الإثنين 16 مارس 2026
المحرر العام
محمد الباز

البنت جوهرة ولازم تتصان.. عزة رشاد: أوقفوا قتل المرأة بـ«مقولات كاذبة»

عزة رشاد
عزة رشاد

- تعدد الأصوات هو جزء من ثورتى الجمالية على أحادية الرؤية

- تمكنتُ فى «بالحبر الطائر» من الإمساك بنبرة ساخرة من الذات

- سعيى نحو دمقرطة السرد هو جوهر كتاباتى

عبر أعمال أدبية تنوعت بين الرواية والقصة، بلورت الكاتبة عزة رشاد مشروعًا سرديًا يرفض أحادية الرؤية، وينحاز إلى التعدد بوصفه موقفًا جماليًا وأخلاقيًا فى آنٍ واحد، ففى عالم سردى يتآكل فيه اليقين، وتفرض فيه المنصات الرقمية نموذجًا واحدًا للنجاح والهوية والنجاة، تتجه عزة رشاد للحفر العميق فى طبقات الإنسان الهشة، فى أعمال تعدها فضاءً مفتوحًا للشك، والمراجعة، وتعدد الأصوات. 

فى رواية «بالحبر الطائر» يبدو السرد نفسه مهددًا بالاختفاء؛ كتابة قابلة للمحو بضغطة زر، وذوات تُعيد اختراع نفسها كى تصمد داخل عالم افتراضى لا يعترف بالهشاشة. صديقات يبدين ناجحات على السوشيال ميديا، فيما تتآكل حيواتهن الداخلية، وتتناوب أصوات متعددة الحكى، فى مواجهة عالم يختزل الإنسان فى صورة واحدة، ويقيس قيمته بعدد الإعجابات. 

وفى عملها الأحدث الموجّه لليافعين «أسعد بنت فى الكون» تطرح عزة رشاد مفهوم السعادة بوصفه رحلة تحرر من خلال مسابقة مدرسية تتحول إلى اعترافات تكشف هشاشة الفتيات أمام القوالب الاجتماعية والموروثات القمعية لتخاطب اليافعين بجرأة إنسانية، وتعيد تعريف السعادة باعتبارها فعل وعى ومقاومة. فى هذا الحوار، تتحدث عزة رشاد عن مغامرتها الجمالية فى «بالحبر الطائر»، وفى روايتها لليافعين «أسعد بنت فى الكون»، كما تتطرق إلى علاقتها المعقدة بالسوشيال ميديا، وعن فكرة المحو بوصفها قدرًا معاصرًا للكتابة والذاكرة، وتكشف عن ملامح أعمال تطمح أن ترى النور قريبًا.

■ أشرتِ إلى أن الكتابة لليافعين فى روايتك الأحدث «أسعد بنت فى الكون» كانت تجربة غير متوقعة بالنسبة لكِ.. ما دافعك إلى الكتابة لهذا العمر؟ 

- بعدما انتهيت من رواية «بالحبر الطائر»، وهى رواية كبيرة، أكبر كثيرًا من عدد صفحاتها، حاولت الخلاص من سطوتها علىّ بالانغماس فى عوالم قصصى التى كنت كتبتها قبل الرواية ولكنى لم أبلغ تمام الرضا عنها ما يشجعنى على تقديمها للنشر، وبالفعل بدأت فى النظر إليها مجددًا، وأثناء هذا تسربت إلى نفسى صور الصغيرات ضحايا الحروب، تخرج كلماتهن فى الفيديوهات محملة بمعاناة تحولهن إلى عجائز، ليس نضجًا، بل تجاوز للنضج، كما لو أن لديكِ طبخة وقد احترقت، ذهب جمال الطفولة وبشائر الشباب الحلو مع فقدان الأمان والسلامة، مع السؤال: وين نروح؟ تركنا الانفجارات وراءنا لنجدها أمامنا، فوق رءوسنا، تحت أقدامنا. 

