قرموط السـت.. هانى منسى يتجاوز الصوت المنفرد فى مجموعته القصصية الجديدة
- تتميز مجموعة «قرموط الست» لهانى منسى باستلهام نسق الحياة البيئى
تحمل القصة القصيرة ألم المغترب فى سياق لا يحفل به، فهى تكرس لبوح الصوت المنفرد كما قال فرانك أوكونور فى كتاب بهذا العنوان ترجمه محمود الربيعى، إنها تتوغل فى عتمات فضاء ما بعد الغروب، لا تمل من مطاردة دائمة لسحب صامتة منذرة بمطر معلق فى عيون الغرباء الذين خذلتهم العاطفة، ولم يسعفهم المنطق، ولم يرهم المارون حولهم. لكن ذاك الفن الذى تنطبع فيه الوحدة يمكن أن يضع فيه المبدع صورة جمعية لعالمه، فيستعيد نسق الأخبار القصصية التى أنجزها القاص التراثى القديم حين كان يمزج حركة الواقع اليومى بمرجعية التاريخ من ناحية وأحنجة المتخيل من ناحية أخرى، وهذا ما استطاع أن يبلوره القاص هانى منسى فى مجموعة «قرموط الست».

قصص مجموعة «قرموط الست» تتألق بوميض أصيل مصدره سبيكة من الخيال انصهرت فيها مرجعية الحياة المشحونة فى مستودعات متراصة بسراديب الذاكرة، عبر صور ناطقة بيوميات البسطاء فى برنامج اليوم المزدحم، وأذهانهم الأكثر ازدحامًا بترتيب الأولويات المصاحبة للرحلة كلها، وحكمة التجارب النامية بين ضفتين تنغرس فيهما حقول الزاد اللازم لوقود العمل، وأنفاس التاريخ السارية من أجنحة الأساطير، كيف نستشف العمق الكامن بتاريخيته من المظهر الآنى بلحظته الهاربة خلف أشعة الشمس؟! تلك هى قضية المبدع بخاصة فى فن القصة القصيرة الذى تشغله اللقطة، ويتأمل المشهد، محاولًا تجنب مسار الحدوتة بطولها الدرامى وتعقيدها البنائى.
من هذه الخلطة المحسوبة بمقادير دقيقة يقوم القاص هانى منسى بعمله على طريقته، بالنسق الإبداعى لبيئتنا المحلية، يأخذ قمحه ويطحنه ويقطعه ويرصه فى ألواح العجين، ويضعه فى فرن السرد لينضج حاملًا خلايا صوتية تمتزج فيها ملامح شخصيات تتفاوت بين الوعى العميق وسذاجة طفولة أبدية، فى روح جمعية قادرة على توظيف تقنيات التطور المتلاحقة بجذور شعبية فيها فطرة صناعة الحضارة.
جمال القصص فى مجموعة «قرموط الست» تحققه معادلة رياضية فيها رمز تعويضى يحيل إلى بيئة مصرية صعيدية لها مصداقية لدى القارئ المحلى، وتثير شهية الغريب لو كان يعرف العربية، أو سيطالعها مترجمة بإدراك سائح يبحث عن صور عالم آخر، ليقيم مقارنات، ويستخلص الاختلافات، ويصل إلى العمق الكامن فى قلب المظاهر المتغيرة، وفى الوقت نفسه بجوار ذاك الرمز الإحالى إلى البيئة هناك النموذج المرسوم بدقة متناهية تنطق بملامح شخصيات لها أصالتها المطلقة فى الفن والعالم.
شخصيات هانى منسى فى مجموعة «قرموط الست» لديها المقومات الفنية التى تساعدها على أن تصل إلى ذروة النضج فى نماذج تكوينية بلغت الغاية فى استنفاد الألوان التى تضعها فى معرض الدراما القادرة على معالجة المواضيع الكاشفة لأعماق النفس فى سياقات اجتماعية قاسية كالحب والجنون والموت، ومع كل ما تعانيه الشخصيات تظل أسرارها الكامنة ملهمة لتفعيل طاقة البقاء، وربط الماضى بالحاضر فى مجتمع مؤسس على تاريخ روحى عريق.

