الجمعة 12 يونيو 2026
المحرر العام
محمد الباز

ليس كل كاتب جيد بالضرورة قارئًا جيدًا

صدمة المخزنجى.. الكاتب الكبير يصف رواية لنوارة نجم بما لم يقُله أحد عن تشيكوف وديستويفسكى أو نجيب محفوظ

محمد المخزنجى
محمد المخزنجى

- قبل أن تدفع ٧٠٠ جنيه متأثرًا بكلمات المخزنجى الصفحات الأولى كلها مهجور من اللغة وأخطاء فى الجغرافيا والتاريخ وجهل بطبيعة عمل الخيال 

- «عمل كبير وجميل وشجاع وفائق الأهمية.. الآن وغدًا» ما كل هذه المبالغات المضحكة يا دكتور؟!

لفترات طويلة، كنت أظن أن القراء فى مصر وعالمنا العربى يعانون حالة من «التسمم الثقافى والمعرفى»، وأن هذه الحالة هى السبب الأول فى إقبالهم على شراء الأعمال الأكثر مبيعًا أو شهرة أو حضورًا على مواقع التواصل الاجتماعى، تدفعهم الشهرة والانتشار لشرائها وقراءتها بعيدًا عن حساباتٍ لا يعرفون بها، تخص القيمة الفنية والأدبية وآراء النقاد والمبدعين، أو حتى موقعها بين معاصريها وما سبقها من كتابات.. بعدها يسارعون إلى الشكوى من تهافت وضعف الكتابات الجديدة، من سوء بنائها وصياغتها، ومن استعجال كتابها، وافتقادهم إلى الخبرة اللازمة لتطوير أدواتهم، وصولًا إلى الحكم القاطع بانهيار الأدب والفن فى مصر والعالم العربى، وغياب الكتابات الجديدة الجيدة أو حتى المتوسطة، لتبدأ موجات من التباكى على الأيام التى راحت، والأسماء التى كانت تملأ الدنيا بالفن والجمال والإبداع.. كما كنت أظن أن كل كاتب جيد هو بالضرورة قارئ جيد، يقرأ الجميع، أو غالبية ما يصله من كتب وإبداعات، فيحتفظ بالبعض «الجيد» لمتابعة مبدعيه، ورصد مراحل تطورهم، أو حتى لاستعادة المتعة التى صاحبت قراءته، ويتخلص من البعض «الردىء» إلى غير رجعة، فيما يضع البعض «متوسط الجودة» على أرفف الانتظار، على أمل التطور، واكتشاف موقعه المناسب من خريطة قراءاته.. أتفهم جيدًا أنه لا يكتب بالضرورة عن كل ما يقابله من أعمال، ينتقى البعض مما يعجبه، ويؤجل البعض لضعف الجاذبية، أو لضيق الوقت، أتفهم ألا يكتب إلا عما يجد فيه بصيص أمل فى مستقبل معقول «أو كبير» من كتابات الشباب، وألا يكتب مطلقًا عن السيئ والردىء.. غير أننى صباح السبت الماضى كنت على موعد مع نسفٍ كاملٍ لكل ما ظننتُ، والتأكد من أن «بعض الظن إثمٌ كامل».. وكان لى أن أعيد التفكير فيما ذهبت إليه من اتهام للقراء بالمسئولية عن سوء اختياراتهم لما تتناوله عقولهم من أفكار وتصورات، بل وفى إعادة ترتيب مواقع وكتابات من أحب القراءة لهم.. وإدراك السر فى عدم ثقة القراء ومحبى الأدب بكل ما يكتبه النقاد والمبدعون عن الآداب والفنون.

المخزنجى
المخزنجى

ولكى لا أطيل عليك فى مقدمات أظنها كانت ضرورية، فالقصة بدأت صباح السبت الماضى بقراءة مقال الكاتب الكبير محمد المخزنجى على شبكة «تواصل الإخبارية».. والذى كان عنوانه نصًا:

«محمد المخزنجى يكتب عن عمل كبير.. جميل.. شجاع وفائق الأهمية.. الآن وغدًا»

هكذا.. عمل كبير وجميل وشجاع وفائق الأهمية.. الآن وغدًا؟!

والحقيقة أننى لم أستطع الانتقال من العنوان دون أن أسأل نفسى عما هو العمل الذى يقدر على تحمل كل هذه الصفات؟! يليق بها وتليق به؟! قديمًا وحديثًا؟!.

ما الكتاب الذى يمكن أن يدفع الدكتور محمد المخزنجى إلى استخدام كل هذه المبالغات فى وصفه؟! كيف استطاع كاتب أن يبهر صاحب «رشق السكين» وغيرها من الكتابات الفاتنة، والتى تضعه وحده فى مكانة لا يزاحمه فيها أحد بهذه الطريقة، بل وينتزع من قلمه كل هذه الصفات التى لم يُوصف بها عمل لديستويفسكى أو تشيكوف أو نجيب محفوظ؟!.

