الخميس 04 يونيو 2026
المحرر العام
محمد الباز

يا مدام عفاف.. من «قمة بليغ» لـ«ألبوم باع 3 نسخ»

حرف

«هاتوا لى عفاف، اخلقوها من تحت طقاطيق الأرض»

لـ حد دلوقتى محدش يعرف إيه خلى بليغ حمدى يصحى من النوم أحد أيام أواخر الستينات، يقول الجملة دى بـ إصرار، أعتقد ولا بليغ نفسه يعرف، لكن عندى تصور..

الفكرة إنه فى أواخر التلاتينات أوائل الأربعينات، محمد القصبجى كان عنده فكرة بنت مجانين، وهو إننا ممكن نعمل غنا يمزج الأوبرالى بـ الشرقى، الأوبرالى مش الغربى عموما، ودى حاجة تكاد تكون لا تستقيم، زى ما تقول كدا عايزين نشوف الشمس بـ الليل.

القصبجى عمل بذرة لـ دا فى «يا طيور» مع أسمهان، وحاول ينميها مع أم كلثوم فى عايدة، «يا طيور» مشى الحال، إنما مع أم كلثوم كانت النتيجة مريعة، وهكذا اتقفل الباب دا قول ما يقرب من ربع قرن، لـ حد ما بليغ اهتم بـ إكمال الفكرة.

بليغ لقى الصيغة، فى إننا مش محتاجين الغنا الأوبرالى نفسه، لكن محتاجين صوت أوبرالى، نستفيد من إمكانياته دى فى صياغة ألحان شرقية دون أن يفقد طبيعته وميزته، وكان عنده الأفكار فيما يخص المزيكا، لكن فين الصوت الأوبرالى اللى ينفع ينفذ دا؟

هنا بقى خلينا نقول إن كان فيه بنت اسمها «عفاف» من عيلة راضى الفنية المعروفة: منير راضى والسيد راضى وغيرهم، حتى فوزى درويش المسئول المسرحى الكبير كان من هذه العائلة.

عفاف راضى دى دخلت الكونسرفتوار، وهناك مش بـ يدرسوا شرقى خالص، ممنوع أساسًا، بل ممنوع على الطلاب إنهم يدندنوا شرقى بينهم وبين نفسهم، إنما ما تعرفش الأسباب اللى خليتهم يعملوا موسم استثنائى «استثنائى بـ جد مش زى دورى الكرة المصرى» فـ يستقدموا رياض السنباطى يدرس كورس شرقى لـ بعض الطلبة منهم عفاف، فـ يعلمهم الموشحات والقوالب الشرقية الكلاسيكية.

رياض شاف إن عفاف دى ييجى منها فى الشرقى، ثم إنه الأخوين رحبانى زاروا مصر، وراحوا الكونسرفتوار وهناك قابلوها، وهى قالت لهم فى السكرتة إنها بـ تغنى شرقى، فـ راحت لهم الأوتيل وسمعوها، وعرضوا عليها تروح معاهم لبنان، بس هى يعنى قاعدة فى القاهرة بـ تقول يا غربتى، لـ إنها سابت المحلة وعايشة فى العاصمة، فـ أكيد مش هـ تسيب مصر كلها.

المهم يعنى، الكلام اتنتور هنا وهناك عن البنت دى، فـ بليغ قرر إنها هى اللى ممكن تنفذ المشروع، وتعمل التجربة، وما كانش عمره شافها، فـ قام من النوم طلبها حالا قبل الأفكار ما تطير من دماغه.

راحت البنوتة الصغيرة لـ الملحن الكبير، ولقاها تمام، وقدر يقنع عبدالحليم حافظ بيها. طب إيه علاقة حليم بـ الموضوع؟ أكيد مش هـ يرقص فى الفرح، بس إحنا هنا مش بـ نتكلم عن حليم المطرب إنما المنتج صاحب شركة «صوت الفن» بـ الشراكة مع محمد عبدالوهاب. بليغ عرف يبيع له عفاف، نمرة ربحانة تقدمها معاك فى حفلاتك، تضيف لك مكاسب مادية، فى الوقت نفسه لا تشكل أى نوع من المنافسة، وقد كان.

فى الهمبرا بـ إسكندرية، أحد أيام ١٩٧٠، حليم كان عنده حفلة، ثم قدموا فيها الصوت الجديد «عفاف راضى» بـ أغنية «ردوا السلام» اللى اكتسحت، اكتسحت مش بس علشان الحفلة، لكن لما قالت مع الجمهور بـ نفوذ حليم فى الإذاعة بقت الغنوة بـ تتسمع كل خمس دقايق على محطة شكل، وكان لسه الراديو عنده السلطة الفنية، والغنوة فعلًا ليها قبول عالى عند الجمهور، وهكذا بقى عندنا مطربة كبيرة فى غضون أيام قليلة.

