التجديد بالصدمة.. قراءة جديدة فى معارك يوسف إدريس الفكرية
«الفضائحى».
كان هذا هو الوصف الذى أطلقته على يوسف إدريس منذ سنوات بعيدة، وكان لدىّ مبررى، عندما قدمت عنه ملفًا كاملًا فى جريدة «صوت الأمة» منذ سنوات بعيدة.
حددت رؤيتى ليوسف من خلال صورة قلمية قصيرة قلت فيها:
من أسرة متواضعة من أسر محافظة الشرقية جاء يوسف إدريس إلى القاهرة، لم يكن شكله يوحى بأصله الريفى، فالعيون زرقاء، والشعر أصفر، أو يميل إلى الأصفر قليلًا، والملامح تكاد تخبر من يرى صاحبها بأنه مواطن هبط علينا من أوروبا، ولأن الملامح خادعة فقد كان يوسف كذلك.
فمظهره لم يمنعه من أن يجلس مع باعة الصحف فى المنيرة بجوار كلية طب قصر العينى التى كان يدرس بها، يلعب معهم الكوتشينة ويأكل إلى جوارهم ساندويتشات الفول والطعمية، ومظهره لم يمنعه أيضًا من أن يغيب عدة أيام عن زملاء دراسته، وبعد أن يعود يعرفون أنه كان فى عزبة باشا إقطاعى أو كان مصاحبًا لعمال تراحيل يعملون على أطراف القاهرة، حشر نفسه بينهم، ودخل معهم فى حوارات طويلة، ونام فى خيامهم، وعندما كانوا يجوعون مثلهم، حتى يشعر بهم ليس بالكلام فقط، ولكن بالإحساس أيضًا.
كان زملاؤه يغفرون له غيباته الطويلة، لأنه كان يعود إليهم كل مرة بطلقة من طلقاته القصيرة، قصة بها رائحة جديدة عليهم، حصل عليها من عرق البسطاء الذين عاش معهم وأصر على أن ينقل همومهم كما هى دون أن يضعها فى إطار ليجمّلها فتضيع تفاصيلها، ويصبح أبطاله غرباء لا نعرفهم.
جرّب بنفسك، افتح أى مجموعة قصصية ليوسف، ضع يدك على أى قصة من قصصه، ستجد نفسك حاضرًا فيها بشحمك ولحمك وضياعك وضعفك ومواطن عجزك، لن تستطيع أن تنكر نفسك، لأنك ستجدها رغمًا عنك.
لم يدخل يوسف إدريس كتاب الأدب العربى الكبير من باب الخدم، كما فعل ويفعل الكثيرون حتى الآن، لكنه دخل من الباب الملكى.
بعد أن جمع تفاصيل حياة أبطال مجموعته القصصية الأولى التى أطلق عليها «أرخص ليالى» تمسك بأن تكون كلمة «ليالى» بالياء، رغم أن صحتها «ليالٍ»، وبذلك كتب يوسف الرسالة الأولى حتى تصل للجميع، فهو كاتب متمرد ليس خاضعًا للقواعد، ولا للقوانين حتى ولو كانت راسخة ويقدم لها الناس القرابين، فقد شعر بطعم عنوانه كما كتبه «أرخص ليالى» ولم يشعر به عندما رآه مكتوبًا «أرخص ليالٍ»، فاختار ما أراحه، حتى لو كان يتعب الآخرين.
ما فعله يوسف فى مجموعته الأولى جرّبه مع كل أفكاره التى طرحها فى قصصه الاجتماعية والسياسية، فقد تمرد على الأفكار المعلبة جاهزة التحضير، ورغم أنه كان يحمل على كتفيه حكّاء عظيمًا، لكنه لم يتقمص يومًا قناع الأراجوز، كان بلا أقنعة، ظل مقتحمًا، يغرس أظافره فى جلد مجتمع لا يريد أن يفهم، يفضحه، ويضعه أمام نفسه فى المرآة، ويقول له فى تحدٍ: شاهد نفسك.. فأنت هذا الوقح الذى لا تريد أن تراه.

قد تكون لك ملاحظات على حياة يوسف إدريس الخاصة، على مواقفه السياسية والشخصية، لكن ما أنجزه يوسف عندى يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قد يكون تورط فى غرامه بالشهرة والنجومية، وقدّم من أجل ذلك الكثير، لكنه يبقى فى النهاية كاتبًا سفاحًا، يدخل معترك الكتابة بصدر مفتوح، يجرجرك من قفاك لتهتم بكل ما يكتبه، وتنصت له دون أن تمل أو تلتفت لشىء آخر.
كان صاخبًا فى طرح أفكاره كما كان صاخبًا فى قصصه القصيرة ورواياته
ما أستطيع أن أقوله، لا تحاول أن تقرأ يوسف إدريس ولديك أحكام مسبقة عنه أو عن كتاباته وأفكاره، فبعد أول قصة ستجده يسحقك وبعنف، يبدد أفكارك القديمة ويبعث فيك روحًا جديدة، وإذا حاولت أن تجادله فلن يرحمك، فلم يكن يوسف يرحم نفسه.. فهل سيرحمك أنت؟
استعدت ما كتبته عن يوسف إدريس وأنا أحاول الاشتباك هذه المرة مع أفكاره ومعاركه وليس قصصه، كنت أبحث لديه عن رؤيته للخطاب الدينى.. للدين نفسه، وكنت أعرف أنه كان صاخبًا فى طرح أفكاره، كما كان صاخبًا فى قصصه القصيرة ورواياته.
