راحتى تسع ألف قيثارة.. مختارات جديدة لـ«لوركا» بترجمة أحمد حسان
- ما يميز ترجمة أحمد حسان أنه لا يريد شيئًا لنفسه
- لا يبحث عن تعويض.. وليس لديه وهم خلق النص من جديد
لا أظن أن شاعرًا إسبانيًا حظى باهتمام فى الثقافة العربية مثل الشاعر فيدريكو جارسيا لوركا «1898-1936» شاعر الروح المبدع «الدويندى»، ربما يرجع ذلك بدرجة ما إلى تاريخه النضالى فى مواجهة الفاشيست واغتياله فى سن مبكرة، ما أضفى عليه هالة أسطورية، فقد تم اغتياله وهو فى ذروة عطائه الشعرى والمسرحى والتشكيلى والموسيقى، نعم، كان لوركا مشغولًا بدرجة كبيرة بالفن الشعبى الإسبانى «الفلامنكو القديم» أو الغناء العميق، وكذلك بالتراث الغجرى والحضارة الأندلسية، كما كان من أبرز الأسماء فى جيل 27 الشعرى ومن طليعة السورياليين، لكن المؤكد أن ذيوع لوركا فى الثقافة العربية إنما يرجع قبل كل شىء إلى موهبته الاستثنائية ونزوعه إلى التجريب والتجديد، مع وعيه بموطئ قدميه فى تراث غرناطة مهد الحضارة الأندلسية وعلامة التنوع الثقافى والتسامح فى أوروبا القرون الوسطى.

ومنذ أن قدم لنا الدكتور على سعد كتابه «لوركا شاعر إسبانية الشهيد» عام ١٩٥٤ عن دار المعجم العربى بلبنان، والذى تضمن أول دراسة معمقة عن حياة وتجربة لوركا الشعرية والمسرحية، وملحق بها ترجمة كاملة لمسرحيته «عرس الدم»، توالت الترجمات لقصائد لوركا ومسرحياته ورسائله ونظراته النقدية، فقد تلقف صلاح عبدالصبور الكرة من على سعد وكتب مقالًا طويلًا عن شاعر إسبانيا فى مجلة صباح الخير عام ١٩٥٦، ثم أتبع ذلك بترجمة مسرحية «يرما» بالاشتراك مع وحيد النقاش عام ١٩٦٤ وفى العام نفسه كان عبدالرحمن بدوى يقدم ثلاث مسرحيات للوركا «عرس الدم- يرما- الإسكافية العجيبة»، وينشر عدنان بغجاتى فى دمشق أيام الجمهورية العربية المتحدة كتابه المهم «مختارات من شعر لوركا» والذى تضمن لأول مرة محاضرة الشاعر الإسبانى عن «الروح المبدع وعمله» ليأتى أحمد حسان ويعطيه زخمًا خاصًا بعد أن أعاد إليه مسماه الأصلى المرتبط بالغناء العميق «الدويندى».
مترجمون كبار تصدوا لأعمال لوركا بعد ذلك، خليفة محمد التليسى نشر «الديوان الكامل» للوركا ١٩٩٢، وماهر البطوطى قدم «لوركا شاعر الأندلس»، و«شاعر فى نيويورك»، والآنسة روزيتا العانس أو «لغة الزهور»، و«مواويل الغجر»، وناديا ظافر شعبان التى قدمت للوركا «مختارات شعرية» و«لوركا فى مدينة الأسمنت- دراسات وقصائد»، لكن أحمد حسان وحده ظل مرافقًا للوركا طيلة سبعة وأربعين عامًا، منذ أن قدم مختاراته الشعرية الأولى عن دار الفكر المعاصر ١٩٧٩، واستمر ينشر قصائد متفرقة من مختلف أعماله فى الدوريات، ثم الترجمة الأجمل لمحاضرة الروح المبدع وعمله أو بتعبير لوركا «الدويندى»، وبعدها قصائد لوركا فى نيويورك، ليهدينا هذا العام المختارات الشعرية المزيدة والمصحوبة بمجموعة من رسوم الشاعر تنشر للمرة الأولى بعنوان «راحتى تسع ألف قيثارة- يليها الدويندى» فى نحو ٣٤٠ صفحة من القطع المتوسط، عن دار ساراى للثقافة والفنون.


