشهور، وحدثت التطورات، وبدأت توقعاتى فى التحقق، وبدأتُ أشعر بضرورة أن أسرع بنشر هذا الفصل. ورفضت فى ذات الوقت أن أدخل عليه أى تعديل، مكتفيًا فى نهايته بذكر تاريخ الانتهاء من كتابته. وبدأت أتخلى عن فكرة نشر الكتاب الكبير الكامل، خاصة بعد ارتفاع أسعار الورق، وتخوفى من أن يحول السعر دون وصول الكتاب إلى الجمهور الواسع من القراء.
وربما تساءل القارئ عن سر اختيار العنوان، الذى يبدو عنوانًا «غير رصين». لكنى أستميحه العذر أن يؤجل هذا التساؤل إلى نهاية الكتاب، لكى يكتشف معى أنه عنوان دقيق لأخطر ظاهرة عرفها الاقتصاد المصرى فى القرن الأخير.
وأخيرًا، يبقى تساؤل عن حجة من رفضوا النشر، وموقف أمثالى ممن يكتبون ولا يتاح لهم النشر إلا على صفحات الكتب، وفى أحيان كثيرة على نفقتهم الشخصية.
ثم نتساءل عن سبب فساد المناخ الفكرى.
ف. ف

زواج المتعة 1990

قبل أن أبدأ أعلنها واضحة صريحة...
* لست داعية لزواج المتعة...
* ولست موافقًا عليه...
* ولست قابلًا به لبنات أسرتى وبنات المسلمين...
ولست أدعى الفقه والتبحر فى العلم، فما أنا إلا مسلم يجتهد فى دينه لدينه، لذا فليس لى رأى شخصى قاطع فى الخلاف حول المتعة، لكنى أدعى الأمانة فى عرض الرأى والرأى الآخر، وأدعى القدرة على بذل الجهد فى القراءة والاطلاع، ومنذ أعلنت عن قرب صدور هذا الكتاب، والسؤال لا ينقطع من الأصدقاء عن سبب كتابته، ومن حق القارئ أن يستمع إلى الإجابة...
لقد كتبت هذا الكتاب للأسباب التالية..
أولًا: الحقيقة ضالة المؤمن، والطريق الصحيح إلى الحقيقة لا بد وأن يمر بالتعرف على الرأى والرأى الآخر، ولا يكون أبدًا بطمس آراء الآخرين أو تسفيهها أو الهروب من مواجهتها إما جهلًا بها أو استعلاءً عليها أو رفضًا للنتائج من البدء...
ثانيًا: إن أسوأ خصائصنا الفكرية- فى تقديرى- تتمثل فى الاعتقاد بالصواب المطلق حتى فى فروع الفروع، وتفصيلات التفصيلات، واعتقاد هذا شأنه لا بد وأن ينعكس فى نتيجة منطقية، وهى الاعتقاد بالخطأ المطلق لمن يختلف معنا، أما أسوأ خصائصنا «التفكيرية» فهى أسلوب التفكير أحادى الاتجاه، حيث لا سبيل للحقيقة غير أسلوبنا فى التفكير، ولا احترام لأسلوب الآخرين، ولا اعتقاد بأن لهم منهجًا وعقلًا وأسانيد، فالمنهج لدينا هو ما ننهج، والعقل فى مفهومنا هو ما نعقل، والأسانيد فى تصورنا هى ما يساند أفكارنا ومنهجنا ونتائجنا.. والكتاب فى مجمله محاولة فكرية وتفكيرية مختلفة تمامًا، وهو ما سيكتشفه القارئ، ولعله يكتشف من خلاله خطأ منهجنا فى الفكر والتفكير..
ثالثًا: يعجبنى قول لصديق عزيز- كثيرًا ما نعرف كيف نتفق بيد أننا لم نعرف بعد كيف نختلف- والحوار الذى يعرضه الكتاب محاولة فى هذا السبيل، واجتهاد فى اكتشاف مالم نعلمه ونتعلمه بعد...