يمنح عالم هانى منسى فى مجموعة «قرموط الست» المتلقى مساحة لونية واضحة تتجلى فيها الشخصيات المنتمية إلى فضاء مرجعى حيوى صاخب تشرق عليه شمس متوهجة، تناسب تمامًا بيئة الجنوب، فإذا بملامحه تكتسب حضورًا متميزًا مثلما هو الحال فى لوحات رينوار الانطباعية بما فيها من انعكاس قوة العالم فى إدراك المبدع الواعى بالفرق بين المحاكاة التقليدية التى لا يمكن أن تصل إلى روعة العالم الخارجى بكل ما يختزنه فى طيات عميقة تكاد تلوح فى ظاهره من ناحية، والصورة التى تتشكل فى التجربة الإبداعية حين تتوغل رؤية المبدع فى الملامح المنعكسة فيصل إلى أسرارها الحاملة لجينات الجمال من ناحية أخرى، إن الفضاء القصصى فى مجموعة «قرموط الست» يشى بالأجواء الدافئة الضامة لشخصيات نضجت فى حضن الأفق الشمسى الجنوبى الحار.
تتميز مجموعة «قرموط الست» لهانى منسى باستلهام نسق الحياة البيئى، ولأن القصص تضع أمام المتلقى عالًما يتسم بالجمعية والتضام تسرى فيه روح الألفة، فإن البنية القصصية لا تقيم حاجزًا بين نص وآخر، ويمكن أن تصنف المجموعة بأنها متوالية قصصية، لأن القارئ سيعايش فضاء القرية الصعيدية الأسيوطية، ويصاحب شخصيات تتنقل بين القصص مثلما يحدث فى عالم القرية، إن شخصيات مثل هوبا وسحر وكريمة ورشيد وسارة وجعفر وحمدان وجابر تظل مع المتلقى إلى أن يلفها الليل فى النص الأخير، هذا البناء يدعم التماسك النصى، ويضيف خطوطًا درامية متشابكة، إن البناء يقاوم الغربة والوحدة، ويستعيد الروح الجمعية التى تصل الفرد بالكون، ويتعمق هذا التماسك بالتعدد الصوتى الذى يمارسه الراوى، وكأنه يقوم بتمثيل الحدث، فينطق بما يناسب الشخصية، ويصل إلى درجة عالية فى المحاكاة الصوتية حينما يعبر عن عالم الأطفال فى لعبة الكرة، وإيقاف اللعب المتكرر لمرور شخصيات فى منطقة الملعب، ومع استمرار اللعب تكبر الشخصيات، ويواصل السرد الذى يقترب من الشفهية إخبارنا عن تلك اللعبة، بل يذهب الخطاب السردى إلى استنطاق شخصية الحيوان فى بعض القصص لنستمع إلى القصة من منظور مختلف مثل قصتى «وجبات إجبارية» و«دكر البط»، والطريف أن المؤلف الضمنى أو المنسق السردى يترك لشخصية الحيوان أن تكتب تعليقات فى الهوامش كى تترجم أحوالها، إن عالم هانى منسى الجميل يذكرنا بعالم الكبير محمد مستجاب فى تصوير عبقرية البساطة، واستنطاق الصمت، وصياغة سردية محلية لها مقومات تبحث عنها العالمية، من خلال قصص لها صيغتها المحلية الواضحة مع تعدد الأصوات التى تحيل إلى مكونات الشخصيات وأفكارها والعلاقات التى تصل بينها، مثلما تصل أشعة الشمس مرجعية العالم برؤيتنا، وإمعان النظر يلتقط تفاصيل ملامحنا التى نتأملها فى تجاعيد وجوه لها صحبة طويلة بالمروية الحضارية التى نشارك فيها بحظ وافر، والراوى عند هانى منسى فى «قرموط الست» يجيد قراءة خطوط بيئته المحلية فيدعم الفن القصصى برؤية تتجاوز الروح الاغترابية الفردية التى سيطرت على النسخة العربية التى كانت تحاكى النسخة المستوردة، بخاصة أن القاص يجمع بين توهج الموهبة والمرجعية الثقافية التى لا تتوقف عن التحديث، وكل تحديث يتطلب موقفًا يتخذه المبدع الواعى بالمشترك والمختلف بين الحضارات، كما كان يفعل يوسف إدريس فى عملية تمصير القصة والمسرح.