تلك الحيرة، عندما تضيق الأرض، على وسعها، بالبنت، ليست بعيدة أبدًا عن حيرة بنات أخريات يعشن فى أوطان بعيدة عن الحرب، لكنهن يفتقدن الأمان كالسابقات، لأن المجتمع اعتاد إقصاء المختلف، يقصيه لأنه يخافه، واعتاد التنمر عليه، لأنه لا يعجبه ولا يتقبله، وقد جعلتنى فترة عملى المهنى بالثقافة الصحية قريبة من هذه المشاكل. لمستُ عن قرب، بل يمكننى القول إننى اكتويت من عدم اتساقنا «كمجتمع» مع أنفسنا، من التمييز ضد البنات باسم الخوف عليهن، وما سيترتب عليه من حرمانهن من طموحاتهن، وربما إحساس بالدونية يتكرس بدواخلهن، ومقت حقيقى لذواتهن كإناث، أو استخدام الأنوثة للأسف، فى بعض الأحوال، كسلعة لتحقيق مكاسب وتعويض ما حرمتهن منه القيود باسم الخوف على البنت. ليس آخر الأكاذيب أيضًا مقولة «البنت جوهرة وتحتاج من يصونها»، الطفلة الصغيرة نبتهج بجرأتها ونصفق لها، وعندما تكبر قليلًا نكسر شجاعتها وانطلاقها بتخويفها من كل شىء، وحرمانها من كل الأنشطة المدرسية، حتى تكره المدرسة ذاتها.

■ ما التحدى الأكبر الذى واجهكِ أثناء الانتقال من الكتابة للكبار إلى الكتابة لليافعين؟ 

- هناك أكثر من تحدٍ، أولها، المرحلة العمرية المستهدفة، كتبت لكل من هم فوق الثلاثة عشر ربيعًا، وليس المراهقين وحدهم، وتمنيت توضيح هذا على الغلاف لكنه كان مطلبًا صعبًا. وكُتب «رواية لليافعين». كتبت بصوت البنت رسالة توجهها للوالدين، للمدرسة والمعلمين، ولكل العالم. ثانيًا، مدى تقبل الفئة المستهدفة جرأة الطرح. والتحدى الثالث يخص ذائقتى التى لا تتقبل الرواية الرسالة، المباشرة، مهما كانت فكرتها نبيلة كالفكرة الموجودة بروايتى هذه، وهى أن السعادة ليست شيكًا على بياض، بل تحتاج لجهود شخصية ومجتمعية وعالمية أيضًا لتتحقق. جعلنى اهتمامى بالفكرة أبذل جهدًا كبيرًا حقيقة، لكى أكتب بنفس الأسلوب الذى أتعرف على نفسى به، أن أعتصر نفسى، فكرى وتساؤلاتى وحيرتى وهواجسى وموضوعيتى، لكى تنجو الرواية من المباشرة وأنجو كروائية من تهمة تسويق تفاؤل ساذج، أو غير ذلك مما لا يرضينى. 

■ تسعى الرواية إلى استكشاف مفاهيم السعادة والحرية وتمكين الفتيات، مع مواجهة قوالب اجتماعية تقليدية وشائكة مثل الختان.. فى ضوء هذه المعانى، ما الذى حرصت عليه فى الكتابة كى لا يتحول النص إلى مجرد توجيه تربوى؟ 

- بناء الشخصية يسبق الموضوع فى كتابتى، قمت بعملية «خلق» أدبى لشخصيات من مختلف جوانبها، على الأقل الجوانب المهمة لتقدم أحداث الرواية وبناء الحبكة، فهو الأمر الأهم، فعندما تخيلت رقة وجمال ملامح غيداء، وكذلك حساسيتها منذ الطفولة، شعرت بالحبكة تتشكل تدريجيًا أمام عينى، نعم هى البنت التى تتحمل أعباء ضخمة لكنها مفرطة الحساسية لا تريد أن يكتشف أحد جرحها. بسمة المرحة، قوية الاحتمال، لذا لن تتخلى عن أمها قط، مهما يكن ما ستعانيه من نبذ وإقصاء، وأيضًا لن تستسلم، وهكذا يُبنى الحدث والحبكة، كما لو أن هذه البنت حقيقية موجودة بالقرب منى، على الرغم من أنها متخيلة بالكامل. 

■ فى رواية «بالحبر الطائر» الصديقات الأربع يبدين ناجحات على السوشيال ميديا لكن حيواتهن الداخلية منهكة.. هل ترين أن الرواية تشتبك مع «سردية النجاح الزائف» التى تفرضها المنصات الرقمية؟

- السوشيال ميديا بالفعل لا تقدم الحقيقة، بل تستدرج الشخص نحو التظاهر وتزييف نفسه، ليجنى الإعجاب، وبنفس الوقت تُسيّد نمطًا واحدًا لإنسان هذا العصر، بما يخدم مكاسب الشركات العالمية الكبرى، ونظرة واحدة لمستحضرات التجميل والملابس تشرح كل شىء دون أن نحتاج للكلام عن شركات تصنيع الأسلحة والكيماويات الضارة.. إلخ. هذا فى العموم، بينما طرحت رواية «بالحبر الطائر» هذا المعنى من خلال جزئية أخرى محددة، هى أن هناك نسبة من أبناء المهجر تعانى من حالة من الفصام وتطاحن الثقافات داخلها، ثقافة الوطن الأصلى وثقافة البلد المُضيف، يحدث هذا بدرجات مختلفة، حسب طبيعة كل شخصية، وحسب الظروف التى عاشها أيضًا، ومن هنا أتى تعدد الأصوات والاتجاهات، بالإضافة لإصرار بطلات الرواية على إخفاء إخفاقاتهن، والتظاهر بنجاح ما، لأنه بدونه لن تكون ثمة جدوى لاغترابهن ولا معنى لحيواتهن، بدونه سينكشف العبث والهباء.