ويمكننا أن نضع أيدينا على ما لديه من خلال معركته الكبيرة التى خاضها ليكشف زيف ما كان يقدمه بعض علماء الدين.
قال عن الشعراوى: يتمتع بكل خصال راسبوتين المسلم من قدرة على إقناع الجماهير البسيطة
كان الشيخ الشعراوى هو الطرف الثانى للمعركة الطويلة التى خاضها يوسف، ويمكننا من خلالها أن نعرف ما الذى كان لديه فى مسألة الخطاب الدينى، فعلى هامش هذه المعركة تحدث كثيرًا عن رأيه ورؤيته للدين الذى هو عون للحياة وليس خصمًا منها.
بدأت المعركة فى مارس ١٩٨٣ عندما نشر توفيق الحكيم على مدى أربعة أسابيع مقالاته التى وضع لها عنوانًا فى البداية هو «حديث مع الله»، وعندما وجد معارضة شديدة لما كتب جعل العنوان «حديث إلى الله»، ورغم التغيير إلا أن عددًا كبيرًا من الشيوخ ورجال الدين اعتبروا ما فعله الحكيم تجاوزًا وخروجًا على تعاليم الدين الإسلامى وتعديًا على الذات الإلهية.

وبينما كان القراء يتابعون ما يكتبه توفيق الحكيم، وفى ١٧ مارس ١٩٨٣ نشر الشيخ الشعراوى بيانًا فى الصفحة الأولى بجريدة «اللواء الإسلامى»، وضع له عنوانًا واضحًا، وهو «ما يكتبه توفيق الحكيم ضلال وإضلال».
وجاء البيان نصًا: لقد شاء الله تعالى ألا يفارق هذا الكاتب الدنيا إلا بعد أن يكشف للناس ما يخفيه من أفكار وعقائد كان يتحدث بها همسًا ولا يجرؤ على نشرها، ولقد شاء الله ألا تنتهى حياته إلا بعد أن يضع كل خير عمله فى الدنيا، حتى يلقى الله، سبحانه وتعالى، بلا رصيد إيمانى، إننى أطالب كما يتم عقد ندوات فى التليفزيون لمناقشة الذين ينشرون أفكارًا خاطئة عن هذا الدين بأن تعقد ندوة ينقلها التليفزيون المصرى ويحضرها الناس، وأطلب أن يحضر هذه الندوة توفيق الحكيم ويوسف إدريس وزكى نجيب محمود، وأحضرها أنا وحدى لأكشف هؤلاء الناس للمسلمين فى العالم أجمع وأرد عليهم، ونترك الحكم لجموع المسلمين، كما أكشف وسائل الإعلام التى تقوم بنشر هذا الكلام لهم، وأتحدى أن تعقد مثل هذه الندوة، أنا مستعد لها فى هذه اللحظة، إذا كان هناك ما يسمونه فكرًا لهم، فكل كلامهم خارج هذا الدين وكله مردود عليه، وأنا أريد النقاش علنًا ليعرف كل إنسان قدره، ولا يصبح دين الله نهبًا مباحًا لكل من يريد أن يتعدى على مقدساته ويشوهه أمام الناس، إن ما يقوم به هؤلاء الثلاثة لا يمت إلى الحق بصلة، ولا إلى الفكر الإسلامى الصحيح، وما يكتبونه هو قضية تحمل الضلال والإضلال، وإذا كان لديهم ذرة حق فليأتوا ولنتناقش أمام الناس جميعًا، وإنى فى انتظارهم.
سأترك ما جرى بين الشيخ الشعراوى وتوفيق الحكيم وزكى نجيب محمود، فقد فصّلت ذلك فى كتابى «إمام وزعيم» ونتوقف قليلًا عند ما جرى مع يوسف إدريس.
ففى أحد الحوارات التى أجريت مع إدريس سألوه: الشيخ الشعراوى طلب أن تكون مناقشة الدين مقتصرة على العلماء المتخصصين، لأن الدين ليس بأقل من حِرفة السباكة، فما هو رأيكم؟
قال يوسف: ما معنى علماء المسلمين؟ أنا أفهم أن هناك فقهًا إسلاميًا، فيكون هناك علماء فقه إسلامى، إنما ليس هناك ما يسمى بعلماء المسلمين، ما معنى أن يحتكر عالم إسلامى مناقشة الدين، وهل من الممكن أن نترك الدنيا وننتظر حتى يجتمع علماء المسلمين ويتناقشوا ويقولوا الحقيقة؟، هذا غير معقول، كل مسلم منّا من حقه أن يعرف دينه، ويجتهد فى معرفته وأن له الحق فى مناقشة أكبر علماء المسلمين، هناك نوعان من المعرفة؛ المعرفة العقلية والمعرفة الحدسية، وأحيانًا تكون الحدسية أقوى، وهنا أقول إن من حق أى شخص أن يناقش أى عالم من علماء المسلمين فى الدين، ولكن أن يحتكر هو أو من أسماهم بعلماء المسلمين ذلك، فهذا هو الكهنوت، ونكون قد وصلنا إلى «الكردينالية».
