المحرر العام
محمد الباز

إمبراطورية الضحك.. «بابا عبده» يروى حكاية صعود وانهيار مسرح التليفزيون

عبد المنعم مدبولى
عبد المنعم مدبولى

لم يكن مسرح التليفزيون فى مصر مجرد تجربة فنية عابرة فى ستينيات القرن العشرين، بل كان مشروعًا ثقافيًا متكاملًا، ولد فى لحظة تاريخية كانت الدولة فيها تعيد تشكيل وعيها الجمعى عبر أدوات جديدة، على رأسها الشاشة الصغيرة.

وفى قلب هذا المشروع، وقف عبدالمنعم مدبولى شاهدًا وصانعًا، يروى من داخل الخشبة تفاصيل صعود تجربة مسرحية غيرت شكل الكوميديا المصرية، ثم شهدت لاحقًا انهيارًا تدريجيًا تحت وطأة الإدارة واللجان.

فى مطلع عام 1962، كان التليفزيون المصرى لا يزال فى سنواته الأولى، يبحث عن محتوى يملأ ساعات الإرسال، لم تكن هناك صناعة درامية مستقرة، ولا منظومة إنتاج قادرة على تغطية هذا الاحتياج المتزايد.

من هنا، جاء القرار بإنشاء فرق مسرحية تابعة للتليفزيون، بإشراف الدولة، وبدعم من وزير الثقافة والإرشاد القومى آنذاك، عبدالقادر حاتم، الذى أدرك مبكرًا أن المسرح يمكن أن يكون وسيلة فعالة للوصول إلى جمهور واسع فى القاهرة والأقاليم.

أُسندت مهمة التنظيم إلى السيد بدير، وبدأت لجان الاختيار فى البحث عن مواهب جديدة من المعاهد والجامعات، إلى جانب ضم عناصر ذات خبرة مسرحية.

يروى عبدالمنعم مدبولى، فى مذكراته التى تحمل عنوان «مذكرات عبدالمنعم مدبولى»، وحررها الدكتور محمد سعيد محفوظ، وراجعها علميًا الدكتور سيد على إسماعيل، تفاصيل هذه المرحلة لا بوصفه شاهدًا فقط، بل بوصفه أحد أهم صانعيها، مخرجًا وممثلًا ومقتبسًا وملقنًا أحيانًا، ورجلًا عاش داخل التفاصيل الدقيقة التى صنعت تلك التجربة ثم أسهمت فى انهيارها. 

يقول «مدبولى»: «كنا بنبدأ من الصفر تقريبًا.. مفيش نظام واضح، لكن كان فيه حماس كبير.. إحساس إننا بنعمل حاجة جديدة للدولة والجمهور فى نفس الوقت».

بدأت لجان اختيار الممثلين، وظهرت أسماء شابة من المعاهد والجامعات، إلى جانب فنانين لديهم خبرة مسرحية مسبقة، ومن هنا تشكلت نواة مسرح التليفزيون.

مع منتصف ١٩٦٢، بدأ المسرح الكوميدى التابع للتليفزيون فى إنتاج أول عروضه، وكان الهدف واضحًا: تقديم كوميديا سريعة ذكية وقادرة على الوصول إلى الجمهور العام.

فى هذه المرحلة، تداخلت أدوار كثيرة داخل المنظومة، عبدالمنعم مدبولى لم يكن مجرد ممثل، بل كان يقتبس ويخرج ويعيد صياغة النصوص أحيانًا.

يصف تلك الفترة قائلًا: «كنت بشتغل على كذا مستوى فى نفس الوقت.. أقرأ النص، أعدله، أوزعه، وأخرج العرض.. مكنش فيه فصل بين الأدوار».

شهد عام ١٩٦٤ طفرة حقيقية فى الإنتاج المسرحى الكوميدى. ومن بين الأعمال التى خرجت للنور مسرحية بوليسية كوميدية بعنوان «بص شوف مين»، شارك «مدبولى» فى إعدادها وإخراجها مع سمير خفاجى. وشارك فى العرض مجموعة من الفنانين الشباب، منهم سمير صبرى وخيرية أحمد وحسن مصطفى، وعُرضت المسرحية على مسرح «الهوسابير».

لكن رغم النجاح، كانت هناك مأساة خفية: تسجيل المسرحية مُسح لاحقًا.

يقول «مدبولى» بأسى واضح: «أكتر حاجة بتوجع الفنان مش الفشل.. لكن الضياع.. إن الشغل يختفى كأنه ما كانش موجود».

فى العام نفسه، جاءت مسرحية «الزوج العاشر»، التى مثلت نموذجًا واضحًا للكوميديا الاجتماعية التى تعتمد على الموقف. جسد «مدبولى» دور ساعى فى مصنع ملابس. وشارك فى العمل أبوبكر عزت وعقيلة راتب ونجوى فؤاد والسيد بدير، لكن أكثر ما بقى فى ذاكرته لم يكن النجاح الجماهيرى، بل حادثة المسدس.

أثناء العرض، أطلق السيد بدير «طلقة صوتية» أصابت قدم «مدبولى» عن قرب، ما تسبب فى ارتباك حقيقى تحول إلى موقف كوميدى غير مقصود.

يقول «مدبولى»: «من يومها وأنا ما بصدقش أى مسدس على المسرح.. حتى لو لعبة».

مع مسرحية «حلمك يا شيخ علام»، تأليف أنيس منصور، انتقل المسرح الكوميدى إلى مرحلة جديدة تمامًا، وهو الانتشار خارج العاصمة. شارك فى العمل أمين الهنيدى وعقيلة راتب وسلامة إلياس، وحقق العرض نجاحًا واسعًا فى القاهرة والإسكندرية وبورسعيد ومدن أخرى.

