الأحد 26 يوليو 2026
المحرر العام
محمد الباز

ما تخفيه الأغانى.. شفرة الإبداع الشعبى فى أفراح الصعيد

زفة العروس.. للفنان
زفة العروس.. للفنان ماهود أحمد

- احتفظت الأفراح الشعبية لعقود طويلة بلون خاص من الغناء وصفه البعض بالأغانى الإباحية

تجلس الجدة فى صدر المجلس، ظهرها مستقيم وصوتها ثابت كأنها تحفظ الأغنية منذ ولادتها، ترفع كفها بإيقاع هادئ وتبدأ تغنى: «من ميتى وانت غايب.. والرمان استوى»، فتتبادل النسوة الضحكات المكتومة، بينما تخفض العروس رأسها خجلًا وتختبئ خلف صديقاتها اللاتى يتهامسن ويكبتن ضحكاتهن. لا تبدو الجدة مرتبكة أو محرجة، بل تغنى بثقة من يعرف أن هذه الكلمات ليست خروجًا عن الحياء، بل جزء من طقس قديم ورثته عن أمها وجدتها، وكانت ليلة الحناء هى الموعد الوحيد الذى يُسمح فيه للأغنية أن تقول، باللحن والابتسامة، ما يعجز الجميع عن قوله بالكلام.

كان لـ«ثدى الفتاة» مكانة بارزة فى هذه الأغنيات، واحتل مساحة واسعة من الوصف. ففى إحدى الأغنيات تقول الست نعيمة المصرية: «من ميتى وانت غايب.. ده الرمان استوى»، فى إشارة إلى الرحلة الطويلة التى غاب فيها العريس لجمع المال اللازم للزواج، حتى كبرت خطيبته ونضج جسدها، بالتزامن مع موسم نضج الرمان.

قد يبدو هذا المشهد غريبًا لمن يراه لأول مرة، لكنه كان مألوفًا فى كثير من قرى مصر والصعيد، حيث احتفظت الأفراح الشعبية لعقود طويلة بلون خاص من الغناء، وصفه البعض بالأغانى الإباحية، بينما اعتبره باحثون فى التراث الشعبى جزءًا من الذاكرة الثقافية للمجتمع، لأنه لم يولد بهدف الإثارة، بل نشأ داخل بيئة شديدة المحافظة احتاجت إلى وسيلة مختلفة للحديث عن أكثر الموضوعات حساسية.

والمفارقة أن المجتمع الذى أنجب هذه الأغنيات هو نفسه المجتمع الذى اشتهر بالتمسك بالعادات والتقاليد. فلم يكن الحديث عن العلاقة الزوجية مقبولًا داخل البيوت، ولم تكن الأم تشرح لابنتها تفاصيل الحياة الجديدة، كما لم يكن الأب يفتح هذا الباب مع ابنه. وبين صمت الكبار وخجل الصغار، وجدت الأغنية الشعبية طريقها لتؤدى دورًا اجتماعيًا وتعليميًا، مستخدمة التورية والرمز والدعابة بدلًا من الشرح المباشر.

وفى هذا السياق، لا يستقيم الحكم على هذه الأغنيات بمعايير اليوم. فلم تكن تُردد فى كل وقت، ولا أمام الغرباء أو فى المجالس العامة، وإنما اقتصرت على ليالٍ بعينها، مثل ليلة الحناء، وعلى تجمعات النساء أو الرجال المنفصلة، حيث يقتصر الحضور على دائرة الأهل والثقة. كما أدت وظيفة تعليمية فى زمن كانت فيه وسائل التثقيف والمعرفة نادرة، فساعدت الفتيات والشبان على تجاوز رهبة الزواج والتعرف، ولو بصورة رمزية، إلى الحياة الجديدة التى تنتظرهم.