رابعًا: كثيرًا ما سألت نفسى وأنا أجتهد فى القراءة حول الموضوع لعدة سنوات كيف تخلو مكتبتنا الدينية والفكرية من أمثال هذه الموضوعات الدسمة فكريًا وفقهيًا، رغم خطورتها وكثرة وعمق الخلاف حولها، فى الوقت الذى تمتلئ فيه مكتباتنا بكتب عن عذاب القبر ونعيمه، وفتنة المسيخ الدجال، وأوصاف المهدى المنتظر، وأحاديث الخضر عليه السلام، وأحوال الجان ومراتبهم، وحكم زواج الإنسى بالجنية، إلى آخر الكتب التى لا طائل وراءها ولا أصيل فقه ولا سليم اعتقاد ولا انفتاح ذهن، ولعل هذا الكتاب يسد جزءًا من فراغ أحسبه قائمًا، ولعله جهد يستحق، وإن كان الحكم على ذلك للقراء...
خامسًا: كثيرًا ما يحدث للقارئ كما حدث لى أحيانًا، وهو يستعرض رأى هذا فيراه صادقًا، ورأى ذاك فيراه موثقًا، ثم يعود لرأى جديد للأول فيقتنع به ثم يقرأ رأيًا معاكسًا للثانى فيستمسك به، أن يصل إلى موقف تشتبه عليه فيه الأمور، ويجد نفسه فى منطقة شائكة بين الحل والحرمة وفى مثل هذه المواقف كنت أسأل نفسى، هب أننى اجتهدت فحسبته حلالًا، أكل حلال واجب الاتباع؟...
أحسب أنه سؤال خطير، وأخطر ما فيه أنه يطرح السؤال العكسى فى المقابل، وأحسب أيضًا أن مثل هذا السؤال يجب ألا يظل مكتومًا أو حائرًا، ولسوف يجده القارئ عنوانًا لكتاب قادم، وبغير عرض أصل الخلاف وآراء المختلفين، يصبح مثل هذا السؤال نوعًا من الترف الفكرى لا مبرر له ولا منطق، بيد أنه فى أعقاب هذا الكتاب يأتى مبررًا تمامًا ومنطقيًا بغير شك، وما أحسب إلا أن القارئ سوف ينشغل بالمقدمات والنتائج بقدر ما انشغل ذهنى، بل الأدق أن أقول، بقدر ما اشتعل، وهذا المبرر وحده يكفينى...
سادسًا: إن خطورة قضية «زواج المتعة» تستند إلى أسباب عدة:
١ - مأزق الحاجة لاجتهاد معاصر.
٢ - خطورة الاستناد لاجتهادات عصور سابقة.
٣ - مأزق الدعوة للعودة إلى الجذور دون مراجعة.
٤ - وهم اليوتوبيا «الجنة على الأرض» فى عصور خلت.
٥ - مأزق استلهام النص وحده دون إعمال العقل.
٦ - مأزق الفصام بين الأصولية والمعاصرة، فالأولى نقل، والثانية عقل وتوفيق بينهما وارد وممكن لكن ليس فى ظل ما نراه من انغلاق فكرى أو فكر انغلاقى.
٧ - المأزق الذى يقود إليه تقييم نصوص السن على أساس السند وليس المتن.
٨ - الأسى لخلاف المسلمين دون طائل يُجنى سوى تمزق الصفوف، ودون محاولة لرتق الخلاف وتلافى أسبابه.
٩ - ضياع الحقيقة بين الجهل والتجهيل والتجاهل من الفريقين.
١٠ - مأزق التناقض بين قضية فحواها الإباحة ومضمونها الحرية وبين اجتهادات أخرى فى قضايا تتصل بها، فحواها القيد ومضمونها التشدد، وهو مأزق لا بد وأن يشغل ذهن القارئ منذ البدء وحتى الختام، وأن تثير القضية ويطرح الكتاب كل هذه المآزق والمشاكل والقضايا، فإن كتابته تصبح واجبًا ومسئولية، ونشره يصبح ضرورة وأمانة فى عنق الكاتب لا بد وأن يفى بها مهما كانت العواقب...
وأخيرًا لعلى أجبت على المتسائلين، ولعلى مضطر إلى أن أعيد على مسامع القراء مرة أخرى ما بدأت به هذه المقدمة، ولو أتيح لى أن أعيده ألف مرة لأعدته...
* قبل أن أبدأ أعلنها واضحة صريحة...
* لست داعية لزواج المتعة...
* ولست موافقًا عليه...
* ولست قابلًا به لبنات أسرتى وبنات المسلمين...
ولست مستعدًا... فى نفس الوقت أن أطمس حقًا من أجل استرضاء الآخرين، أو أن أتنكر لمسئوليتى ككاتب من أجل إرضاء الآخرين...
والله والحق من وراء القصد...
مصر الجديدة - ٦ أغسطس ١٩٩٠