■ اخترتِ أن تحكى الرواية عبر أصوات متعددة، وبينها صوت ناجى بوصفه راويًا رجلًا داخل عالم نسائى.. لماذا كان تعدد الأصوات ضروريًا؟ ولماذا كان وجود ناجى مهمًا فى هذا البناء؟

- تعدد الأصوات جزء من ثورتى الجمالية على أحادية الرؤية، أطرح حيرتى بين الاتجاهات المختلفة على الورق، والخيارات الفنية الأخرى مثل وجود الفنون كالغناء مثلًا فى العمل، وربما يتورط القارئ أيضًا. إنها لحظة شك، لحظة مراجعة، فكل ما حولنا مهدد بالتحول إلى أنقاض، ولا يمكن لأحد تجاوز هذه اللحظة إلا بعد تأمل طويل. 

أما عن ناجى فهو حسب رؤيتك الراوى الرجل، وبعينى آخرين هو أيضًا ابن جيل مختلف عن جيل السيدات الأربع. ناجى ونورا ابنة نوجا، وكذلك ابن نادين، هم أبناء الألفية الجديدة، الجيل المنسلخ عن جيل هؤلاء الأمهات المولودات بمنتصف السبعينيات، وهناك رؤية ثالثة لناجى؛ وهو أنه الوحيد من جيل الأبناء الذى تورط بسبب إصابة أمه، وتغير مع تنامى الحبكة، وهناك تصورات أخرى عنه.

■ ما المغامرة الجمالية المختلفة التى يمكن القول إن «بالحبر الطائر» تمثلها مقارنة بأعمال سابقة لك مثل «ذاكرة التيه» و«شجرة اللبخ»؟ وما الذى شعرتِ بأنك تحتاجين إلى كسره أو تجاوزه فى هذه الرواية تحديدًا؟

- ربما لأن الراوى «شخصية نوجا» غير موثوق، يعانى ضلالات وتهيؤات، وذاكرة خربة ومخادعة، وربما لكون وجود الصديقات المقيمات بالمهجر بحد ذاته غير مؤكد، وأيضًا لكون أغلب أحداث هذه الرواية تقع فى العالم الافتراضى، تبدو مختلفة عن رواياتى السابقة، وربما أيضًا لكون مصائر البطلات غير محددة بصورة قاطعة، بل أعتمد فى الأغلب نهايات مفتوحة ومتروكة لرؤية القارئ ومشاركته. 

أما ما شعرت بالحاجة إلى تجاوزه فى هذه الرواية تحديدًا، فهو امتداد لهذا الجمالى، أن أختبر قدرتى على التخلص من الرؤية المستبدة التى يصدرها الروائى التقليدى للقارئ، فتحد من مشاركة هذا القارئ. وثانيًا، فى هذه الرواية أكثر من أى عمل آخر حفرت فى الأعماق أو اغترفت من عصارتها، عصرت شخصياتى وعصرت نفسى لكى يخرج الصوت صادقًا ومميزًا عن سابق الأصوات. فى «بالحبر الطائر» وحدها تمكنتُ، بعض الأحيان، من الإمساك بنبرة ساخرة من الذات، آمل أن أتشبث بها أكثر فى عملى المقبل، لأن السخرية من الذات هى تجلٍ أكثر للتوافق مع النفس. هنا أيضًا أمكننى أن أقدم أبطالى بعيوبهم وميزاتهم دون أن أكون جلادًا لأى منهم أو حاكمًا عليه، وفى هذه الرواية أيضًا أقدم العولمة بميزاتها وعيوبها. 

