مايكل.. 120 دقيقة من الرقص فوق الحقيقة العارية
- الفيلم يمنح الجمهور تجربة ممتعة بصريًا وموسيقيًا ويتجاهل الأسئلة الأصعب
- السعى إلى توخى منطقة الأمان قاد إلى خروج عمل باهت لا يستطيع نزع قناع النجم ليكشف ما خلفه
تظل أفلام السيرة الذاتية أحد أكثر الأنواع السينمائية إشكالًا وصعوبة وإثارة للجدل. فعلى الرغم مما تستثيره من اهتمام قطاع واسع من الجمهور والمعجبين لا سيما بالشخصيات الشهيرة، وما تستعيده من نوستالجيا قادرة على الدفع بإيرادات شباك التذاكر إلى القمة، فإن قلة من الأعمال تستطيع الخروج من فخاخ العمل السيرى الكثيرة لتترك عملًا يخلد فى الذاكرة.
يثير فيلم «مايكل»، المطروح حاليًا فى مختلف دور السينما العربية والعالمية، والذى يتعرض لسيرة الفنان الأمريكى الشهير مايكل جاكسون، كل هذه القضايا. فمع تصدره شباك التذاكر عالميًا وتحقيقه نحو 40 مليون دولار داخل الولايات المتحدة، وتجاوز إيراداته عالميًا ما يقرب من 200 مليون دولار فى أول أيام عرضه، ثمة عاصفة عاتية من الانقسامات حوله بين الجمهور وفى مراجعات النقاد.


ليس خافيًا تلك الشعبية الجارفة التى حظى بها الفنان الشهير مايكل جوزيف جاكسون، فقد مثّل ظاهرة فنية شغلت العالم أجمع لموهبته الاستثنائية فى الغناء والتمثيل والتلحين والرقص وتصميم الرقصات وكتابة الأغانى وغير ذلك من المواهب التى جعلته ينال فى فترة وجيزة لقب «ملك البوب»، ليكون على امتداد أكثر من أربعة عقود أكثر النجوم تأثيرًا فى مجال الموسيقى على مر التاريخ، وليدخل موسوعة جينيس للأرقام القياسية مرات عدة.
حظى جاكسون بشعبية جارفة، وكانت أسطوانته هى الأكثر مبيعًا فى جميع أنحاء العالم، وحفلاته أشبه بالمظاهرة الشعبية، التى قد تكون حاضرة حتى اليوم فى ذاكرة كل معجبيه برقصاته الشهيرة فيها، ومن ثم، فمن الطبيعى أن يتمتع فيلم سيرة ذاتية عن فنان بهذه الشعبية بإقبال شديد، ومن المفهوم أن ينال الفيلم إعجاب الجمهور لأنه فقط يستعيده كما لو كان حيًا اليوم بينهم، يُعيد عليهم بكل الحماسة والعاطفة مشاهد من حفلات ودفقة من الأغانى تذكرهم بفنانهم المحبوب.
ثمة عوامل تمثل نقاط قوة فى الفيلم الذى يخرجه أنطوان فوكوا، يتمثل أهمها فى الأداء المتميز لجعفر جاكسون، ابن شقيق النجم الشهير، والذى يؤدى دوره فى الفيلم، وينجح على نحو مذهل فى الاقتراب من شخصيته وأدائه الأغنيات، ورقصاته على المسرح، فضلًا عن الأداء الذى قد لا يقل إبهارًا للطفل جوليانو فالدى، الذى ينجح فى تقديم أداء تلقائى وسلس لحركات جاكسون على المسرح فى طفولته، وفى بداياته مع فرقة «جاكسون ٥» التى شارك فيها مع أربعة من إخوته.
