تجليات جديدة للشاعر اليونانى خريستوس كوكيس
- كانت تذرفُ الدموعَ وتنوحُ مختبئةً عن الناسِ فى كنيسةٍ بيضاءَ
خريستوس كوكيس «Christos Koukis» هو شاعر وكاتب يونانى من مواليد أثينا فى العام 1979، والمؤكد أن له حضورًا مائزًا فى المشهد الشعرى اليونانى والأوروبى الراهن، إذ إنه عمل فى الكثير من المجلات الشعرية والثقافية باليونان، فضلًا عن إسهاماته الفعالة فى العديد من المشاريع الثقافية، من بينها: «وثائقى أثينا 14» الدولى، وتقديم بورتريهات لنحو ثلاثين شاعرًا يونانيًا معروفًا تم نشرها فى مجلة المؤلفين اليونانيين، والمشاركة فى معرض دوكومنتا 14، وغير ذلك.
شارك خريستوس كوكيس خلال السنوات العشر الماضية فى العديد من المهرجانات الشعرية الدولية فى الكثير من بلدان العالم، بأوروبا وأمريكا وآسيا وإفريقيا، بما فى ذلك مصر والعديد من بلدان العالم العربى.
للشاعر نزعة إنسانية عميقة، لا تتجلى فى قصائده الرهيفة المفعمة بالحنو على الإنسان بشكل عام دون تمييز دينى أو عرقى فحسب، بل تمتد إلى حركته فى المجال العام أيضًا، إذ دأب على زيارة المدارس والسجون من أجل نشر الشعر والأدب.
وتم الالتفات فى الآونة الأخيرة إلى تجربة «خريستوس» بوصفه وريثًا لأسلاف عظام أثروا المدونة الشعرية على مدى التاريخ، فتُرجمت قصائده إلى عدد كبير من اللغات مثل: الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والبرتغالية والصربية والرومانية والسلوفينية والإيطالية والتركية، وربما لغات أخرى، وها نحن نقدمه بكل إعزاز إلى قرّاء العربية.
«خريستوس» يعيش الآن ويعمل فى أثينا، كما يقوم على تنظيم وإدارة مهرجانات شعرية دولية داخل اليونان وخارجها.
من أعماله الشعرية: «ما بعد الجمال» 2011، و«مفارقة الشمس الكبرى» 2013، و«يوميات للعشّاق» 2014.

الضمير النقى للمتعة
هل ترغبُ فى اللعِب؟
هكذا سألتْنى بابتسامةٍ.
على الفورِ،
خطرَ النحلُ فى بالى
وهو يمتصُّ الرحيقَ
من أرجلِ الزهرةِ المفتوحة.
ليس هناك ما هو أكثرُ فضائحيةً
من الرغبةِ الفِطريّةِ
فى عالَمِ البَشَر.

سيرة القديسين
حين تبقون عراةً
وتقصُّون حكاياتٍ قديمةٍ محزنة
تذكروننى بأيقونةٍ لم تمسسها القرونُ
إذ كانت تذرفُ الدموعَ وتنوحُ مختبئةً عن الناسِ
فى كنيسةٍ بيضاءَ صغيرةٍ ذات قُبةٍ زرقاءَ
تحت ظلِّ صخرةٍ
وتحرسُها أشجارٌ ضخمةٌ ومرتفعاتٌ شاهقة
حتى إن اللهَ- بنعمِهِ الإلهيةِ- كان يستمتعُ بمرآها.
أنتم التناولُ المقدسُ الكاملُ، كرياليسون.
عرقُكم بخورٌ فى زجاج العالم،
دخانٌ يجلبُ السكينةَ إلى رئاتِنا،
منحنياتُكم زجاجٌ ملوّنٌ، كَم يتخلّلُها النورُ برقةٍ،
صوتُكم المنكسرُ مزمورٌ للمكلومين.
وعندما تتجرّدون من دموعِكم،
أشعرُ بأن مصيرَ العطشِ البشرىّ فى خطر.
فى كلِّ مرةٍ تبقون فيها عراةً
وتقصون حكاياتٍ قديمةً شائكةً
أوقنُ من أن الحُبَّ هو الذى لم يخطئ
إذ يرمى الظلامَ الدامسَ بالحجرِ الأوّل.