ما يميز ترجمة أحمد حسان عن أى ترجمة أخرى للوركا، أنه لا يريد شيئًا لنفسه، لا يبحث عن تعويض، لا يريد أن يظهر فى النصوص التى يترجمها، ليس لديه أوهام أن يخلق النص من جديد على شاكلته، وأن يفرض عليه ذوقه وفهمه وطريقة تفكيره باللغة، لا يريد لنفسه أسلوبًا يُشار إليه، وإنما يتبع النص بمحبة من أقصر الطرق وأيسرها، هذه المحبة تفرض عليه أن يبحث فى كل المعانى الممكنة للكلمة والعبارة التى يترجمها ويختار الأنسب للمعنى الكلى للقصيدة، معتبرًا أن الاقتراب إلى أكبر درجة ممكنة مما يريد توصيله الشاعر، هو النجاح الأكبر للمترجم، وهو فى ذلك يبذل جهدًا كبيرًا فى انتقاء الكلمات لتبدو سهلة ومشحونة ومعبرة عن الجملة الأصلية وعن الشاعر، ولهذا كله يظهر أحمد حسان بوضوح فيما يترجمه من شعر، سواء هنا مع قصائد لوركا أو سابقًا مع بريخت أو نيكانور بارا، أو روكى دالتون ونيرودا وميجيل إرنانديث.. ومن قصيدة «مدينة بلا نوم»:
لا أحد ينام فى السماء..
لا أحد.. لا أحد
لا أحد ينام
مخلوقات القمر تفوح وتطوق أكواخها
ستأتى السحالى الضخمة
لتعض الرجال الذين لا يحلمون
ومن يهرب بقلب كسير
سيجد عند النواصى التمساح اللامعقول
هادئًا تحت احتجاج الكواكب الناعم
ومن قصيدة «رقص»:
كارمن ترقص
فى شوارع إشبيلية
شعرها أبيض وحدقتاها لامعتان
يا بنات
أرخين الستائر
حول رأسها تلتف أفعى صفراء
وتمضى حالمة فى رقصها
بخُطّاب من زمن آخر
بعيدًا عن الاستعراض

ما أكثر الممثلين والأدعياء على مسرح الاستعراض، نراهم مثل شخصيات بول أوستر فى «بلاد الأشياء الأخيرة» غارقين فى أوهام إثبات الوجود والقيمة طوال الوقت، ولو أن مترجمًا آخر نقل قصائد مثل «الزوجة الخائنة» و«مناجاة لملك هارلم» و«موال القمرة» و«مناجاة لوالت ويتمان» و«بانوراما عمياء لنيويورك»، و«مدينة بلا نوم»، بهذه العذوبة الآسرة والشعرية العالية التى تكاد تبكيك بعد قراءتها، لظل يطنطن فى الصحف والسوشيال ميديا عن عبقريته فى الاقتراب من روح لوركا ونقلها إلى العربية وسيكون لديه الحق، لكن أحمد حسان لا يفعل ذلك، بل ينكر بخجل أنه بذل مجهودًا فالمهم عنده أن الترجمة وصلت إلى أهلها والمهتمين من الكتاب والشعراء- أو بتعبيره هو «الكلام عجبك؟»، وفى حوار سابق مع أسماء يس لموقع مرايا ٢٠٢١ يقول حسان عن الترجمة: «أنا لست ترجمانًا، فى البداية كنت أعمل بمنطق نقل المعرفة التى تهمنى لمن أعرفهم.. ويهمنى أن يعرفوا ما أعرفه.. ولا أزال حتى الآن.. أترجم ما يوجعنى.. وما يخاطبنى، ثم أبحث عن طريقة لنشره، وربما لا ينشر.. ربما يرقد كتاب ترجمته فى الدرج ١٠ سنوات بلا نشر.. لا يهمنى».
من قصيدة الزوجة الخائنة:
وأنا الذى أخذتها إلى النهر
معتقدًا أنها عذراء
لكن كان لها زوج
كانت ليلة القديس سانتياجو
وبشعور بالواجب تقريبًا
انطفأت المصابيح
وأضاءت الجنادب
عند المنعطفات الأخيرة
لمست نهديها النائمين
فتفتحا على الفور
مثل غصنين من زهرة الياقوت
نشا تنورتها الداخلية
رن فى سمعى
مثل قطعة حرير
تخدشها عشر سكاكين


