قصيدة النثر المصرية.. التأسيس الثانى 2
محمد صالح.. الشاعر متفرجًا على الحياة
- من أكثر شعراء قصيدة النثر المصريين وعيًا بدور الشاعر وقدرته على رؤية العالم
- عند انتقاله إلى قصيدة النثر اعتمد تقنيات جديدة بعيدًا عن الغنائية والإنشاد والتلقى السماعى
الشاعر الراحل محمد صالح «1942- 2009» أحد أصفى الأصوات وأشجاها فى قصيدة النثر المصرية، بدأ تفعيليًا بديوانه المختلف «الوطن الجمر- 1984» واختار قصيدة النثر شكلًا جماليًا للتعبير منذ ديوانه الثانى «خط الزوال- 1992» الذى انقسم قسمين، الأول ضم مجموعة كبيرة من قصائد التفعيلة شغلت 135 صفحة من الديوان مقابل 36 صفحة فقط اشتملت على خمس قصائد نثرية «فى الضاحية البعيدة/ أضرحة وخلوات/ المعلقة الثامنة /الطواف/ ميعاد» لكن هذا القسم الصغير من الديوان كان إيذانًا بتحول جمالى للشاعر نحو قصيدة النثر، وتوالت أعماله الشعرية: «صيد الفراشات- 1996»، «حياة عادية- 2000»، «مثل غربان سود- 2005» وأخيرًا «لا شىء يدلّ» الذى صدر بعد وفاته بعام فى 2010، ثم التفتت الهيئة العامة للكتاب بضغط من أصدقائه ومحبيه، فطبعت «ديوان محمد صالح» الذى يضم مجمل أعماله فى العام 2014.
ويعتبر محمد صالح «الراحل منذ سبعة عشر عامًا» من أكثر شعراء قصيدة النثر المصريين وعيًا بدور الشاعر وقدرته على رؤية العالم، فهو راهنٌ معاصر لكنه لا يفتقد الحس الوجودى الفلسفى وأحيانًا العبثى، ذاتى تمامًا لكنه مهموم بالشأن العام دون أن ينخرط مباشرة فى السياسة، وهو ينطلق من ذاته الفردية ومن موقعها الهامشى المتفرج على العالم، وفى الوقت نفسه يفسح للآخرين أن يدخلوا قصائده برحابة العرّاب، وهو وإن كان يبدو غير مُبالٍ فى الظاهر إلا أنه يتعامل مع العالم بحزن شفاف يشى بأنه «ابن موت»، ليس من هذا العالم، وإن كان قدره أن يتصالح معه هو الغريب فى شتاء الغربة، كأنه مطرود إلى المنفى.


لم يختلف محمد صالح شاعر التفعيلة كثيرًا عن محمد صالح المنحاز إلى قصيدة النثر، فقد كان فى قصيدة التفعيلة خافت الصوت لا يراهن- مثل معظم أبناء جيله- على التقنيات الشائعة من بحر المتدارك ولا يعتمد العاطفية المفرطة التى تخفى فى الغالب الأعم نقصًا فى المعنى وفى الحمولة الشعرية وضبابية فى رؤية العالم جماليًا، ولا يلجأ إلى التهويم مستندًا إلى التفاعيل الدوارة المتلاحمة ليثبت أنه صاحب نفس شعرى طويل.. لا، محمد صالح لم يكن مهتمًا ولا راغبًا فى إثبات أى شىء لأىّ أحد، كان مسكونًا بهاجس القول الشعرى الصافى وشجن الشاعر «ابن الموت»، منحازًا إلى تصور جمالى بسيط بعيد عن التعقيد أو الرغبة فى البناء والتركيب، فهو يرى أن الشعر ابن الصدق وليس ابن الألاعيب والرطانات، ابن الحال الذى يستغرق الشاعر وليس ابن المدارس البلاغية وإن تصارعت واختلفت.
