الأحد 13 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

الشاعر متفرجًا على الحياة.. من قصائد محمد صالح

حرف

سكُة البحر

على طول الطريق من البحر

تأتى جموع الصبايا

بجرار مرفوعة على الرأس

صبايا بأعناق طويلة

وقدود فائرة

بجرار بيضاء

وجرار بيضاء

بلطخات حمراء

ثمّ على طول الطريق

صبايا ووشوشات

وضحكات منطلقة

وثمّ فضوليون وعشاق

على هذه الطريق

كمن أبى لأمى

وضع الجرة عن رأسها

وحملها إلى الدار

لا شىء يدل

لا شىء يدل عليها الآن

ربما كانت هنا

ربما كنا نصعد إليها

على درج خشبى

ينتهى بشرفة مكشوفة

تبدأ من عندها الحقول

وتمتد إلى آخر ما نرى

هل تعلمت شيئًا

فى مدرستى الأولى

ومتى تركتها لأتعلم

تحت سماوات من رصاص؟

لا أذكر

أذكر للآن المدى الأخضر

لا شىء يدل الآن

الموتى

منذ صارت المقابر أحد أحياء المدينة

وهؤلاء الموتى لا يكفون عن إثارتى

أمس

خدعنى أحدهم أيضًا

قال إنه رتب كل شىء

وأنه يتحدث عنهم جميعًا

وناولنى صكوكًا مذيلة بتوقيعات وأختام

الصكوك الصفراء اللعينة

التى يتركها الموتى عادةً

وقبل أن أجد الكلمة المناسبة

كان قد تحصن فى ابتسامته الراضية

ومات

مثلما يفعل عادةً

هؤلاء الذين أراحوا

ضمائرهم

النساء

كن يأتين فى الضحى

بصحبة أطفالهن المعلولين

يعبرن القنطرة الخشبية

ويمشين بخطى متوسلة

إلى الِبركة فى مواجهة الضريح

وعندما يؤذن لصلاة الجماعة

كن يلقين بالأطفال فى الماء

ثم يخلعن عنهم الملابس الصغيرة الملونة

ويتركنها على الشاطئ هناك

قبل أن يضعن النذور

ويتبركن بالمقام

وكان يتعين عليهن

أن يفعلن الشىء نفسه لأسابيع

وكنا نذهب إلى هناك لمشاهدة النساء

ونرى الأطفال يتعافون

أسبوعًا بعد أسبوع

الغبار

كان هناك دائمًا

النافذةُ موصدة

لكن ضوء الغرفة يلوح

من بين خصاصها

ضوء الردهة أيضًا

كان يتسللُ من تحت الباب

ويستقر على أحذيتنا

لكن الباب ظل موصدًا

مسحنا الغبار عن صفحته

وكتبنا أسماءنا

وفى المرات التى أعقبت

كانت رسائل أخرى قد تُرِكت هناك

وكان ضوء الردهة يزداد سطوعًا

ينفذ من شقوق التراب

ويلتمعُ فى ارتعاشات مذهبة

على ستراتنا وكنا نسمعه بالداخل

يتجول وحده بين الغرف

لكن الباب ظل موصدًا

والرسائل الكثيرة التى تُرِكت هناك

يغطيها الغبار

المدينة

على حافة الصحراء

ينشئون كل يوم مدينة

الذين أرهقهم ما انتهى إليه حال

مدينتنا،

الذين تعنى المدينة لهم شيئًا

هم أول من يهرع إلى هناك

يعجبهم أن المدينة الجديدة 

تبدأ من حيث انتهت سابقاتها 

الشوارع واسعة 

والسيارات قليلة 

والنساء فى الشرفات

أن ما ضاع منهم.

قد سبقهم إليها 

الطيور 

والأشجار فى المداخل،

والشمس على الواجهات

وأن بوسعهم الآن أن يتأملوا

بعمق أكثر 

مأساة المدينة التى غادروها 

الذين يعرفون أن البدايات شىء 

وأن النهايات شىء آخر 

أن المدن تتغير عادة 

وأن الطيور للذبح 

هؤلاء يغتنمون هذه اللحظة

ويفرون من المدينة  

حياة أخرى

لو حدث هكذا

يكون شيئًا حسنًا

تفتح الباب وتجدنى

باب الشرفة مفتوح

الشمس فى منتصف الصالة

وأنا مستلق هناك

وساقاى بطولهما

على الطاولة

الكتاب فى حجرى

وإلى جوارى سجائرى

السفر

كانت المدينة التى علم بها طوال الوقت.

وهكذا لم يتوقف

وعبثًا حاولت أن أحكى له

ولو بعض سيرتها

لا بد كانت المدينة

التى يحلم بها

أجل طوال الوقت

ترانزيت 

مدينة بعد أخرى 

ونحن ننتظر 

نحن ولعب الأطفال

وحلى النسوة وأوجاعنا 

وهم يسوقوننا إلى هناك

نزلنا فى مدن كثيرة 

اشترينا منها 

كل ما نحتاجه للوطن 

فى مديح الخالة

كان لا يزال طفلًا

عندما ماتت خالته

وذهب مع أمه إلى هناك

ورأى الناس تبكى

وفى غمرة انفعالهم

بكى طفلى أيضًا

وحمل معهم الجسد المسجى إلى هناك

ثم وقف بينهم والدموع فى عينيه

يتلقى العزاء

كان الخلاء شاسعًا

سمع عويل النسوة

على البعد

وبدا طيبًا

أن يشد كل هؤلاء

على يده

وعندما عاد من هناك

كان طفلى أكبر