انطلقت عفاف مع بليغ لـ عدة سنوات: لـ مين يا قمر، وحدى فى البيت، حاسب وإنت ماشى، جرحتنى عيونه السودا، وغيرها وغيرها من خيرات ربنا، اللى خلتها فى الصف الأول من نجوم الطرب، ثم إنه بليغ بدأ ينشغل مع وردة وغيرها، وراحت عفاف تدور على مصدر آخر لـ المزيكا.

طبعًا مفيش تجربة تشبه بليغ، أولًا راحت لـ الطويل، عمل لها ييجى عشرين لحن، ما غنتش منهم ولا واحد، لـ إنه كان دايمًا بـ يحس إنها مش ظابطة، كل اللى سمعناه ليهم سوا ٣ أغنيات وطنية، أشهرهم «مصر هى أمى» اللى غناها فؤاد المهندس قبلها، بس الطويل كان عايز يعمل منها نسخة وقورة «مش عارف ليه الصراحة» والأغنيتين التانيين: الباقى هو الشعب «ودى ليها حكاية فكرنى أقولها لك بعدين» ثم حبك أصيل وكفاية وخلصنا على كدا.

مع الموجى اشتغلت كتير، بس يعنى مفيش حاجة منهم علمت أوى، ومع منير مراد عملت لحن واحد هو «ابعد يا حب» ودمتم، واشتغلت شويتين مع فؤاد عبدالمجيد، بس دى تجربة خاصة نخبوية شويتين، وهكذا وهكذا.

هذا لا يعنى إنها اختفت، أبسليوتلى، بـ العكس، هى لما نجحت مع بليغ، صوت الفن طبعًا فكرت تستثمرها فى السينما «زى كل المطربين الكبار» بل إنها كمان قدرت تفرض شروطها فى إن الفيلم يعمله حسين كمال «يعنى إنتاج كبير مكلف» والفيلم «مولد يا دنيا» انتشر بـ صورة رهيبة، سواء فى السينما أو عند عرضه فى التلفزيون وكان فيه أغانى هايلة لـ الموجى ومنير مراد وبليغ وغيرهم «بـ خلاف ما سردناه لـ كل ملحن» يعنى عايز أقول لك إن صوت الفن طرحت أغانى الفيلم فى شريطين كاسيت مش واحد، ودى حاجة ما حصلتش عمرها، بس الشريطين اشتغلوا، فـ هى كانت فلة شمعة منورة.

بعد الفيلم هى غلطت، إنها ما عملتش أفلام تانية، بس هى كانت عايزة يا إما زى «مولد يا دنيا» يا إما بلاش، ودى حاجة ما تنفعش، هى ركزت مع المسرح، وعملت مسرحيات كتير ما شفنهاش لـ الأسف، إنما سمعنا بعض أغانيها زى شغلها مع الرحبانية «تخيل الرحبانية لحنوا لـ الأبنودى» وزى الأغانى اللى عملها لها أمل دنقل «أيون، أمل دنقل لا تصالح» وغيره وغيره وغيره.

دخلنا التمانينات، وظهرت حساسية جديدة فى الغنا، وما بقاش لون بليغ والموجى هو السائد، كان طبيعى تشبك مع عمار الشريعى، الأقرب من الجداد لـ الأسطوات القدام، وعملوا ألبوم هايل، اللى هو «وبـ تسأل يا حبيبى»، وفى وسط ما بـ يعملوا الألبوم، عمار قال لها: بـ أقول لك إيه يا عفاف، ما تيجى تغنى لــ الأطفال! قالت له: أطفال إيه يا عمار؟ إنت جرى لك حاجة فى دماغك؟

إنما هو فضل يزن عليها، لـ اقتناعه إنه الأغانى دى اللى عملها مع سيد حجاب هـ تعيش ١٠٠ سنة قدام، وهكذا سمعنا سوسة واصحى يا دنيا وبقية الحبة الحلوين دول.

ثم إنه خلاص، بـ مرور الأيام، ما عادتش عفاف راضى «الدكتورة عفاف» قادرة تقاوح وسط الغنا الجديد، وفى ١٩٩٧ عملت ألبوم من إنتاجها، لـ صناع الأغنية الشباب وقتها، مصطفى كامل وحسين محمود والناس دى، الشريط باع ٣ نسخ، أنا اشتريت ٢ منهم، «وجارى البحث عن اللى اشترى النسخة التالتة» فـ ما كررتش التجربة، وفضلت تبقى ذكرى لطيفة يستضيفوها فى برامج النوستالجيا بـ اعتبارها من ريحة زمن الفن الجميل.