سألوه: كون أن المفكر يناقش فى الدين شىء، وأن ينشر ما يفكر فيه على الناس شىء آخر؟
قال: هذه واقعة خاصة بالأستاذ توفيق الحكيم فقط، وأنا أرى أن الشيخ الشعراوى كان عليه أن يرسل له رسالة يصحح له هذا الخطأ الذى يراه، ولو كان هذا قد حدث لكان الأستاذ الحكيم قد قام بنشر الرسالة، وربما أحس بالخطأ، ولكن أن أقوم بتكفيره هكذا، أمر غريب حقًا.

سألوه: وفى أى شكل ترى دور الشيخ الشعراوى؟
قال: أراه سياسيًا، لأن العالم الإسلامى لا بد له أن يكون له دوره السياسى، فكل رجال الدين كانوا من أصحاب المواقف السياسية وكانوا كلهم مع الشعب ضد الطغيان، وكان دورهم ليس الارتكان بظهورهم إلى الحكام والحكومات والحكم على الناس بالإعدام، ولكنهم مع الشعب فى الحارة والمسجد والسوق وفى كل مكان، معه فى قضاياه وضد أعدائه ولو كانوا من السلاطين، والمشكلة أن الشيخ الشعراوى لم تكن له آراء، لا فى الموقف السياسى الداخلى أو الخارجى، لا نعرف موقفه من مشكلة الإسكان أو كامب ديفيد أو إسرائيل، مع أن العالم الدينى وظيفته أن يقود الشعب، ربما أن السادات وجد له شعبية، فقال ندخله الوزارة، وهو قَبِل رغم ما كان يسمعه عن عصمت السادات وقضايا الفساد، وكان يمكنه كوزير أن يصحح كثيرًا، فالوزارة ليست عمل سكرتارى، ولكنه عمل سياسى فى حل مشاكل الناس، لكن الوزارة فى مصر فقدت معناها، فالآن أصبحت وظيفة، المفروض أن الشيخ الشعراوى يمثل رأى الإسلام الحقيقى، ويبديه للحاكم، فهل فعل هذا؟... أبدًا لم يحدث.
لم يصمت يوسف إدريس فى مواجهة بيان الشيخ الشعراوى، كتب مقالًا واضحًا وصريحًا وضع له عنوانًا هو «عفوًا يا مولانا»، عاب عليه فيه سلوكه مع توفيق الحكيم الذى وصل إلى درجة التكفير، وأخذ عليه أنه يتهم الثلاثة بالإضلال والتضليل.
يقول يوسف إدريس فى مقاله: أنا هنا لا أرد على فضيلته فيما يخصنى، فأنا لا أعرف بالضبط ماذا يأخذه الشيخ الشعراوى على شخصى الضعيف أو كتاباتى، فكتاباتى ليست سرًا، إنها كلها منشورة ومعلومة، وبكل كلمة أكتبها إنما أضع نفسى أمام محاكمة ليس قاضيها الشيخ وحده، ولكن قضاتها آلاف من المثقفين والعلماء والدعاة والقراء فى كل أنحاء وطننا العربى والإسلامى، والحمد لله أن هذه المحكمة البالغة الوعى والحس والذكاء والرهافة لم توقفنى موقف متهم، وإلى الآن على الأقل لم تضبطنى متلبسًا بأى جنحة فكرية، فما بالك بالجنايات، إذ لا بد أن يكون الأمر جناية حتى يحكم علينا فضيلته بأننا نحن الثلاثة مضللون، ويحكم بما هو أفدح... الارتداد... يا ألطاف الله... الارتداد.

ويقترب يوسف إدريس أكثر مما يعتبره خطأ الشيخ الشعراوى فى حق المفكرين الثلاثة.
يقول: هكذا مرة واحدة أيها العالم الجليل الذى تعرف عقوبة الارتداد، وهو تعليقنا من رقابنا نحن الثلاثة فى ميدان التحرير بعد أربعة أيام من حكمك نعطى فيه مهلة للتوبة، فإذا لم نفعل نفذ الحكم، ألا يمكن أن أستحلفك بالحق، سبحانه، وهى الصفة التى نسوقها دائمًا لوصف الله، عز وجل، أيرتضى ضميرك حكمك وأنت قيد منزلك، لم تحاكم أيًا منا ولم تسأله ولم تعطه فرصة واحدة للدفاع عن نفسه أو حتى التوبة إذا ثبت له أنه أخطأ أو ضل؟، أيرتضى ضميرك أن تصدر حكمًا بالإعدام غيابيًا على أناس لم تخطرهم مجرد إخطار بالمثول بين يديك أو حتى تسألهم ذلك السؤال التقليدى فى أى محاكمة... هل أنت مذنب؟ وهو سؤال إجبارى فى أى محكمة، بحيث إذا لم يسأله القاضى بعد توجيه الاتهام اعتبرت المحاكمة لاغية واعتبر أى حكم يصدر فيها لاغيًا أيضًا.
ويواصل يوسف إدريس: وإذا كان ضميرك يا فضيلة الداعى الإسلامى الكبير قد سمح لك بهذا، فهل تسمح لى أن أسألك كعالم وداعٍ كبير: هل الحكم بالارتداد عن ديننا الحنيف مسألة من الممكن أن يصدرها أى مسلم على أى مسلم آخر هكذا، بحيث يصبح أى أمير فى جماعة إسلامية له الحق أيضًا فى إصدار نفس الحكم وبنفس الطريقة ودون محاكمة أو سؤال على أى مسلم آخر، ولو كان هذا المسلم عالمًا مثل فضيلة الشيخ المرحوم الذهبى؟
ويضع إدريس الشيخ الشعراوى فى خانة اليك.