ومن هنا كان هامسًا خافتًا منحازًا إلى كل ما هو هامشى، وشغوفًا برؤية ما وراء العادى من تيار الحياة المتدفق بنا وحولنا، ويمكن القول إنه كان أمينًا لإرث الشاعر الكبير الراحل صلاح عبدالصبور وتوجهه فى الكتابة، كما يمكن ملاحظة عدد من السمات المشتركة بين الشاعرين، وإن كان السبق بالطبع لعبدالصبور، فالمنحى الشجنى وليد الاغتراب نفسه بين الشاعرين، وذلك الحزن الشفيف الذى يفصح عن نفسه بين الكلمات فى القصائد نفسها بين الشاعرين، والالتفات إلى التفاصيل اليومية وإبرازها، فضلًا عن الانحياز إلى شخوص وأفراد من المجتمع وتصعيدها إلى مستوى الرمز، ووضوح الهم الاجتماعى والسياسى وراء الالتقاطات اليومية، كل هذه السمات تجعل من الشاعر الراحل محمد صالح امتدادًا طبيعيًا لصلاح عبدالصبور دون أن يعنى ذلك ذوبان صالح فى عالم عبدالصبور المترامى، وهنا تتجلى شاعرية محمد صالح الذى أفصح عن عذوبة تسم أعماله وتمنحه التفرد ضمن هذا الطريق الواسع الذى عبّده وأضاءه صلاح عبدالصبور.

ولننظر مثلًا فى ذلك التوجه الجمالى بين قصيدة لعبدالصبور «رحلة فى الليل» من ديوان «الناس فى بلادى» وقصيدة لمحمد صالح «مساء جميل» من ديوان خط الزوال..
يقول صلاح عبدالصبور: «الليل يا صديقتى ينقضى بلا ضمير/ ويطلق الظنون فى فراشى الصغير/ ويثقل الفؤاد بالسواد/ ورحلة الضياع فى بحر الحداد/ فحين يقبل المساء، يقفر الطريق / والظلام محنة الغريب/ يهب ثلة الرفاق، فُضّ مجلس السمر/ «إلى اللقاء»- وافترقنا-/ نلتقى مساء غد/ «الرخ مات- فاحترس- الشاهُ مات» لم ينجه التدبير، إنى لاعب خطير/ إلى اللقاء- وافترقنا- نلتقى مساء غد/ أعود يا صديقتى لمنزلى الصغير/ وفى فراشى الظنون / لم تدع جفنى ينام.
ويقول محمد صالح فى «مساء جميل»:

هذا مساءٌ جميلٌ/ يمتِّعُنا/ ويعود بنا لسنين انقضت/ وعوالمَ لم يطأِ الناس!/ السماء تَشَكَّلُ قنينة أُفرغتْ/ واستراح الندامى إلى مائها: جدَّفوا/ واستعاذوا/ ولكنَّ مسًّا من الماء قد صادف القلبَ!/ يفتح واحدُهُم عينهُ.. فيرى- الآن- أبعدَ/ يرتجُّ فى مائه حجرٌ../ فتقوم الشياطينُ!/ هذا مساءٌ جميلٌ/ يعود بنا لسنين انقضت/ وعوالم لم يطأ الناس/ السماء تَشَكَّلُ قنينةً أُفرغت/ واستراب الصحابْ:/ رُبَّما هذه الخمر زائفةٌ!/ هل يطول بهم كل هذا الكرى../ ليفيقوا على صحوها!/ أيهذا المساءُ استرحْ فى فؤادى / وقَرْ/ لا مفر/ بالغٌ كل شيءٍ مداهْ/ السماء تشكل قنينةً/ فرغ الشاربونَ / وما عاد غير التماع الزجاجِ/ وغير التوحش/ والإنشداه!