جانب آخر من جوانب القوة يتصل بالإبهار الذى جعل حفلات جاكسون، الممثلة فى الفيلم، وكأنها بث مباشر لنجم أُعيد إلى الحياة، فثمة اهتمام بالغ بالوصول إلى أقصى درجة من المصداقية على مستوى الأزياء والديكور والأداء، ورغم أن الأغانى التى يحفل بها الفيلم، بدءًا من «Billie Jean» وحتى «Thriller»، هى تسجيلات أصلية لمايكل جاكسون نفسه، جرى ترميمها ليؤدى عليها جعفر جاكسون والطفل جوليانو فالدى الحركات والرقصات- فإن إتقان الأداء وتصميم الرقصات جعل الأمر أقرب شىء ممكن إلى صورة النجم المعروف وأدائه.
ومع ذلك، لا يُصنع العمل الفنى بالأداء المبهر وحده؛ فبرغم الجهد الهائل المبذول لإعادة تقديم حفلات جاكسون بهذا القدر اللافت من الدقة والاقتراب من الواقع، يظل الفيلم محكومًا بخيوط درامية باهتة وغير مكتملة، تتبدى فى شكل ومضات متفرقة لا تنتظم فى سياق واضح، ولا تنجح فى تقديم فهم عميق لمسيرة هذا النجم أو لعالمه الداخلى.


يركّز الجانب الأكبر من الفيلم على مايكل جاكسون النجم: حفلاته، جولاته، أغانيه، ورقصاته الأيقونية على المسرح، مع إبراز واضح لحجم شعبيته الجارفة ونجوميته التى ظلّت لافتة عبر الزمن. غير أن الخطوط الدرامية التى تُشكّل ملامح شخصيته لا تُقدَّم بالمستوى نفسه من الإتقان؛ إذ يبدو السيناريو، الذى كتبه جون لوجان، مكتفيًا بإلقاء ومضات متفرقة من حياته دون أن ينسجها فى بناء درامى متماسك، فنرى إشارات سريعة إلى طفولته، وتعلّقه بشخصية بيتر بان، وعالم مزرعة نيفرلاند بما ضمّته من حيوانات غريبة، مثل الزرافة والثعبان والشمبانزى «بوبلز»، إلى جانب ملامح من أزمته النفسية المرتبطة بطفولة قاسية. تلك الطفولة التى طبعها حضور الأب الصارم، الذى لم يكتفِ بدفعه نحو الكمال، بل ظل يُقلّل من شأن إنجازاته، ويحاصره بتعليقات جارحة عن شكله وعِرقه، وهى جروح استمر أثرها فى تشكيل شخصيته لاحقًا. ورغم أهمية هذه العناصر، فإنها تظل مطروحة مثل إشارات عابرة لا تتعمق بما يكفى، لتبقى شخصية الأب عقدة غير مفككة دراميًا.
تتمثل أولى الإشكاليات فى أى عمل فنى سيرى فى مدى إمكانية تحرى الصدق وكشف عورات الذات وأخطائها وزلاتها بكل مصداقية ودون مساحيق تجميل تبريرية، وفى فيلم «مايكل» قاد السعى إلى توخى منطقة الأمان إلى خروج عمل باهت، لا يستطيع نزع قناع النجم ليكشف ما خلفه حتى وإن أدانه، فظل مبقيًا على الصورة الملائكية للشخصية؛ الطفل المظلوم والمعنّف، ثم الفنان الأشهر الذى يساعد المحتاجين والضعفاء، ويزور الأطفال المرضى ويتبرع لهم بعائد حفلاته.
يبدأ الفيلم بداية تقليدية منذ الطفولة، ليستعرض مسيرة جاكسون مع أشقائه الأربعة، وسط بيئة أسرية قاسية تجعل الطفل منذ سنواته الأولى فاقدًا للثقة فى نفسه رغم نجاحاته، وتمتد لتؤثر فى شخصيته التى لا تغادر منطقة الطفولة وما سُلب فيها، ثم تتواصل القصة فى ومضات متسارعة لتكشف عن بدايات إصابة جاكسون بالبهاق، هذا المرض الذى سيكون له تأثير بالغ على مظهره منذ منتصف الثمانينيات، والذى احتل مساحة واسعة من الجدل عن حياة النجم الشهير، لكنه فى الفيلم لم يتجاوز هذه الإشارة السريعة.