أهذا رأيه فعلًا أم أنها مجرد مجاملة لا تضر؟! وهل هى فعلًا مجاملة لا تضر؟!

ربما تساعدنى قراءة المقال فى فهم ما استعصى على عقلى، ليكن إذن.. يقول الكاتب الكبير فى بداية مقاله: «عندما أهدتنى دار الشروق هذا الكتاب فى سياق ما تهدينيه من منشوراتها، ارتبكت.. فالكتاب ضخم، يفوق ثمانمائة صفحة، وهو رواية».. هنا مفتاحٌ أول، فالكتاب «هدية»، ومن دار «الشروق» التى تطبع كتب الدكتور المخزنجى، وتنشر الجريدة المملوكة لصاحب الدار مقالاته.. وهنا يبدأ احتمال «المجاملة» فى الظهور خصوصًا مع وجود كلمة «ارتبكتُ» التى تعنى ضمن ما تعنى استشعار الحرج من تنحية الكتاب وعدم قراءته باعتباره هدية من لا ترد هداياه!!.

بعدها يتحدث الدكتور عن حيرته فى مواجهة عمل بهذه الضخامة، ويقول «ماذا أفعل، وقد كان إغراء صفحات الاختبار يشدد علىّ أن بهذه الرواية ما يستحق أن يُقرأ؟».. هنا إشارة إلى أن الرواية تؤكد أن صفحات الاختبار مرت بسلام، وأنها سهّلت عليه قرار الاستمرار فى قراءتها تحت مظنة أن بها «ما يستحق أن يُقرأ».. تمام جدًا، هذا رأى كاتب كبير ينبغى الإنصات إليه، وهو هنا يقول برأى يمكن التعامل معه، والقبول به، فلا مبالغة فى عبارة تقول إن «بهذه الرواية ما يستحق أن يُقرأ»، وإن كنت شخصيًا أرى أن كل كتابة بها ما يستحق أن يُقرأ.. وبالتالى فلا امتياز ولا مجاملة فيما يقول به.. الامتياز والمجاملات «المضحكة للأسف الشديد» تبدأ منذ الفقرات التى يقول فيها ما نصه:

ولكن هذا العمل «دماء على خرائط الشرق»، لم يتملكنى لأقرأه كله فقط، بل تملك رغبتى فى أن أرتشف جمالاته العديدة على مهل، توقًا إلى امتداد متعتى الفائقة به أطول وقت ممكن.. وتحول عتبى على «دار الشروق» إلى الإعجاب بشجاعة مغامرة مُستحَقة، ألخصها فى وصف هذه الرواية الهائلة لنوارة نجم بأنها «عمل كبير، جميل، شجاع، وفائق الأهمية».. والبديع هذه المرة، فى هذا العمل الكبير الجميل، أنه يسرد كل ذلك، بجمال فنى روائى، فى لغة حلوة عفية، ومشهدية يجسدها السرد، ويرصعها بألوان وطعوم ميراث مبدعى شرق أوسطنا العريق المفطور على أصالة الجمال.. وبتشويق تتشبث به الروح التوّاقة إلى صدق المراجعة، مراجعة الذات والزمان.

انتهى المقال وبدأ الضرر.. فالحقيقة أننى بعده فكرت فى قراءة هذه «المعجزة» الروائية التى تبيعها «دار الشروق» بأكثر من ٧٠٠ جنيه مصرى، والحمد لله أننى لم أشترها، واكتفيت باستعارتها من صديقٍ تصله هدايا بعض دور النشر، وكان أن أخضعتها لآلية صفحات الاختبار، وهى عندى تختلف باختلاف الكاتب ونوعية الكتاب والناشر والمحتوى.. والحقيقة أنه لم يطل بى الوقت حتى قررت عدم الانتحار، وتنحيتها جانبًا، ففى الصفحة الأولى من الكتاب، والمعروفة باسم «الترويسة» تقابلك أولى العبارات العجيبة «هذه الرواية عمل أدبى مستوحى من أحداث تاريخية، وعليه فإن الأسماء والأحداث جميعها من وحى خيال المؤلف أو تم استخدامها فى إطار خيالى»، وكاتب هذه العبارة غالبًا هو المؤلف، ومكمن الغرابة أو العجب هنا فى كلمة «وعليه» التى تبنى علاقة سببية غير صحيحة، ربما كان مقبولًا لو قيل «وعليه فربما يحتوى إشارات إلى وقائع أو شخصيات حقيقية لكنها موظفة فى إطار من خيال المؤلف»، إنما «مستوحى من أحداث تاريخية.. وعليه فالأسماء والأحداث جميعها من وحى الخيال»؟!.. كيف؟! أين الاستيحاء من التاريخ إذا كانت الأسماء والأحداث «جميعها من وحى خيال المؤلف»؟! ما قيمة هذه الكلمات أمام كلمة «رواية»؟!، ألا تعنى «رواية» أن الأسماء والأحداث كلها من خيال المؤلف؟! أم أنها لم تكن تكفى؟!.. ألا تعد تلك الفقرة بأكملها من قبيل «الرطرطة» التى لا جدوى لها، ولا طائل من ورائها؟!.