سنوات الغربة الطويلة تركت فى نفس الشاعر محمد صالح جراحًا غير مرئية، وجعلته مسكونًا بالغضب والمرارة والشعور الدائم بالاغتراب، وهو ما تجلى فى جميع دواوينه، وربما يشكل هذا التكوين الانفعالى الغاضب الممرور الذى يسعى الشاعر باستمرار للسيطرة عليه، أحد القواسم المشتركة مع صلاح عبدالصبور، ولو قارنا مثلًا بين قصيدة الناس فى بلادى لعبدالصبور وقصيدة الوطن الجمر لصالح من ديوانه الأول، لوجدنا نفس المناخ الغاضب من الناس وللناس، التائق للتغيير دون أن يجد مسار التغيير، يقول فى قصيدة «المشهد من قطار»:
هذه الأرض أكرهها وأهيم بها / إنها سقطة العاشقين وهم يشهدون النهايات/ ها أنا أنكرها تارة/ وأحايين أزهى بها/ وهى فى غرف الآخرين/ وها هى ساعة تخبو المساحيق/ تأتى إلىّ/ وتأخذنى عنوة/ ليس لى من خيار/ وهل يملك العاشقون؟
إن مظاهر الحزن والقلق والاغتراب التى تعبر عنها حيرة الشاعر فى علاقته المزدوجة بين الحب والكراهية تجاه مجتمعه، كانت ملمحًا بارزًا عند صلاح عبدالصبور، كما كانت تيمة شعرية تعبر عن ذلك الوعى المنتمى والمنقسم شعوريًا لأنه لا يجد الطريق للتغيير، وهو ما عبر عنه عبدالصبور فى قصيدته الشهيرة «الناس فى بلادى» بقوله:
«الناس فى بلادى جارحونَ كالصقورْ/ غناؤُهم كرجفةِ الشتاءِ فى ذُؤَابَة المطرْ/ وضحكُهم يِئِزُّ كاللّهيبِ فى الحَطَب/ خُطَاهُمُ تُرِيدُ أن تَسُوخَ فِى الترابْ/ ويقتلون، يسرقون، يشربون، يجشأُونْ/ لكنهم بَشَرْ/ وطيِّبُون حينَ يَملِكونَ قَبضَتَى نقودْ/ ومؤمنون بالقدر».
لكن محمد صالح سرعان ما يتخلى عن هذه الغنائية الشفيفة وعن الحزن البادى وعن الانفعال المباشر، عندما يتحول للكتابة ضمن قصيدة النثر وجمالياتها، وسنجده يستبدل الوصف المحايد المشحون بالغنائية، كما يستبدل الدهشة الناتجة من تجاورالعناصر المتناقضة بالانفعال المباشر، لكنه لن يتخلى عن الهم العام والوعى بدور الشاعر الحالم بعالم أفضل.

القصائد النثرية الخمس التى نشرها محمد صالح فى خط الزوال، أوضحت لحد كبير الطريق الجمالى الذى سيسير فيه الشاعر حتى اكتمال تجربته فى العام ٢٠٠٩، وكأنه عندما توقف عن الغنائية والإنشاد فى قصيدة التفعيلة، لم ينتقل إلى قصيدة النثر تماشيًا مع الموضة «حيث كان الواقع الثقافى المصرى بالفعل يشهد انفجارًا كبيرًا لقصيدة النثر وعشرات الدواوين الصادرة لشعراء شباب يرفضون كل من سبقهم ويتطلعون لمرجعيات عربية وعالمية فى القصيدة عمومًا»، لا، كان انتقال محمد صالح إلى قصيدة النثر وليد دراسة واحتشاد ومتابعة من شاعر حقيقى يبحث عن معادلته الجمالية الخاصة، ومن ثم لم ينتقل إلى قصيدة النثر- كما فعل آخرون من جيله- بتقنيات وألاعيب وممارسات قصيدة التفعيلة، وقد رأينا شعراء يكتبون قصيدة النثر بآليات قصيدة التفعيلة وتقنياتها، بما فى ذلك الإنشاد والطرطشات العاطفية والانفعال الزائف.

