الخميس 09 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

العشاء الأخير لنجيب الريحانى

نجيب الريحانى
نجيب الريحانى

مغرية بـ صراحة، الشكل والفكرة والإسقاط والحكاية. كل شىء فيها مغرٍ، بـ نتكلم هنا عن «العشاء الأخير».

حسب الإنجيل، إنه فى الليلة اللى اتصلب فيها المسيح، اتعشى هو والتلاميذ، وكان ميعاد عيد الفصح اليهودى وقتها، والعشاء ده تم تسجيله من خلال لوحات فنية كتيرة أشهرها لوحة ليوناردو دافنشى اللى عملت ضجة، وكانت الأساس لـ رواية شفرة دافنشى.

الكل قاعدين على مائدة مستطيلة فى صف واحد، على خلاف الشكل المعتاد لـ الموائد، والمسيح فى النص، والتلاميذ كل واحد واخد وضع، وإحنا فى آخر عشا قبل المحاكمة اللى هـ تنتهى بـ الصلب ظلمًا، وإن المسيح يبقى الضحية والفداء.

أعمال فنية وأدبية كتير استعارت الموضوع، أو جزءًا منه، سواء بـ شكل مباشر أو غير مباشر، وعندنا مثلًا ملحمة «أدهم الشرقاوى» فى معالجة الإذاعة المصرية، أدهم تعرض لـ الخيانة من صاحبه بدران «يهوذا»، فـ بـ نسمع إن بدران جايب له العشا، قبل ما يسلمه لـ جنود الاحتلال الإنجليزى، فـ أدهم بـ يقول له الجملة الشهيرة: «يا خوفى يا بدران، لـ يكون آخر عشا». وجملة «يا خوفى يا بدران» بقت تقريبًا مثلًا.

وشفنا «السبع وصايا» وغيرها من الأعمال، ومنها «أحمر شفايف».

بـ نشوف عيلة إبراهيم أفندى بـ تتعشى آخر عشا، قبل ما يروح لـ صليبه الخاص، ويتعرض لـ المحاكمة الظالمة، معنديش شك واحد فى الألف إن استعارة «العشاء الأخير» مقصودة من صناع الفيلم، خصوصًا إن العشا، ومناسبته «نجاح الطفل» محشورين فى الفيلم حشر، علشان نشوف المشهد بـ الطريقة اللى شفناه بيها.

بس صليب إبراهيم أفندى مكنش فداء لـ حاجة، ولا تضحية، هو مجرد ضحية مجانية لـ مجموعة ظروف ذاتية وموضوعية:

ضحية الحياة البديلة اللى عاشها كـ مواطن من الطبقة الوسطى، الفيلم ده من أعظم الأعمال اللى تناولت الطبقة دى ومأساتها، اللى بـ تتلخص فى إن المواطن بـ يعيش حياة مش بتاعته، علشان يعجب ناس هو بـ النسبة لهم مش مهم.

كل الحاجات بـ تحصل حوالين الأب، بس لـ إنها بـ تحصل، بس لـ إن الناس بـ تعمل كده: البنت بـ تاخد درس بيانو، لـ إن ولاد الناس بـ يعلموا ولادهم مزيكا، ورغم إنه هو شخصيًا بـ يفرق بين البيانو والعود، بس هو لا يتذوق اللى البنت بـ تدرسه، ولا يهتم بـ الموسيقى أصلًا، لا هو ولا قرايبه، المعزومين على العشا وبـ يسمعوا مزيكا، هم بـ يحبوا الرقص البلدى بتاع سامية جمال.

مفيش حاجة فى الفيلم بـ تدل على إنه بـ يحب مراته، بس هى بنت أخت صاحب الفابريكا اللى بـ يشتغل فيها، زائد العيال، فـ هو ملتزم علشان عيب ما يبقاش ملتزم.

هو صحيح ما غلطش مع قمر، لكنه كان عايز يغلط، والمشهد اللى هى بـ تمسح فيه البلاط بـ يقول كل حاجة، أول ما ييجى يطردها، يلاقيها حلوة وشهية، فـ يتراجع.

حتى فى الليلة المشئومة، هو كان رايح يشرب، بس برضه كان عايز يروح لها الأوضة، وفضل متردد، رغبته هى اللى خلق عند البنت الفرصة لـ الإغواء، مفيش إغواء من غير رغبة، وهو ما صدق، جرى عليها، فـ هو يجوز مظلوم، بس مش مظلوم قوى.

مفيش يهوذا فى العشاء الأخير، بس فيه غدر، غدر من مراته اللى كانت مترصدة له، وتقريبًا مستنياه يغلط، وغدر من الحية إبليس اللى أغوته وبعدين أنكرته، وده هـ ينقلنا من صليب المسيح لـ خطيئة آدم اللى طردته من الجنة، وخلت سوءاته تبان ومرمطته، وأى مرمطة.