يقول له: إنى أسألك يا فضيلة الشيخ لا لشىء إلا لأن حكاية الاتهام بالكفر أو الارتداد أصبحت «الموضة» الشائعة فى عصر التكفير الذى نعيش فيه هذه الأيام، وأصبح أبسط وأول رد يعنّ لمتعصب أو متعاصب أو جاهل أن يرد به على أى مثير لقضية أو أى مناقش لأمر من أمور حياتنا أن يرد عليه بقوله أنت مرتد، أنت كافر والعياذ بالله، وهذه فوق أنها إغلاق ليس لباب الاجتهاد ولكن لباب التفكير نفسه، أى نوع من التفكير، فوق أنها كذلك ولأنها شاعت تمامًا وأصبحت سلاح إرهاب بشعًا فى يد من يريدون إغلاق عقل وقلب هذه الأمة، ليمكنوا أعداءها منها فى النهاية، فوق أنها كذلك، فموقف كثير من علماء المسلمين منها وأنت على رأسهم أصبح واجبًا مُلحًا.

تراجع الشيخ الشعراوى قليلًا، ورغم اتهامه الواضح للمفكرين الثلاثة، وعاد وأنكر ما قاله، فى حديثه مع أبوالحجاج حافظ، المنشور فى جريدة «الجمهورية» فى ٧ أبريل ١٩٨٣.
يقول: إن الشىء الذى أحب أن أحدده ولا أدرى كيف غاب عمن يتصيد ما يأخذه على شخصى أننى لم أرمِ أحدًا بالضلال والإضلال، ولا بالارتداد ولا بالكفر، ولهذا لا أدرى ما الذى يجعلهم يجذبون هذه الألفاظ إلى جهتهم، إن الشىء الذى قلته فيما قاله توفيق الحكيم منسوبًا إلى الله إن الله قال، ما يقوله توفيق الحكيم ضلال وإضلال، وبالرجوع إلى العبارة يفهم أن القول فى ذاته هو الموصوف، وكان من الممكن للقائل أن يعتذر عنه بأن العبارة لم تسعفه أو أن الفهم قد أخطأه وهو مسلم، وبذلك يكون القول ضلالًا فى ذاته.
ويوجه الشيخ الشعراوى كلامه إلى يوسف إدريس: لقد أدخلت نفسك فى جناية لم يدخلك فيها أحد، فنحن لم نكن نريد أن نتجاوز الحوار الذى نشأ بصدد مخالفة أو جنحة أو جناية، وأدخلت نفسك أنت فى الحكم بالضلال والإضلال والارتداد، وأنا لم أقل ذلك، إن كل كلامك دوران فى فلك لا وجود له، وإن دل على شىء فإنه يدل على نقل الحوار من موضوعه إلى موضوع، وفى ذلك ما فيه، واطمئن من هذه الهوة التى تريد أن تحفرها بدبوسك، فالكل يعلم أننى لست أميرًا لتشكيل ولا رئيسًا لجماعة، وإنما أنا رجل عام أقولها جهارًا نهارًا، فأرِح نفسك من هذه الناحية يا يوسف، ولا تحرّض بى أحدًا فهم أعلم بأمور الأمن النفسى منك، وليسوا من الغفلة بحيث تنبههم إلى هذا الحكم.
لم ينسَ يوسف إدريس تعدى الشيخ الشعراوى عليه، وعاد ليفتح معه معركة من نوع خاص.
كتابه «فقر الفكر وفكر الفقر» كان ردًا على هذه الدعاوى الارتدادية السلفية
فى الفصل الثامن عشر من كتابه «فقر الفكر وفكر الفقر»، الذى صدر فى العام ١٩٨٥، تحدث يوسف إدريس عن العروبة ضد العرب والإسلام ضد المسلمين، ومن بين ما قاله فى هذا الفصل: «كان طبيعيًا جدًا أن ينشأ نابغة اسمه محمد متولى الشعراوى، يتمتع بكل خصال راسبوتين المسلم من قدرة على إقناع الجماهير البسيطة وقدرة على التمثيل والحديث بالذراعين وتعبيرات الوجه، والقدرة على فتح جيب كبير مفتوح دائمًا للأموال، باختصار قدرات أى ممثل نصف موهوب».

أخرج المتربصون بيوسف إدريس هذه الفقرة من بين فقرات كتابه وأقاموا له مذبحة.
وبدأت الجرائد تتسابق فى استطلاع آراء شيوخ ومفكرين فيما قاله، وكان أخطر ما نشر تحقيقًا أجراه الكاتب الصحفى محمد عبدالقدوس، ونشرته جريدة «أخبار اليوم» فى ١ فبراير ١٩٦٨، تحدث فيه الدكتور أحمد هيكل، وزير الثقافة وقتها، وكان أكثر المهاجمين لإدريس عنفًا.
قال هيكل: هذا كلام ساقط يتعارض مع القيم الدينية والأخلاقية والوطنية، فالشيخ الشعراوى مفخرة لمصر، فحرام أن يأتى كاتب مصرى ليحاول النيل منه بهذه الطريقة وتلك السخرية.
وجد يوسف إدريس نفسه فى ورطة، فرغم أنه قال ما قاله فى الشيخ الشعراوى بالفعل، إلا أنه حاول الهروب من تهمة الهجوم على الشيخ.