ولا يقتصر هذا الفهم على الذاكرة الشعبية وحدها، بل تؤيده دراسات التراث والأنثروبولوجيا أيضًا. فالباحث محمد شحاتة، فى كتابه «أغانى النساء فى صعيد مصر»، يرى أن هذه الأغنيات ليست مجرد وسيلة للتسلية، وإنما تمثل جزءًا من التراث الشفهى الذى نقل خبرات المجتمع وقيمه بين الأجيال، وهو ما دفعه إلى توثيقها قبل اندثارها برحيل حافظاتها. كما تشير دراسات أنثروبولوجية حديثة إلى أن أغانى الزواج الريفية أتاحت للنساء مساحة للتعبير عن موضوعات يصعب تداولها علنًا داخل مجتمع محافظ، وأن جرأتها لا يمكن فهمها إلا فى إطارها الاجتماعى والاحتفالى.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه فى هذه الأغنيات أنها استعارت مفرداتها من البيئة الريفية نفسها. فالرمان، والبرتقال، والليمون، والكسبرة، والثوم، لم تكن مجرد كلمات عابرة، بل تحولت إلى رموز تحمل معانى يفهمها أبناء البيئة بسهولة. ففى الأغنية الشهيرة «الرمان استوى» يصبح نضج الرمان إشارة إلى بلوغ الفتاة واستعدادها للزواج، بينما تحمل أغنية «العرباوى كان عيان.. وصفوله البرتقان» رسالة شعبية مفادها أن الزواج هو العلاج الطبيعى لوحدة الشاب واستقراره النفسى.

وتبدو الدلالات أكثر وضوحًا فى أغنية «عينى على العازب.. المخدة بين رجليه»، التى تصف، بأسلوب ساخر، معاناة الشاب الذى تأخر زواجه، فى وقت كان المجتمع يرى الزواج الطريق الطبيعى لتلبية احتياجاته العاطفية والجسدية. أما الأغنيات التى تناولت ليلة الزفاف، فقد استخدمت المبالغة والكوميديا لتصوير العلاقة بين العروسين، ليس بهدف الوصف الحرفى، وإنما لتحويل الخوف والارتباك إلى ضحكات تخفف رهبة الليلة الأولى.

وفى المقابل، حملت أغنيات أخرى رسائل اجتماعية أكثر مما حملت إيحاءات جنسية. ففى أغنية «ما أعرفش أدق الكسبرة إلا بقميص المسخرة» تبدو الكلمات جريئة، لكنها تخفى أمنية شائعة لدى كثير من العرائس، وهى الانتقال إلى بيت مستقل بعيدًا عن بيت العائلة، فتستخدم الأغنية الدلال والمرح للتعبير عما يصعب قوله مباشرة.

ولأن هذه الأغنيات أدت وظيفة اجتماعية واضحة، لم ينظر إليها أبناء القرى بالطريقة نفسها التى قد ينظر بها إليها مستمع معاصر يسمعها خارج سياقها. فقد ارتبطت بطقس احتفالى له زمانه ومكانه، واكتسبت قبولًا اجتماعيًا داخل هذا الإطار المحدد رغم جرأة مفرداتها.

ومع تطور وسائل الإعلام وانتشار التعليم والإنترنت، تراجع الدور الذى كانت تؤديه هذه الأغنيات، واختفى كثير منها برحيل النساء والرجال الذين حفظوها شفهيًا، بعدما ظلت تنتقل من جيل إلى آخر دون تدوين. ولم يبق منها اليوم إلا ما تحفظه ذاكرة بعض الجدات، أو ما وثّقه الباحثون باعتباره جزءًا من التراث الشعبى المصرى.

وربما لهذا يصعب إصدار حكم أخلاقى قاطع على هذه الأغنيات بعيدًا عن سياقها التاريخى والاجتماعى. فهى ليست مجرد كلمات جريئة، كما أنها ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل وثيقة تكشف كيف تعامل مجتمع محافظ مع قضية شديدة الحساسية، مستخدمًا الغناء بدلًا من الشرح، والابتسامة بدلًا من الإحراج، والرمز بدلًا من المواجهة. ولعل تلك الجدة، التى غنت بثقة وسط ضحكات النساء وخجل العروس، كانت تدرك هذه الحقيقة أكثر من الجميع. لم تكن تغنى لتثير الدهشة أو تكسر الأعراف، بل لتؤدى دورًا اجتماعيًا ورثته عن أجيال سبقتها، ولتسلم عادة قديمة إلى جيل جديد، مؤكدة أن بعض الحكايات فى الريف المصرى لم تُكتب فى الكتب، بل بقيت محفوظة فى الأغانى، تنتظر ليلة الحناء كى تُروى من جديد.