فى قصيدة بعنوان «انتظار» يقول محمد صالح:
«وضعها فى حسابه
الأشياء الغريبة التى تحبها
الأصباغ
والملابس الداخلية
وأن يظل الباب مفتوحًا
وضع صورتها فى الإطار
وفى الخلفية تمامًا وضع الموسيقى
وجلس ينتظر».
«حياة عادية، ص ٤٢».
النص المتقشف هنا، يترك للقارئ استكمال الفراغات والمساحات البيضاء، أن يضيف ويفسر ويكمل المسكوت عنه لدى الشاعر، من هى تلك الشخصية التى ينتظرها الشاعر؟ أهى الزوجة الغائبة أم الحبيبة القديمة؟ أهى المعشوقة المنتظرة فى الموعد؟ أهى شخصية على قيد الحياة أم متوفاة؟

هذا المناخ من الغموض والتشويق والمفتوح على الأسئلة وخيال القارئ، إحدى أهم الأدوات الجديدة التى اعتمدها محمد صالح فى مرحلته الجمالية الثانية، مرحلة قصيدة النثر، فهو على العكس من أبناء جيله الذين كتبوا قصيدة النثر، قرر أن ينتخب لنفسه مجموعة من الأدوات والتقنيات الكتابية، ستظل ترافقه حتى قصائده الأخيرة، كما انتقل واعيًا مختارًا من موقع المنشد الحزين «صلاح عبدالصبور»، إلى موقع المراقب غير المشارك، أو كما أسميناه «المتفرج على الحياة» وتيارها المتدفق بالناس والشخصيات والأحداث.
الموقع الجديد الذى اختاره لنفسه محمد صالح، فرض عليه أسلوبية جديدة، قوامها الإيجاز والتكثيف لصالح الخيال، دون أن يفقد جمرة المعنى، والأهم الوعى بمجال الكلمات على الصفحة البيضاء، وتوظيف الصمت بين العبارات والإمساك بالأصوات المكتومة بين العبارات الشعرية الظاهرة، كأن محمد صالح قرر أن يكتب قمة جبل الجليد فى قصائده وأن يترك الجسم الأكبر لجبل القصيدة محتشدًا فى فراغ الصفحة الأبيض وفى الصمت البليغ الذى يمكن تأويله من خلال القراء والنقاد.
فى قصيدة بعنوان «الغرباء» يقول محمد صالح:
أولئك الجوالون المقطوعون،
المخبولون
والهاربون من مصارعهم
الذى كان يستضيفهم أبى
يخلع عنهم خرقة بعد خرقة
ويسامرهم
من لهم الآن؟.
«خط الزوال، ١٤٦».

لم يفصح الشاعر لنا عن رحيل الأب مثلًا، ولم يشر إلى تهدم الدار الجامعة فى تلك الضاحية البعيدة، ولم يكشف عن موقعه من هذا الانهيار البادى، القصيدة تتناول طقسًا ما من الكرم كان يتم تجاه مجموعة من المتصوفة أو المجاذيب الجوالين، وكان الأب عماد هذا الطقس، لكننا الآن أمام حالة من المعاناة والحاجة تحيط بأولئك الجوالين الغرباء المقطوعين، ونحن القراء مدفوعون بالتعاطف مع هؤلاء المقطوعين الجوالين من خلال الإجابة عن سؤال ختام القصيدة، «من لهم الآن؟» لكننا تلقائيًا ونحن داخل عملية التفكير والتخيل حول مصير هؤلاء الغرباء، لا بد أن نستكمل- كل حسب خياله وانفعاله بالنص- جسد القصيدة وتفاصيلها الغائبة فى الصمت، فى الفراغ بين السطور والذى تشير إلى طرف منه سطور القصيدة، وهذا هو ما أعنيه بقدرة الشاعر على توظيف الفراغ والصمت فى صناعة جسد القصيدة، وهذا اختلاف كبير فى الإنشاء بين الشاعر المغنى المنشد والعارف كل شىء وبين شاعر قصيدة النثر المكتفى بالمراقبة والمعتمد التكثيف والوصف وتوظيف أدواته من الكلمات والصمت معًا.