تحت عنوان «توضيح عاجل واعتذار» كتب يوسف إدريس فى ٣ فبراير ١٩٨٦: حمل محرر- يقصد محمد عبدالقدوس- كنت أعتبره زميلًا فاضلًا وابن زميل فاضل يعمل فى صحيفة أسبوعية، أمس الأول، رأيًا هو بالتأكيد خطأ فنى سقط إصلاحه سهوًا، وبحسن نية من أحد كتبى، حمل هذا الرأى إلى المثقفين باعتباره قذفًا فى حق فضيلة الشيخ الشعراوى، وكنت قد صححت الجملة، ولكن التصحيح لم ينفذ فى بروفات كتاب «فقر الفكر وفكر الفقر»، مما جعل الفقرة تبدو هجومًا غير معقول أن يصدر منى، حين راح يستثير الناس ضدى بطريقة ظالمة وتجاه فضيلة الشيخ متولى الشعراوى، الذى أكن له، رغم الفوارق الفكرية، أعمق آيات الود والتقدير والحب والاحترام، فأنا وحتى وأنا فى قمة الاختلاف معه اتهمنا أنا والأستاذين الجليلين توفيق الحكيم وزكى نجيب محمود بالكفر، رددت عليه ردًا كان عنوانه «عفوًا يا مولانا».. وإذا أردتم أيها الخبثاء الوقيعة فموتوا بغيظكم، فالشيخ الجليل ومعه مريدوه أرفع من أن ينزلقوا إلى أهدافكم الوضيعة.
وفى ٨ فبراير ١٩٨٦ عاد يوسف إدريس على صفحات جريدة «أخبار اليوم» التى نشرت تحقيق محمد عبدالقدوس ليؤكد موقفه، وقال هذه المرة: رجعت فعلًا إلى كتابى «فقر الفكر وفكر الفقر»، وحقيقة الأمر أنه حدث سهو مطبعى، فقد كنت أتحدث فى الفقرة عن بعض مدّعى الغيرة على الإسلام الذين ينفذون بوعى أو بلا وعى خطة استعمارية رهيبة هدفها القضاء على الفكر العربى والعقل العربى بإفقار ذلك الفكر وإفقار ذلك العقل، ولا أدرى أثناء جمع الكتاب وتصحيحه كيف أقحم اسم فضيلة الشيخ الإمام الشعراوى فى الفقرة، فبدت كما لو كان هو المقصود بها، ولسوء الحظ أنا لا أتولى تصحيح كتبى أو مراجعتها، وأنا أصر عند التعاقد مع ناشرى كتبى على أن يتكفلوا هم بعملية التصحيح والمراجعة.
يوسف إدريس كان يواجه سلطة الشيخ الشعراوى المعنوية التى تعاظمت
ولتأكيد يوسف على موقفه، يضيف: الكتاب عبارة عن مقالات نشرتها فى الأهرام وفى بعض المجلات الأخرى، ولو كان المقال المذكور نشر بتلك الصورة لقامت الدنيا ساعتها وقعدت، وأنا أتحدى أى إنسان أن يبرز مقالة واحدة نشرت فى مصر أو غيرها وفيها مساس بفضيلة الشيخ الشعراوى، فما بالك بتجريحه، ففى الأحاديث الكثيرة التى يؤخذ رأيى فيها فى فضيلة الشيخ، أذكر أنه أهم ظاهرة دينية إسلامية ظهرت منذ أيام الأئمة الأربعة الكبار أبوحنيفة والشافعى ومالك ابن حنبل، رضى الله عنهم جميعًا.

قد تلمح فى كلام يوسف إدريس بعض التناقض، كما قد تراه مهتزًا بعض الشىء، وأرى أن هذا طبيعيًا، فقد كان يواجه سلطة الشيخ الشعراوى المعنوية التى تعاظمت، وهى السلطة التى جعلت من الهجوم عليه أو انتقاده جرمًا عظيمًا، وأعتقد أن هذه السلطة لا تزال باقية حتى اليوم، ولم يكن أمام يوسف إدريس إلا أن يفعل ما فعله حتى ينجو بنفسه.
قد تعتبر أن ما فعله يوسف إدريس جبنًا وخنوعًا وهروبًا من أرض المعركة.
لكننى أصدقه فيما قاله من أنه لم ينشر المقال فى الصحف وبها ذكر للشيخ الشعراوى، لكنه عندما أعاد نشر المقال نفسه فى كتاب، ذكره صراحة، وقد يكون اعتقد أن انتشار الكتاب محدود ولن يكون فى انتشار الصحف، وأنه سيظل فى دائرة ضيقة ستقدر ما يقوله، ولم يكن منتبهًا إلى أن هناك متربصًا اسمه محمد عبدالقدوس سيخرج بهذه الفقرة من ضيق نخبة الكتب إلى رحابة انتشار الصحف.
بعد شهور من هذه المعركة عاد يوسف إدريس إليها فى كتابه «إسلام بلا ضفاف»، وتحت عنوان «إسلام نعم.. ولكن» حكى ما جرى، ووضع رؤيته التى يمكن أن نعتبرها كاملة لتجديد الإسلام بالمعنى الواسع.
دخل يوسف إلى الموضوع مدخلًا دراميًا، بوصف حاله فى العيد، فقد دخل شقته فى الإسكندرية فوجدها فى حالة يرثى لها بعد عام كامل لم يزرها.
