الأحد 13 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

مكتبتي..

كمال أحمد عبجواد

حرف

أعتقد، والله أعلى وأعلم، إنه نجيب محفوظ كتب الثلاثية علشان شخصية كمال عبدالجواد، وإنه كتب شخصية كمال كـ نوع من الشكر والامتنان لـ الحظ «أو الطبيعة أو القدر أو الله أو زى ما تسميه» لـ إنه تجنب مصير بائس تعيس كان هـ يلقاه لو وقع فى الحفرة، فـ عايز يسجل إزاى نجى منها.

نِجِيب م الأول: 

التقاطع بين كمال ونجيب نفسه معروف جدًا، واتكتب فيه كتير، وحتى لو ما كانش اتكتب، فـ التشابه أوضح من إنه يكون اكتشاف، السن تقريبًا «كان تلميذ فى المدرسة لما قامت ثورة ١٩» قصة حب فاشلة، أصدقاء تجمعهم الدراسة والحديث فى الشأن العام وحب كرة القدم ثم يفترقوا، الاتجاه لـ الفلسفة كـ اختيار حر ابتعادًا عن دراسة الحقوق «كلية القمة وقتها» كل دى حاجات مشهورة عن نجيب، وهو لم يجد حرجًا فى تدوينها أو الاعتراف بـ التقاطعات دى.

السؤال المعتاد هنا عن «حجم» هذا التقاطع، وإلى أى مدى وصل التشابه، هل الثلاثية هى سيرة ذاتية خفية له؟ عن نفسى مش شايف السؤال كدا، شايفه عن «نوع» التقاطع مش حجمه، بـ معنى إننا مش قدام سيرة ذاتية خفية، إنما سيرة موازية، على طريقة السؤال الشهير: ماذا لو؟

كمال/ نجيب ليهم نفس البداية، شخص مش شايف أى «معنى» لـ أى حاجة، بـ ما فى ذلك الحاجات الضخمة والكبيرة، أو بـ الأخص الحاجات الضخمة والكبيرة: الثورة، البيت، الأسرة، الوطن، الاستشهاد، الأب، الأم، الحب،...... إلخ إلخ «حتى لو اختلفت تفاصيل كمال عن نجيب، الكلام هنا عن «المعنى»» ورغم إنه مش شايف أى معنى لـ الحاجات دى، فـ هو واقع كليةً فى أسرها وتحت سطوتها، يمكن أكتر من التانيين، الموضوع هنا ممكن تلخيصه فى «الحسين»، اللى هو حاضر ورمز ومقدس ولم يستطع التخلص من مشاعره تجاهه، بس هو عارف كويس إنه الضريح فاضى، ومفيش أى حسين هنا.

حلًا لـ هذه المعضلة الوجودية بـ يبدأ كمال/ نجيب رحلة شكلها مطول حبتين فى «البحث» عن المعنى، يعنى افتراض إنه فيه معنى كامن فى المفاهيم دى، بس أنا مش واصل له لسه، فـ خلينى أدور عليه. ومن هنا كان اختيار الفلسفة.

الفلسفة ما كانتش مجال معرفى إنسانى، يشتبك فيه مع الواقع والتاريخ، ويحاول يفهم كيف يفسر من سبقونا العالم والحياة وما وراء الحياة، إنما اختيار الفلسفة نتج عن تصور ساذج إنها هـ تدله على «الحقيقة» وتعرفه على المعانى الكلية، وبـ الطبع دا ما حصلش ومش هـ يحصل.

عند نقطة ما من حياة نجيب هـ يتوقف عن المسار دا ويعمل تحويلة عمره «وعمرنا» لما اتجه لـ الأدب وكتابة القصة والرواية، هـ نتكلم عن التحويلة دى بـ استفاضة، إنما مبدئيًا نقول إنه رغم كدا فضل طول الوقت مشغول: ماذا لو ما عملش التحويلة دي؟ كان إيه هـ يبقى مصيره، هذا الانشغال تحول لـ هاجس، والهاجس تحول إلى الثلاثية.

كنت هـ أبقى زى كمال كدا: عاجز، خاوى، غير منتج، أتظاهر بـ الحياة وأنا مش عايشها، شاكك فى كل حاجة، ثم شاكك فى شكى نفسه، أو زى ما قال المتنبى:

كريشةٍ فى مهب الريح ساقطةٍ

لا تستقر على حال من القلقِ

فـ شكرًا لـ الطبيعة

إنما إيه التحويلة اللى عملها نجيب؟

فى تقديرى ما يلخص هذا التحول هو جملة قالها على لسان كمال نفسه:

«ربما كان من الخطأ أن نبحث فى هذه الدنيا عن معنى، بينما مهمتنا الأولى أن نخلق هذا المعنى.»

هو انشغل بـ عملية «خلق» المعنى، بس هنا كان فيه مشكلة كبيرة، وهى إنه الشخص الوحيد اللى ما ينفعش تضحك عليه هو إنت نفسك، بـ معنى إنه ما ينفعش تصحى الصبح تقول:

بسم الله الرحمن الرحيم، الثورة تعنى لى كذا وكذا، الأسرة كيت وكيت، الدين كانى ومانى، الحب هئ ومئ، ثم بـ التصرف على هذا الأساس، لازم تكون فعلًا المعانى دى موجودة جواك، كيف تتشكل؟ هو دا السؤال.

اتجاه نجيب محفوظ لـ الأدب كان من خلال رصد البشر كـ أفراد والمجتمع كـ وحدة متكاملة، ومحاولة فهم: كيف يخلقون معانيهم؟ وعلى أى أساس، وكيف تتشكل المفاهيم اللى بـ تتأسس عليها القيم، ودا كان فى حد ذاته خلق لـ معنى حياة نجيب نفسه: التشريح، اللى هـ أحاول أتتبعه فى البوستات الجاية.

من هنا بـ أفهم هذه القدرة اللا محدودة والبصيرة اللا نهائية اللى تمتع بيهم، هو مش طرف فى حاجة، هو بـ يقول لنا: إزاى الحاجات بـ تحصل، وإزاى الناس بـ تدى معنى لـ حياتها، الناس اللى هم إحنا، وفضل يعمل كدا طول حياته بـ دأب النملة وصبر الجمل، لـ إنه ما كانش يقدر يتوقف عن العملية دى، وإلا فـ مصير كمال عبدالجواد ماثل قدام عينيه.

ما أعرفش إزاى الراجل دا قدر يعيش كل هذا العمر، وهو «شايف» كل هذه المأسى، وما أعرفش كمان إذا كان دا من حسن حظه ولا سوء بخته، إنما المؤكد إنه كان من حسن حظنا «أو على الأقل حظى أنا».