الشرق الأوسط
اندلعتْ الحربُ، وتدفقتْ فينا على الفورِ ملذاتٌ مظلمة.
تحولت النبوءاتُ إلى نقودٍ ورقيةٍ، والنقودُ إلى رماد.
بلدٌ أُقصِىَ من بينِ يدىّ الحلمِ الجميل.
مثقلًا بالذنبِ، أستيقظُ على كارثةٍ تتشبّثُ بحافةِ الأرضِ الخصبة.
أقرأُ التراجيدياتِ وأنا أسبحُ فى برزخِ واقعٍ قد مضَى.
هكذا لا أحرِّضُ، ولا أُشاركُ فى إراقةِ الدماءِ الأولى.
لا أستطيعُ النومَ حين أراكم تتجمَّعُونَ
من كل زمنٍ أزواجًا:
هسيسُ الأوراقِ الصفراء، وسُرعةِ رياحِ الشَّمال.
دوىُّ ظهيرةِ الصيفِ، أزيزُ الأسطحِ المغطاةِ بالثلوج.
حشرجةُ الجداولِ المتدفقةِ، وضحكةُ العاصفة.
شدوُ السنونو، وتنهُّدُ المروجِ المُدخَّنة.
تسلّقُ قمةِ الجبلِ، وغوصُ الزُّرقةِ السماوية.
وابلُ المطرِ الغزيرِ والرطوبة، وصمغُ الأرض.
دوىُّ الرعدِ، وغشاوةُ الضباب.
سككُ الربيعِ، وبوصلاتُ الثمار.
دخانُ الطوفانِ، ورمادُ أشعةِ الشمس.
صقيعُ النجاحِ، ومجاعةِ الإخفاق.
وها هى دموعُنا تتوسَّلُ نصيبًا من خبز الزمن.

النوم
منذ مدةٍ لم أستطع النوم.
أتقلّبُ فى فراشى،
حتى يرفعَ الدُّوارُ أحلامى من الأعماق.
معاناتى الليلة أشدُّ وطأةً من الظلمةِ،
غير أننى لا أنتظرُ فجرًا
إذ لم يحِن وقتُ النورِ بعدُ.
مع ذلك، فأنا أنتظرُ ظهورَ النجومِ والقمرِ
كى نتحدَّثَ ونستوضحَ الأمورَ،
وكيلا نتركَ هذه القِصةَ هكذا، بعيونٍ فارغة.
هذه البلدةُ لا تنامُ مستريحةَ الضمير.
فأىُّ صنفٍ من الناسِ يدفعُنا إلى الجنونِ
إذ حلَّ الليلُ فجأةً بعنف!
ثم أىُّ صنفٍ من الناسِ قد صرنا نحن أيضًا
إذ حلَّ الليلُ دونَ مقاومةٍ، محضَ ذكرى!
اقتنصَنا الرمادُ،
ومن استطاعَ إنقاذَ نفسَه فقد نجَا.
اعتادَنا الرمادُ،
وباتَ يتهمُنا الآنَ بإشعالِ النيران.
كان علينا إذن أن نُصغىَ إلى الإنكارِ،
فمنذ مدةٍ، ونحن نحيا شعورَ من ينزلقُ إلى الهاوية
هكذا، مع الشكوكِ المذعورةِ،
يسيطرُ الجرحُ،
يصيرُ أكثرَ عمقًا.

الاختلاف البديهى
«معجزةٌ، معجزةٌ!» هكذا صاحَ الرجلُ الأعمَى
عندما واجهَ العالَمَ الذى حُرِمَ منه،
وأخبرَ الجميعَ كيف أن يسوعَ المسيحَ
هو من شفاه،
لقد بدأ مسيرتَه فى النُّورِ
أيًا سيكونُ مسارُ حياتِه فيما بعد.
«معجزةٌ، معجزةٌ!» لكم تمنيتُ أن أصرخَ بشدةٍ
حين وجدتُ الحبَّ الذى حُرِمْتُه،
ثم رأيتُ حياتى تأخذُ المنعطفَ الذى ابتهلتُ من أجلِه
إلى الله،
بينما النُّورُ يبدأ مسيرتَه داخلى.
بيدَ أننى لم أستطع أن أخبرَ الجميعَ باسمِكَ،
أو أن أتغنَّى بك.
فالمجتمعُ لا يعترفُ بمثلِ تلك الوشائج.
سيبقى البشرُ دائمًا غيرَ جاهزِين لذلك.
وحدنا نحن، من سيُوفِى المحبَّةَ حقَّها.
فاللهُ يملأُ بحرًا
داخلَنا،
بينما نُلوّثه
نحن على الدوام.