يقول «مدبولى»: «فجأة لقينا المسرح بقى بيجرى فى الشارع.. مش محبوس جوه القاعة.. الناس فى المحافظات كانت بتتعرف على المسرح لأول مرة بشكل مباشر». هذه المرحلة كانت بداية تحول المسرح من نشاط مركزى إلى ظاهرة جماهيرية وطنية.

فى عام ١٩٦٥، حاول «مدبولى» تقديم مسرحية «عمتى إكرام وأختها إنعام»، المقتبسة عن عمل عالمى شهير، لكن اللجنة الفنية رفضت العرض، والسبب كان غريبًا: «الضحك على جثث الموتى».

يقول «مدبولى»: «حاولت أشرح إن ده أسلوب كوميدى عالمى، وإن العمل اتقدم قبل كده ونجح.. لكن القرار كان نهائى».

ثم جاءت لحظة الانفجار: «حسيت إن اللى بيحكم مش الفن.. لكن المزاج». وقدم «مدبولى» استقالته من الإخراج فورًا، لتبدأ مرحلة جديدة من التوتر. بعد الأزمة، تم إبلاغ «مدبولى» بوقفه كمخرج فى مسرح التليفزيون، مع الإبقاء عليه كممثل فقط، ثم امتد القرار إلى تقليص نشاطه الإذاعى والتليفزيونى.

يقول: «حسيت إنى فجأة بقيت خارج الصورة.. رغم إنى كنت جوه قلبها من البداية». تحول شعوره إلى ما وصفه بـ«نكران الجميل».

فى هذه الفترة، أُسند إخراج مسرحية «أنا فين وإنت فين؟» إلى فؤاد المهندس بدلًا من عبدالمنعم مدبولى.

يقول عنه: «فؤاد جه قالى بكل بساطة: أنا مطلوب منى أخرج المسرحية.. قلت له ما فيش مشكلة، اخرجها أنت». رغم الحساسية، لم يتحول الأمر إلى خلاف، بل ظل الاحترام قائمًا.

يضيف: «فؤاد كان فنان ذكى جدًا.. وبيعرف يتعامل مع المسرح بطريقته الخاصة».

بعد الاستبعاد، دخل «مدبولى» فى مرحلة فراغ فنى. يقول: «لأول مرة فى حياتى ما كانش فيه بروفات.. ولا اختيارات.. ولا مسرح». لذا لجأ إلى القراءة المكثفة، فى محاولة لإعادة بناء نفسه بعيدًا عن الخشبة.

لم يدم الغياب طويلًا، إذ عاد «مدبولى» عبر مسرحية «الدبور»، كانت الظروف صعبة، و«البروفات» متأخرة، والتعديلات مستمرة حتى قبل العرض بساعات، وفى ليلة العرض، جلس داخل «الكمبوشة» يلقن الممثلين أثناء الأداء.

يقول: «كنت مخرج وملقن فى الوقت نفسه.. والجمهور مش حاسس بأى حاجة من اللى تحت»، ورغم الفوضى، حققت المسرحية نجاحًا كبيرًا.

انتقل «مدبولى» بعدها إلى المسرح العسكرى، حيث وجد نظامًا صارمًا وانضباطًا عاليًا، ثم عمل مع فرقة دمنهور فى مسرحية «الحالة ١٣٧». يقول: «هناك فهمت إن المسرح مش لازم يبقى فى القاهرة.. ممكن يعيش فى أى مكان لو فيه صدق».

فى منتصف الستينيات، جاءت مسرحية «جوزين وفرد»، التى تدور حول العلاج النفسى الساخر. فى البداية، لم يضحك المسئولون خلال العرض النهارى، لكن فى العرض الليلى، انفجر المسرح بالضحك.

يقول «مدبولى»: «نفس المسرحية.. لكن جمهور مختلف.. ضحك مختلف تمامًا».

وفى مسرحية «نمرة ٢ يكسب»، قدم محمد عوض ٣ أدوار مختلفة، بينما لعب «مدبولى» دور «الأسطى النقاش». أشهر لحظة كانت «المرافعة المرتجلة» داخل المحكمة، حيث قال «مدبولى» كلامًا عربيًا فصيحًا غير مترابط، أثار ضحك الجمهور بشدة. يقول: «الجمهور طلب الإعادة.. فأعدتها بشكل مختلف تمامًا كل مرة».

مع نهاية ١٩٦٦ وبداية ١٩٦٧، بدأت ملامح التراجع تظهر، تراكمت الأزمات الإدارية، وتدخلت اللجان بشكل أكبر، وبدأت مساحات الحرية تضيق، كما حدثت خسائر تقنية مؤلمة، منها مسح تسجيلات مسرحيات ناجحة بالكامل. يقول «مدبولى»: «كنا بنبنى حاجة كبيرة.. لكن مفيش حد كان بيحافظ عليها».

بين ١٩٦٢ و١٩٦٧، تشكلت مدرسة كاملة فى الكوميديا المصرية، خرج منها نجوم، ورسخت مفاهيم جديدة للارتجال والتفاعل مع الجمهور. أما عبدالمنعم مدبولى، فظل شاهدًا على مرحلة كاملة، يقول عنها فى خلاصتها: «المسرح الحقيقى مش اللى بيتكتب.. المسرح اللى بيتولد قدام الناس».

لقد انهار المشروع الإدارى، لكن بقيت «إمبراطورية الضحك» حية فى ذاكرة المسرح المصرى، كأحد أكثر فصوله كثافة وصدقًا وإنسانية.