يقول: لن أستطيع أن أحدثكم عن الجهود المضنية للعثور على من ينظفون الشقة أو يصلحون ما أفسده الشتاء من المواسير والحنفيات، فأنا أريد الدخول فى الموضوع مباشرة، والموضوع كان هو الشاب السباك الذى عثرنا عليه أخيرًا لإصلاح ما تلف، كان شابًا هادئًا ليست عليه سيماء «الأسطوات» القدامى، كان أسطى بلديًا، انهمك فى العمل فورًا، ولاحظت أنه ما إن يبدأ حركة من حركات العمل إلا ويسمى ويتبرك، ولم أكن فى حاجة إلى ذكاء كثير لأدرك أنه إما من الجماعات الإسلامية التى تحفل بها مدينة الإسكندرية بالذات، وإما من الإخوان المسلمين.
فجأة سأل السباك يوسف: يا أستاذ.. ماذا كنت تقصد بكتابك «فقر الفكر وفكر الفقر»؟
نزل السؤال على يوسف كالصاعقة.
يقول: الحقيقة أنه أخذنى على غرة، فلم أكن أعتقد أنه قد عرفنى من أول وهلة، وحتى لو كان- شكرًا للتليفزيون- قد عرف شكلى فلم أكن أعتقد أن صنايعيًا مثله قد سمع عن كتابى «فقر الفكر وفكر الفقر»، ربما قد عرف بعض قراء الرأى العام بالضجة التى حدثت حول الكتاب حين نشر صحفى من صحفيى الجماعات الإسلامية خبرًا فى جريدة الأخبار حول جملة وصف بها فضيلة الشيخ محمد متولى الشعراوى باعتباره أنه يلجأ إلى المبالغة والتمثيل فى أدائه لدروس وعظه، وأنه «ينوم» مستمعيه ومشاهديه بطريقة راسبوتينية.

يشرح يوسف ما جرى، يقول: عدت إلى الكتاب فوجدت هذه العبارات مذكورة فعلًا ومنسوبة إلى الشيخ متولى الشعراوى، وحين عدت إلى أصول المقالة المذكورة، والكتاب كان مجموعة مقالات نشرت بالأهرام كلها، لم أجد فيها تلك العبارات، إذن هو خطأ أو عبث مطبعى لا حيلة لى فيه، والكتاب قد أصبح فى السوق وبين أيدى القراء، ونشرت اعتذارًا عن هذا الخطأ المطبعى، إذ إن الكاتب مسئول عن كل كلمة فى كتابه حتى لو كان الخطأ فى إيرادها ليس خطأه، وحاول نفر كثير من المهيجين باسم الدين النفخ فى النار وإثارة الرأى العام فى مصر وكل بلاد المسلمين ضدى، وكانت مشكلة كبرى.
ويوضح يوسف ما أراده من مقاله يقول: المقال فى الحقيقة، وإن كان موجهًا إليه، إلا أنه كان يرد فكريًا على فضيلة الشيخ، وكان الرد مؤدبًا تمامًا، ومشبعًا بروح الاحترام والتبجيل رغم أنه كان ردًا على فضيلة الشيخ لاتهامنا أنا والأستاذين الكبيرين توفيق الحكيم وزكى نجيب محمود بالكفر والإضلال والتضليل، هكذا ببساطة شديدة أدخلنا فضيلة الشيخ جهنم الكبرى وأحل سفك دمائنا، والسبب -كما رأى فضيلته- هو أننا ندعو لإعمال الفكر للارتقاء بالأمة الإسلامية، والتسليم بأن الله، سبحانه وتعالى، منحنا تلك العقول الباهرة لنستخدمها فى تعليم أنفسنا وتحصيل أكبر قدر من العلوم والمعارف غربية وشرقية وجنوبية وشمالية، واستخدام حصيلة هذا كله فى خلق تفكير إسلامى نشط، يعيد العقل الإسلامى لمكانته ونقف به نتحدى الغزو الغربى الثقافى والتكنولوجى والعسكرى والاقتصادى والسياسى.
ويضيف يوسف: كان كل ما ذكرته حول طريقة فضيلة الشيخ متولى الشعراوى فى إعادة شرح القرآن الكريم من وجهة نظره أنه يشرحه كعالم لغة يركز على الجمل والتقديمات والتأخيرات والإعجاز البلاغى فى القرآن الكريم، وهذا فى حد ذاته شىء جميل ورائع، ولكن أن يقتصر إعجاز القرآن وعظمة الإسلام على معجزة اللغة القرآنية ليس هو كل الإسلام، كما أراه ونراه ويراه صاحب كل رأى وبصيرة، فالإسلام رسالة سماوية شاملة، هبط بها الوحى على نبينا لينشر به دعوة إسلامية كبرى تنقذ العرب والبشرية جمعاء من أوضاع وثنية مزرية، وتحارب الكفار، وتنشئ إنسانًا مسلمًا صالحًا عطوفًا رصينًا صادقًا شجاعًا نبيلًا، بارًا بالناس، داعيًا إلى الحكمة، مرتقيًا بجيرانه وعشيرته، خادمًا لمصالحهم، راعيًا لشئونهم، ومضحيًا فى سبيلهم، ومسئولًا عنهم، وقبل هذا كله، إنسانًا مؤمنًا بإله واحد أحد، لا شريك له، الخلاق العظيم الرحمن الرحيم.