■ «الحبر الطائر» يبدو فى الرواية كأنه كتابة مهددة بالمحو.. هل الكتابة هنا اعتراف أم محاولة لتثبيت ما يتلاشى بالنسبة إليكِ؟ 

- المحو هنا متعدد، هناك محو اختارته البطلة الأساسية بنفسها، عندما حددت بيدها عمر «البوست»، وترددها بين الإخفاء والمكاشفة، وهناك المحو المتوقع عندما تكون حيواتنا كلها رهينة الشبكة بلوغاريتماتها، والأشخاص القائمين عليها أيضًا، شركات ودول ومصالح. ثم هناك محو ثالث لا يبدو مستبعدًا، وهو احتمال انهيار هذه الحضارة التى بلغت أعلى مراحل التقدم التقنى، ومع ذلك لم تصمد أمام فيروس صغير جدًا كان من الممكن أن يفنى البشرية كلها، ناهيك عن التناقض بين تطورها التقنى الخطير ومنظومتها القيمية، فينكشف اقترابها من الانهيار يومًا بعد يوم. ضغطة زر فقط مدت فى عمر هذا العالم بإنقاذه من حرب عالمية تكاد تعيده إلى الصفر والبدائية الأولى، ومستقبل غائم بعد التطور المبهر للذكاء الاصطناعى واحتمالية اختفاء بعض المهن. 

■ إلى أى مدى تحضر ذاتيتك فى هذا العمل؟ 

- هى بالتأكيد حاضرة كخلفية بعيدة، لا أحكى نفسى ولا حياتى، فأبطالى متخيلون، وهذا يتفق عليه غالبية القراء، ولكن بالتأكيد تظهر أقسام من أفكارى وحيرتى وأسئلتى موزعة على كل مكونات العمل، وغالبًا ما تتعقد أكثر مع كل عمل جديد.

■ هل تكتبين كل رواية بوصفها تجربة مستقلة، أم تشعرين بأنك تعودين فى كل مرة للأسئلة نفسها لكن من زوايا مختلفة؟ 

- نعم، كل تجربة تكون مستقلة عن سابقاتها، شكلًا ومضمونًا، أحب التنوع وأكره أن أكرر نفسى، لكن الأفكار التى تُكوِّن ذهنى وبالتالى مخيلتى ووجدانى هى نفسها، وهى تشف وتظهر رغمًا عنى، فى كل الأعمال، ومن زوايا مختلفة كما قلتِ أنتِ، وهى قد تتطور، تتصارع، قد تنقطع فكرة ما ويرفضها تطورى، فلا شك أن الإنسان وعالم أفكاره واختياراته يتغيران دومًا، أما ما لا يتغير فهو القدرة على الجدل الخلّاق مع الذات، فكرًا، وآمالًا، والقدرة على تجاوزها المستمر. 

■ كيف ترين ملامح مشروعك الروائى اليوم؟ هل تشعرين بأن هناك خيطًا مشتركًا يربط أعمالك كلها؟ 

- يبدو لى سعيى نحو دمقرطة السرد هو هذا الجوهر الذى يتنامى فى كتاباتى، لا أريد أن تحمل كتابتى وجهة نظر صماء، أو نهايات حاسمة، فلم يعد من شىء يقينى فى زماننا، أريد أن تحمل كتاباتى أسئلة لا إجابات، أطمح إلى تفاعل القراء وإثراء العمل بوجهات نظر عديدة، وإلى اقتراح تقنيات فنية جديدة لإثراء التعددية ورفض التنميط، وأريد أن أحافظ على ما حققته فى رواية «بالحبر الطائر» من عدم إصدار الأحكام على أبطال العمل، وعدم تقسيم الناس أو الأفكار إلى أبيض وأسود، وأطمح أيضًا أن أكتب عن الإنسان أيًا كان زمانه ومكانه، أى اجتراح الذات الإنسانية أكثر، واكتشاف الطبقات الخفية من المخيلة بحيث لا أتحول إلى أسيرة لنمط واحد من الكتابة. 

■ هل لديك تصور واضح لمسار كتابتك فى الأعمال المقبلة.. أم تفضلين ترك كل تجربة تقودك إلى التى تليها؟ 

- لدى طموحات ضخمة، فصول كاملة تحتاج إلى البناء عليها، وبعض خطط مبسطة لروايات لم أستقر عليها بعد، لدى أيضًا قصص كاملة لا تحتاج سوى لمراجعة جيدة، وكذلك بعثرات قصصية كثيرة يمكن جمعها فى مجموعة قصصية أو اثنتين، لدى أيضًا قراءات نقدية عديدة، وطموحى أن أتمكن من جمع عدد منها فى كتاب. الجزء الآخر من المعادلة هو: جهد محدود، صعوبات فى النشر، وقت التهمته التكنولوجيا، وسائط عديدة تستميت لتسحب البساط من تحت قدمى الأدب، لهذا؛ فهى معادلة صعبة، لولا التعلق بالكتابة.