عديد من شعراء قصيدة النثر ممن وفدوا إليها من بلاد الشعر التفعيلى، لم يحاسبوا أنفسهم بقسوة، ولم ينتقدوا مشاريعهم، ولم يستخدموا الحذف والاستبعاد فى مواجهة شهوة الثرثرة غير المسيطر عليها وكذلك الاستسلام لما هو معتاد من طقوس الكتابة والانفعال، وكأن طقس الكتابة والانفعال مقدس فى ذاته لا يأتيه الباطل ولا التقليد أو الاجترار أو التكرار.. يحدث ذلك لأن الشعراء يرأفون بأنفسهم ويطالبون المتلقى بالرأفة بهم، ويدللون أنفسهم ويطالبون المتلقى بالغفران لهم، ولا يرتكب مثل هذه الجرائم الفنية إلا العجزة من الشعراء، أما الأصلاء منهم فيتعاملون مع القصيدة تعامل الزمن مع الإنسان ولا ينتظرون من القراء إلا ما ينتظره الملك من منافسيه: الاغتيال أو الاستسلام.
ما نريد أن نذهب إليه أن محمد صالح وهو من الشعراء الأصلاء فى تيار قصيدة النثر المصرية، فطن إلى ما يريده من القراء، الإجهاد والاجتهاد ليلحقوا بالنص، فهو لم يرد متلقيًا يشبه قارئ صحيفة الصباح، يعرف ما بها من أخبار ويلقيها فى أقرب سلة قمامة، بل أراد قارئًا يحفظ القصيدة ويستدل بها على محطات حياته وتقلبات زمنه ومواجهاته مع الآخرين فى محيطة، أراد قارئا متشبثا مؤمنًا تابعًا لا يفرط فى الكلام من شىء.. محمد صالح أراد قارئًا متفاعلًا يستكمل قصائده بخياله ومن ثم يصبح راوية لنصوصه النثرية وعباراته.
ومن أجل أن يصل محمد صالح لمبتغاه، كان عليه أن ينصب الفخاخ للقراء ليوقعهم فى الأسر، وأصعب أنواع الأسر، أسر المحبين التابعين، وستجده دائمًا يقدم الطعم للقراء حتى يواصلوا القراءة أو يواصلوا التخيل فى اتجاه استكمال القصيدة، كما لو أنه يكتب سطور القصيدة على مسافات متباعدة ويترك للقراء أن يكملوا الأجزاء الغائبة من جسد القصائد بين السطور، يقول فى قصيدة معبرة عن حالته بعنوان «ارتجال»:
المخرج وحده غاية فى التمكن
المخرج وحده يختار النجوم
إنه يصطفيهم اصطفاء
ويصنعهم
والمخرج وحده
له هذه الخبرة الطويلة
فى تحريك المجاميع
إنهم موجودون دائمًا
فى خلفية كل عرض
والمخرج وحده
ينتظر اللحظة المناسبة
كى يرفع عنهم الستار
ويضعهم فى مواجهة الجمهور
إنهم جميعًا عرائس فى يديه
النصوص لا تهم
وعادة، لا يكون هناك نص».
«حياة عادية- ص ٥٧، ٥٨».
نعم يتعامل محمد صالح مع الكلمات تعامل المخرج مع أبطال فيلمه، ويتعامل مع القصيدة كما يتعامل مع الاسكريبت، ليس مهمًا أن يكون لديه موضوع يحكى عنه، لكن المهم أن يكون لديه أبطال ومجاميع يستطيع أن يديرهم فى مكان ما؛ ليكون هو الصفحة البيضاء، وعندما يطمئن إلى المشهد كما رآه فى خياله، يستطيع تسليم الأبطال والمجاميع إلى الجمهور أو القراء.