فضلًا عن ذلك، ينتهى الفيلم على نحو مفاجئ مع جولة «باد» العالمية فى أواخر الثمانينيات، إذ يختتم قصته خلال جولة ظهر فيها جاكسون وهو يعتلى المسرح فى استاد «ويمبلى» بالمملكة المتحدة، ليؤدى أمام أكثر من نصف مليون شخص خلال سبع ليالٍ بيعت تذاكرها بالكامل، وينتهى المشهد بعبارة «القصة تستمر». ومع أن أمر الجزء الثانى من العمل لم يحسمه صنّاعه أو منتجوه، فإن هذا الجزء من الفيلم يظل منقوصًا ولا يليق حتى بجزء من عمل سِيرى ناجح، إذ يظل أقرب إلى استعراض لمراحل اكتمال القمر، على ما يحمله هذا المعنى من مبالغة العمل فى استعراض الجانب الآمن والخيّر فى الشخصية، والاستبعاد الكامل لكل حدث قد يحمل جانبًا مظلمًا للشخصية، وعلى رأسها الاتهامات التى وُجهت ضد جاكسون بالاعتداء الجنسى على الأطفال، وبعض الأفعال الغريبة التى رافقت سنواته الأخيرة، ومعاناته الصحية قبيل وفاته عام ٢٠٠٩ نتيجة تسمم حاد وسكتة قلبية.
وفقًا لموقع «movie web»، فإن جانبًا من القصور الذى طال الفيلم، والذى قد يكون الجمهور قد لاحظه يعود لاضطرار صنّاع العمل إلى حذف مشاهد أساسية منه أثناء الإنتاج، إذ ينقل الموقع عن مجلة «Variety» أنه كان من المفترض أن يبدأ الفيلم بمشهد لجاكسون وهو يحدّق فى انعكاس صورته فى المرآة بينما تومض أضواء سيارات الشرطة خلفه فى عام ١٩٩٣، بعد اتهامه بالاعتداء الجنسى على الأطفال. هذا المشهد، بالإضافة إلى مشهد آخر يظهر فيه المحققون فى مزرعة «نيفرلاند» للبحث عن أدلة فى هذه القضية، اقتطعا فى المونتاج، ومن ثم فإن جزءًا كبيرًا من الفصل الثالث للفيلم كان مخصصًا لمناقشة هذه الفضيحة، ولكن تم إلغاء هذا الخط الدرامى بالكامل، وهو ما يجعل التعقيدات القانونية عقبة أمام استكشاف النطاق الكامل للأجزاء المظلمة من حياة جاكسون، حتى فى أجزاء أخرى من الفيلم.


مثلما كانت حياة مايكل جاكسون مليئة بالصراعات ومثيرة للجدل، لم يكن الفيلم السِيرى الذى يتناول مسيرته أقل إثارة للانقسام؛ فمنذ الأيام الأولى لعرضه تباينت آراء النقاد والجمهور بشكل لافت. وبينما لم تتجاوز نسبة تقييمه ٣٨٪ على منصة Rotten Tomatoes، حصد فى المقابل تقييمًا بلغ ٧.٧ من ١٠ على IMDb.
أما المراجعات النقدية فى الصحافة العالمية فقد التفتت إلى أوجه العوار فى هذا العمل وإن لم تغفل عن نقاط القوة. فقد أشارت المراجعة المقدمة فى موقع «Deadline» إلى أن فيلم «مايكل» عمل موجه بالدرجة الأولى إلى جمهور المعجبين، يختار أن يروى الحكاية من زاوية «النسخة التى يحبها الجمهور»، ويتوقف عند منتصف القصة، وهو ما يجعل الفيلم يبدو أقرب إلى سيرة مُنقّحة أو «نسخة ويكيبيديا» مبسطة، أو حتى جزء من إعادة تسويق النجم، تسرد الأحداث بشكل خطى دون الغوص فى تعقيداتها.