بعدها تخصص المؤلفة ثلاث صفحات تحت عنوان «خريطة العائلات»، تبدأ هكذا «عائلة محمد صفى:

الأب ميرزا حسن القماش، أنجب: محمد الزكى، محمد العلى، محمد صفى القماش (زفير سافيو)

محمد صفى القماش تزوج مايا (ماريا) وأنجب منها: توماس (راج - الرضى)، وفرانسيسكو (أرجون - تقى)، وأمير».

الحقيقة أننى قرأت الخمسة أسطر الأولى، ثم انتقلت إلى الصفحات التالية، فوجدتها كسابقتها، والتى لم أستطع إكمال أى منها، لكنك سوف تجد هنا صورًا من الصفحات الثلاث لكى ترى بعينيك ما فيها من «رطرطة» قبل أن تدفع السبعمائة جنيه تحت تأثير كلمات الدكتور محمد المخزنجى المنبهرة والصادمة لى على الأقل.

ندخل إلى النص، تحت عنوان «الجيل الأول.. المحطة الأولى العراق» يأتى الجزء الأول من الرواية، وفى صفحته الأولى تصدمك عبارة «اللغة الحلوة العفية» التى جاءت فى مقال المخزنجى، إذ لا تمر دقيقة واحدة حتى تطالعك عبارات من نوعية «بين الفينة والأخرى»، و«الهاجعة فى سويداء القلب»، «مع دنو يوم العُرس»، تقلب الصفحة فتجد «يربد وجهه»، و«تالله لقد تعجلت»، و«هل هو عِنين حقًا».. وغيرها وغيرها.. كمٌ لا حد له من الكلمات المهجورة والميتة، والتقعر اللغوى الذى لا يضيف شيئًا إن لم يخصم من أى عمل أدبى، أهذه هى اللغة الحلوة والعفية يا دكتور؟!.

فإذا ما تغاضيت عن مشكلة المهجور من اللغة، ووجود احتمالاتٍ لتدخل محرر الدار بذائقته الكلاسيكية القديمة ولغته المقعرة، هو أو أى أفراد آخرين امتدت أيديهم إلى النص، تقول الكاتبة فى صفحة ١٢ ما نصه: «أشعلت شمس أبريل البغدادية الأرض حتى أصبحت فى حرارة التنور فألهبت باطن قدميه».. أى شمس هذه التى تتحدث عنها، شمس أبريل البغدادية؟! أليس أبريل من أشهر الربيع حيث تتراوح درجات الحرارة فى بغداد بين ١٢ درجة مئوية، والعظمى ٢٢ فى أقصى حالاتها؟!.. أهذه درجة حرارة «التنور»؟! (الفرن يعنى؟!).

قبلها تصف الكاتبة ابنة عم محمد صفى قائلة «لكنها جميلة، وربة منزل من الطراز الأول، ومهذبة، وصبية، يلاحقه بصرها بوله».. أيتسق وصف «مهذبة» مع «يلاحقه بصرها بوله»، ألا تدرك الكاتبة الفارق بين مفردتى «يلاحقه»، و«يتابعه»، ألا تعرف أن المتابعة أخف كثيرًا من «الملاحقة»، وأن الأخيرة تتطلب قدرًا من الجرأة لا يتسع لها معنى «التهذيب»؟!.

هكذا.. أقل من عشرين صفحة بلا جغرافيا.. ولا تاريخ.. ولا لغة.. ولا أدب.. لا شىء إلا أن أجدنى مضطرًا لأن أقول وداعًا لترشيحات الدكتور محمد المخزنجى.. ودعتُ من قبل ترشيحات آخرين كانت لهم مكانة كبيرة ومميزة فى عقلى وقلبى، لكنها اختفت حين لم يستطيعوا الصمت حينما كان الصمت هو الاختيار الأقل ضررًا وتأثيرًا مما كتبوا.. ويبدو أنه ليس كل كاتب جيد هو قارئًا جيدًا بالضرورة.. ربما تتداخل المصالح فيما لا ينبغى أن تلقى بظلالها عليه، وربما تكون هناك ضغوط خارجية أو شخصية، وربما مجرد مجاملة يظنون أنها مجاملات عابرة، ولا تضر.. يبدو أن عددًا غير قليل من كتابنا الكبار أصبحوا لا يدركون خطورة الكلمة التى يكتبونها، لا يعرفون أثر ما ينشرون، ومردوده على الثقافة والإبداع والفن، وربما لا يتوقعون أن يردهم أحد، أو يعترض على ما يذهبون إليه من مواقف، أيًا كانت.. وهو أمر مزعج جدًا، وغير مفهوم، فالمحبة والتقدير لأى كاتب ومبدع كبير، لا يكفيان للصمت على ارتكابه أفعالًا تصل إلى حد الجرائم، أو الوقوع فى مناطق غير مفهومة على أقل تقدير.