ويضعنا يوسف فى قلب ما يريده، فالمقال كان وجهة نظره ووجهة نظر كثيرين فى أن الإسلام الحنيف ليس دين طقوس، وإن كانت الطقوس هى مكوناته الخارجية، إنما رسالته الحقيقية رسالة روحية عظمى هدفها بعث المسلم بعثًا جديدًا والانتقال بالجماعة الإسلامية من الجاهلية إلى عصور النور والإيمان والعلم والتحضر.
ولكن ما جرى أن بعض المتطرفين ممن يعتنقون التطرف فى الدعوة الإسلامية عن مرض وليس صحة أبدًا، تربصوا بالمقال وأشعلوا من حوله معركة.
هاجم يوسف هؤلاء المتطرفين مدافعًا عن الإسلام، فهم كما يقول: يخلعون عن الإسلام كل مكوناته العظمى، ويركزون جهودهم على كيف يرتدى المسلم ثيابه، وكيف أن كل شىء فى المرأة خطيئة، حتى ليبشروا بأن ترتدى النقاب من قمة الرأس إلى أخمص القدم، بل حتى وراء فتحات العيون ترتدى نظارة سوداء، حتى لو كانت طبية، وقفازات سوداء أيضًا، وكأن الإسلام جاء ليئد المرأة فى ثيابها حية بعدما كانوا يئدونها فى الجاهلية ميتة.

ويصف يوسف سلوك هؤلاء بأنه انحراف خطير فى الدعوة الإسلامية، يقول: هذا ليس انحرافًا فقط، بل إنى لأعتبره خيانة لديننا الحنيف، فإذا لخصنا الإسلام فى تلك الشكليات، ودعونا إلى نبذ العلم وإعمال العقل والعودة إلى الحياة كما كانت عند نزول القرآن، فتلك دعوة لكى ينتصر علينا أعداؤنا ويسحقونا سحقًا، ما دمنا قد نزعنا عن أنفسنا كل أسلحة العصر، واستسلمنا للبدائية والسطحية بينما هم ماضون فى تقدمهم وانتصاراتهم بالتالى علينا، عسكريًا وعلميًا وثقافيًا وحتى تحضرًا.
ويعتبر يوسف بذلك أن كتابه «فقر الفكر وفكر الفقر» كان ردًا على هذه الدعاوى الارتدادية السلفية، المطالبة بإلغاء العقل والفكر والعودة إلى البداوة الأولى باعتبار أن هذا هو ما يريده الإسلام، وما أراده الله سبحانه وتعالى فى تنزيل رسالته على نبينا الكريم.
ويعود يوسف مرة أخرى إلى السباك الذى سأله عن كتابه، فلم تكن تلك هى المرة الأولى التى يدور فيها هذا النقاش.
يقول: الحقيقة أننى حتى وأنا أعتمر وأطوف بالكعبة وأزور قبر الرسول، كنت ما أكاد ألتقى بأحد المصريين العاملين فى السعودية حتى يبادر بسؤالى: هل صحيح أنك قلت عن الشيخ الشعراوى إنه راسبوتين؟ وهكذا تحولت القضية الأساسية إلى مشكلة فرعية لا أساس لها ولا معنى، فأنا كنت أحاول فى تلك السلسلة من المقالات أن أذود عن العقل المسلم العدوان الغاشم الذى يبشر به بعض المتطرفين من إلغاء لذلك العقل.
ويرصد يوسف إدريس ما دعاه إلى هذا الحديث، فقد وجد موجة حادة لافحة من التعصب والتطرف الإسلامى الذى يدعو لمحاربة حتى أقباط مصر ووصفهم بأنهم كفرة.
يقول: بدأنا نلحظ فى مصر وكأنه نوع من إسلام جديد ينشأ، إسلام لم نعرفه أو نعهده من قبل، حملة ضارية من الدعاة تستولى على عقول الشباب وتجرهم وراءها إلى فهم هو أضيق أنواع الفهم للرسالة المحمدية الكبرى، حتى تنشأ فى مصر الفتنة الجهنمية: فإما أن تتحول إلى إيران أخرى تحارب جاراتها العربيات المسلمات، وإما أن تتحول إلى لبنان أخرى يتناحر فيها المسلمون والأقباط فى حرب أهلية ضروس.
ويفجر إدريس القنبلة فى وجه الجميع، عندما يقول: كانت هذه هى الخطة الموضوعة لمصر، قهرها بإسلام مستورد لا علاقة بينه وبين ما درج عليه المسلمون فى مصر من عبادات ومذاهب، فقد اختارت مصر الإسلامية المذهب الشافعى- أكثر المذاهب اعتدالًا بين المذاهب الأربعة وأكثرها وسطية- باعتباره يناسب طبيعة المسلم المصرى وحقيقته، ولكن هذا الإسلام المستورد الجديد قائم على التعصب الكامل ضد المسيحيين من ناحية، ومن ناحية أخرى ضد كل ما له علاقة بالعمل أو المنطق أو العلم أو التقدم، واستشرى هذا النوع المتطرف استشراء النار فى الهشيم فى بلد حدث فيه فراغ فكرى وعقائدى هائل.
فى ٤ يونيو ١٩٨٩ تحدث يوسف إدريس عن معركته مع الشيخ الشعراوى فى حواره مع محمود فوزى، الذى كان يرصد معه معاركه الأدبية والسياسية والفكرية.