أما مراجعة صحيفة «نيويورك تايمز» فقد اعتبرت الفيلم من أفلام السيرة «المعتمدة» التى تُنتج بموافقة الورثة، ما يجعلها فى الغالب عروضًا للأغانى والنجاحات أكثر من كونها استكشافًا حقيقيًا للشخصية. وترى الصحيفة أن هذه النوعية من الأفلام تنجح عادة حين تربط الموسيقى بالصراع الشخصى، لكن فى حالة مايكل جاكسون يصبح الأمر أكثر تعقيدًا بسبب التناقض الحاد فى صورته العامة؛ فهو من جهة أيقونة ثقافية عالمية تضاهى شخصيات خيالية مثل «سبايدر مان»، ومن جهة أخرى تُحيط به اتهامات ثقيلة ظلت تلاحقه لعقود، وهو ما جعل الفيلم يتجنب هذه المنطقة الشائكة، مفضلًا التركيز على النسخة النقية من الفنان. كما تستعرض الصحيفة بعض الانتقادات من داخل العائلة نفسها، أبرزها موقف ابنته «باريس جاكسون» التى اعتبرت أن هذه الأعمال «هوليوودية» بطبيعتها، أى أنها تعيد تشكيل الواقع وفق رؤية انتقائية، وتتضمن قدرًا من التبسيط أو حتى التزييف.
ترى الصحيفة أن الفيلم يمنح الجمهور تجربة ممتعة بصريًا وموسيقيًا، لكنه يفعل ذلك عبر تجاهل الأسئلة الأصعب، ليقدم سردًا يهدف إلى ترسيخ صورة محددة لمايكل جاكسون، أكثر من سعيه لكشف حقيقته المعقدة.
أما صحيفة «الجارديان» فقد ذهبت فى مراجعتها إلى نقد أكثر حدة، واصفة الفيلم بأنه أشبه بـ«إعلان ترويجى طويل» يعيد إنتاج كل الكليشيهات المعروفة فى أفلام السيرة الموسيقية. فالفيلم، بحسبها، يستعرض رحلة الصعود من فرقة «جاكسون ٥» إلى النجومية العالمية، مرورًا بالمحطات الكبرى مثل حفل ويمبلى ١٩٨٨، لكنه يتجاهل تمامًا ما تصفه الصحيفة بـ«الفيل فى الغرفة»؛ أى الأزمات والاتهامات التى شكّلت جزءًا أساسيًا من حياة جاكسون، لا سيما وأن السرد يبدو خاليًا من التوتر الحقيقى، ما يجعله عملًا سطحيًا يفتقر إلى الجرأة. حتى الشخصية نفسها تظهر بشكل باهت، دون محاولة حقيقية لفهم تناقضاتها أو استكشاف دوافعها النفسية.
ومع ذلك، تشيد الصحيفة بأداء جعفر جاكسون فى تجسيد عمه، خاصة فى المشاهد الاستعراضية، وكذلك بالأداء القوى للفنان كولمان دومينجو فى دور الأب القاسى، ربما لأن هذه الشخصية هى الوحيدة التى يسمح لها السيناريو بإظهار تعقيد حقيقى.
فى النهاية، تخلص مراجعة «الجارديان» إلى أن الفيلم يفتقر إلى الشجاعة اللازمة لمواجهة الجانب المظلم من القصة، وربما يؤجل ذلك إلى جزء ثانٍ قد يرى النور أو لا. لكن حتى ذلك الحين، يظل «مايكل» عملًا يحتفى بالأسطورة بقدر ما يتجنب تفكيكها.