ليس لدى محمد صالح فى الغالب الأعم موضوع للكتابة، لكن لديه قدرة على اصطفاء لحظات من الزمن ومشاهد من الحياة ونزعها من سياقها ووضعها أمام القراء ليتأملوها ويستكملوها ويتفاعلوا معها، وهذا التقليد الكتابى ليس سهلًا على الإطلاق، فلا يمكن نزع أى مشهد لحظى من الزمن ووضعه على الورق، إلا لو كنت تتمتع بحكمة الكهنة البوذيين العابرين للزمن، الذين اخترعوا قصيدة الهايكو واعتبروها ممارسة روحية ودينية، قبل أن تتحول لشكل شعرى بأوزانها الصارمة وكلماتها المعدودة والمفتوحة على فصول السنة، هكذا محمد صالح بسكينته التى تشبه رهبان البوذية، وهدوئه الذى يخفى توتر بركان تحت السطح، يمارس الكتابة ثم يرقص رقصة الاستغناء عن الزوائد والترهلات؛ ليصل إلى ما يراه من جوهر للقصيدة كما يتصورها، وكما يريد لها أن تستمر فى أذهان القراء.

لا أدرى لماذا شاع عندنا فى مصر نموذج الشاعر الصعلوك كاختزال لصورة الشاعر فى المجتمع، رغم وجود أحمد شوقى أميرًا للشعراء، وهو الوجيه المثقف صاحب الرؤية الجمالية والاجتهاد، والذى سعى إلى تطوير القصيدة العربية الحديثة وسبق إلى كتابة المسرح الشعرى؟
ولا أدرى لماذا شاع عندنا فى مصر نمط الشاعر المنفعل المتواجد المغرق فى العواطف، «الطرطشات العاطفية كما أسماها الناقد الراحل محمد مندور»، وكأن هذا النموذج الدعىّ تعبير عن الصدق الشعرى، والصدق الشعرى منه براء، وإذا كان هذا النموذج يمتلك أسباب الرواج فى القصيدة التقليدية والتفعيلية «السماعية- الشفاهية»، فكيف يمتد تأثيره للقراء فى هذه اللحظة الراهنة التى تهيمن عليها قصيدة النثر وتشكل أفقها الجمالى؟
أخشى أن تكون إجابات التساؤلين السابقين، دليلًا على كثرة التقليد والاتباع، وإلى هيمنة الرجعية الشعرية وهى سماعية شفاهية بطبعها، على كثير مما يُكتب من قصائد، لكن ما يهمنا هنا فى هذا السياق أن شاعرنا محمد صالح، كان فى طليعة الملتفتين إلى فخاخ الموروث، وكيف أن التراث ليس متعلقًا بالكتب الصفراء والنصوص التى يتجاوز عمرها مئات السنين، بل إن الموروث يتعلق بكل تقليد، حتى لو كان تقليدًا لنص معاصر، وأن الشاعر- أى شاعر- عليه أن يتقدم إلى العالم وإلى القراء بمسوغات جمالية تبيح له أن يكتب ما يدعى أنه قصائد.
كان محمد صالح فى إسهامه ضمن قصيدة النثر، من أكثر الشعراء حرصًا على التمكين لآليات الكتابية فى القصيدة مقابل «الشفاهية الغنائية» و«الإنشاد الذى يخاطب الأذن لا الخيال»، كما كان من الشعراء الذين أدركوا أن الدهشة تولد من مفاجأة القارئ أنه قادر على استكمال القصيدة مع استعذابها فى الوقت نفسه، وأن التذوق للقصيدة مرتبط ارتباطًا شرطيًا بتفاعل القراء بخيالهم مع المسكوت عنه بين السطور.