يقول يوسف إدريس: ما حدث مع الشيخ الشعراوى لم يكن معركة، ولكن مواقف الشيخ الشعراوى العلمية والسياسية خاطئة جدًا، وقد نبهت إلى هذا منذ وقت مبكر، طالبًا منه أن يقصر عمله على شرح القرآن الكريم وعدم التدخل فى قضايا علمية خاطئة، فهو مثلًا قال حديث الذبابة بحيث إنك تضع الذباب فى كوب اللبن فيتطهر، وهذا حديث غير علمى، ولم يرد له ذكر فى الأحاديث الصحيحة المسندة، وتستطيع أن تسأل فضيلة المفتى وفضيلة الشيخ جاد الحق على جاد الحق، سوف يقولان لك ذلك، ثم بدأتُ أناقش الشيخ الشعراوى، لم أناقشه كرجل دين، ولكن كداعية إسلامى يدعو إلى الإسلام، فالحقيقة عندما نطبق أقواله على العلم والفن يتضح أنه مخطئ.
سأله محمود فوزى: هل تمانع أن تكون هناك مناظرة تليفزيونية بينك وبين الشيخ الشعراوى على الشاشة الصغيرة قريبًا؟

أجاب يوسف: لا أعرف من اقترح ذلك، ولكن أنا شخصيًا يسعدنى أن تكون بينى وبين الشيخ الشعراوى فى أى لحظة، أناقشه ليس بالدين، فلست رجل دين، ولكن أناقشه فيما قاله من حقائق علمية وهى ليست علمية، وحقائق عن الفن وهى ليست علمية أيضًا، والحقيقة أن الشيخ الشعراوى شخصية عامة تتصدى للقضايا العامة، وهو يقدم أحاديثه بطريقة تمثيلية، فهو يضيف إلى أحاديثه فن التمثيل والأداء، وهذه الأحاديث نفسها تختلف عن قراءتها، فلا شك أن الأداء يضيف إليها، وهذا هو رأيى الشخصى وليس فيه أى تطرف أو تجنٍ على الشيخ الشعراوى لأنه عرض نفسه لأن يكون رجلًا عامًا، فهو بالتالى لا بد أن يتحمل النقد، فأنا مثلما أنقد رئيس الوزراء أنقد الشيخ الشعراوى.
تراجع عن مهاجمة الشعراوى وقال: أتفق معه فى معظم ما يقوله ولكننى أختلف معه حين يختلف هو مع العلم
وفى فبراير ١٩٩٠، وقبل شهور من وفاة يوسف إدريس، عاد مرة أخرى إلى الشيخ الشعراوى من خلال حوار أجرته معه منى عبدالعظيم جمعة، ونشرته فى مجلة «أكتوبر».
سألته «منى»: ترى الأغلبية أن فضيلة الشيخ محمد متولى الشعراوى استطاع أن يشد آذانًا طال إعراضها للاستماع إلى أحاديثه، وكان رأيك الذى أعلنته أن الشعراوى يمثل ظاهرة راسبوتينية على سامعيه.. هل ما زلت عند رأيك؟
وقال يوسف: لا.. حكاية الراسبوتينية هذه لم ترد على لسانى أنا، يمكن نقلت من إحدى الجرائد أو حاجة زى كده، وأنا رأيى أن الشيخ الشعراوى موهبة كبيرة جدًا، وأنا أتفق معه فى معظم ما يقوله، ولكننى أختلف معه حين يختلف هو مع العلم ومع حقائق الحياة.
قالت له «منى»: دعاك الشيخ الشعراوى إلى مناظرة تليفزيونية للنقاش فى أمور أثارت الخلاف بينكما.. لماذا رفضت الدعوة؟
رد إدريس: لم يدعُنى فضيلته أبدًا ولا التليفزيون، ولا حد دعانى إطلاقًا.
عادت «منى» لتقول له: علمت أنه قد وجّه لك وللكاتب الكبير زكى نجيب محمود.

قال يوسف بحسم: لم يحدث إطلاقًا، أنا الذى دعوته هو والدكتور زكى نجيب محمود لندوة ومحصلتش.
سألته «منى»: ومن الذى رفض الدعوة؟
قال: ما حصلتش الندوة، لا التليفزيون قِبل ولا هم قِبلوا.
عادت «منى» لتقول: الذى رفض الدعوة هو التليفزيون وفضيلة الشيخ والدكتور زكى نجيب محمود.
فقال يوسف: أنا صاحب الدعوة لأننى كنت أقدم فى التليفزيون برنامجًا اسمه «ندوة الإثنين» وأردت أن أستضيفهم وأناقشهم ولكن التليفزيون رفض، وأنا ما زلت على استعداد لتلبية الدعوة فى أى وقت.
من كلام يوسف إدريس فى هذين الحوارين نجد تشويشًا من نوع ما، فى مسألة المناظرة بينه وبين الشيخ الشعراوى، فقد دعاه فى بيانه الذى أصدره فى العام ١٩٨٣ للمناظرة مع توفيق الحكيم وزكى نجيب محمود، لكنه يبدو أن الأديب الكبير نسى أو تناسى الأمر، فظل يردد أنه كان صاحب الدعوة للمناظرة.
ليس هذا مهمًا الآن، فالمناظرة- بصرف النظر عمّن دعا إليها- لم تحدث من الأساس، المهم بالنسبة لنا أن هذه المعركة كانت فرصة ليوسف إدريس ليتحدث، ونعرف من حديثه بعض أفكاره فيما يتعلق بالإسلام الذى يريده.. وهذا يكفينا.