ولم يكن للشاعر الراحل محمد صالح أن ينجز فى أعماله الشعرية المعدودة مثل هذا الأثر لولا امتلاكه الوعى الجمالى الذى يخصه وللتقاليد الجمالية المنحازة إلى الكتابية على الشفاهية، وتقديم قراءة القصيدة على سماعها، يقول فى قصيدة بعنوان «صيد الفراشات»:
«من أين جاء الخاطر المُرّ؟
إنه منذ ما يعى
ينتهى حيث بدأ
وإنه لن يعثر عليها أبدًا؟
«صيد الفراشات- ص ٣٢»
هذا السؤال المفتوح ابن التقاليد الكتابية لا يمكن التفاعل معه عبر السماع، ولكن يمكن التفاعل معه ومحاولة الإجابة عنه عبر القراء اليقظة المنفتحة على الخيال، فسؤال محمد صالح يفتح قوسًا من الأسئلة المتواترة حول عبثية السعى وفشل المسعى، على من يعود الضمير فى القصيدة؟، أهى القصيدة أم الحبيبة أم الحياة أم نفس الشاعر الذى يجتهد طوال عمره ليتصالح معها من أجل أن يعرفها وأن يحيط بها؟
وفى قصيدة أخرى بعنوان «بعد فوات الأوان»، يقدم محمد صالح صورة مدهشة تظل عالقة بالذاكرة منفتحة على خيال القراء وعلى تجاربهم المشابهة، يقول:
«كانت قد ماتت
لكنه ظل يغمز لها بعينيه
حتى انفرجت أساريرها
وافترت شفتاها
عن ظل بسمة»
«مثل غربان سود- ص١٦»
كما يوظف محمد صالح خبراته الكبيرة على مدى عقود فى التحرير الصحفى، ليدحض المقولة الشائعة بأن الصحافة تلتهم موهبة الشعراء، ويحقق رؤيته فى الاختزال والتكثيف دون أن يفقد المعنى، وها هو يمسك بزمنه المفقود من خلال الكتابة المشهدية القصصية التى تشير إلى عالم متكامل ماض، لكنه ما زال يلقى بظلاله على حياة الشاعر ويدفعه للحركة فى مسار النوستالجيا، ومن هذه القصائد المشهدية، قصيدة «ولد وبنت» فى ديوان صيد الفراشات، والتى تنقسم إلى أربعة نصوص/ مشاهد قصيرة، لكنها تكون معا عناصر قصة رومانسية للحظات قديمة فقدناها وما زالت تحركنا تداعياتها، يقول فى قصيدة البنت:
«يدين لها بكل شىء
الوردة فى الكتاب
والرسائل
التى بيد مرتجفة كان يدسها
ولفح أنفاسه
وبرتقال بشرتها»
ويقول فى قصيدة «العربة»:
لم يكن الحوذى وحده
فحتى المهرة كانت تتطوح
النسوة خليط مترجرج
من الثياب والأثداء والعصائب
وغنج فائح.
«صيد الفراشات- ص ٢٣-٢٤»
هذا هو مذهب محمد صالح فى بناء المشاهد المفتوحة وقصص الزمن التى تدعو القراء بعد تجاوز مرحلة الدهشة إلى معاودة القراءة مرة بعد الأخرى من أجل الإمساك بالخيوط ونسج المشاهد الكائنة فى الفراغات بين النصوص، تمهيدًا لاستكمال القصص الكاملة التى غالبًا ما تكون بعيدة عن حقيقة النص أو حقيقة ما يقصده الشاعر، لكن الحقيقة هنا جمالية أمينة لوجود واحد هو الخيال الخلاق لدى كل قارئ على حدة، لكأننا هنا أمام برهان إضافى واضح على طرح رولان بارت، بأن القارئ هو المؤلف المشارك فى كل مرة يتصدى فيها لفعل القراءة.