بعد أن نشر لوركا «الديوان الغجرى» ١٩٢٨، وحقق شهرة واسعة فى العالم، أصبح من المعتاد أن نجد من يصفه من مترجميه العرب وغير العرب بشاعر الغجر أو الشاعر الغجرى، رغم أنه انحاز بوضوح إلى الثقافة العربية الأندلسية فى مقاطعة غرناطة التى ولد ونشأ على ثقافتها وتعدديتها.
وفى ديوانه «تماريت» انحاز لوركا إلى الأشكال العربية فى الموسيقى والشعر مثل الموشحات، كما كان من أشد المدافعين عن الهوية المتنوعة لغرناضة ودائمًا ما كان يشير إلى الحضارة المذهلة والماضى الثقافى لأجداده الأندلسيين، وفى إحدى قصائده يتحدث عن الدم العربى الذى يجرى فى عروقه، ورغم كل هذه المؤشرات لم يطلق عليه مترجموه ولو مرة واحدة وصف الشاعر العربى ولو من باب المجاز، بينما التصق به وصف الشاعر الغجرى لإصداره «الديوان الغجرى» واهتمامه بالفلامنكو القديم أو ما يسميه هو بالغناء العميق، والذى كان كبار مغنيه ومغنياته من غجر غرناطة.
يقول فى قصيدة «الأنشودة الليلية للبحارة الأندلسيين»:
من قادس إلى جبل طارق
ما أطيب المجرى
البحر يعرف مرورى
بالتنهدات
آى يا فتاة، يا فتاة
ما أكثر السفن فى ميناء ملقا

من قادس إلى أشبيلية
ما أكثر شجيرات الليمون
بستان الليمون يعرفنى
بالتنهدات
آى يا فتاة، يا فتاة
ما أكثر السفن فى ميناء ملقا


من أجمل الأشياء فى الطبعة المزيدة من مختارات لوركا الصادرة عن «ساراى» هذا العام، أنها تضم بعد الهوامش ملزمة من تخطيطات لوركا، التى تكشف كيف كان مهمومًا باختصار الأشكال والأشياء والأشخاص فى خطوط شديدة التكثيف والتعبير.
رسوم لوركا امتداد واضح ومغاير لصوره الشعرية الجديدة والمدهشة ولحدسه الدائم بالموت، حدس مصارع الثيران الذى أجهز على الكثير من الخصوم وينتظر الكارما ترتد إليه فى جنبه، محمولًا على قرنى الثور، تلك العيون الإسبانية الواسعة والأزهار التى تخرج من الرأس ودموع المهرج المختلطة بدموع القمر فى السماء أو تلك الرؤيا لسان سباستيان مطعونًا بالسهام ومرتديًا العمامة الغرناطية، لكأن الشاعر يتنبأ بمصيره، ولا أكثر من الموت حضورًا فى قصائد لوركا ورسومه، ومن قصيدة « تذكار»:
حين أموت
ادفنونى مع جيتارى
تحت الرمل
حين أموت
ادفنونى بين شجيرات البرتقال
والنعناع
حين أموت
ادفنونى إذا شئتم
فى دوارة ريح
حين أموت


كان الشاعر والمترجم السورى عدنان بغجاتى أول من نقل محاضرة لوركا الشهيرة عن روح الإبداع، فى كتابه «مختارات من شعر لوركا» ١٩٦٣، واختار له عنوانًا «مقالة فى الروح المبدع وعمله»، لكنها لم تحقق الذيوع والانتشار الذى حققته ترجمة أحمد حسان بعنوان «الدويندى» ونشرها بمفردها مطلع الألفية ثم أعاد ضمها للمختارات المزيدة التى بين أيدينا.
يحسب لأحمد حسان بالدرجة الأولى أنه اختار لمحاضرة لوركا اسمها الأصلى بالإسبانية، بما فيه من غموض وتشويق، يسعى وراءهما من يريد الوصول إلى الإحاطة بهما من خلال قراءة المحاضرة حتى الكلمة الأخيرة ليدرك فى نفسه التعريف الأكمل للدويندى دون القدرة عن التعبير عنه بالكلمات.

يمكن أن يكون الصدق الخالص جزءًا من هذا التعريف، ويمكن أن يكون الاندماج فى موسيقى الكون، ويمكن أن تكون الموهبة الإلهية وكفى، ويمكن أن تكون النغمة التى يستغنى بها الشاعر والموسيقى والرسام والراقص والمغنى والفنان عن العالم كله، وهو ما يفسر ما جاء فى المحاضرة على لسان الفنان الأندلسى قائلًا لأحد المهرة المتكلفين: «إنك تملك الصوت، وتعرف الأساليب، لكنك لن تنتصر أبدًا، لأنك لا تملك الدويندى»، بينما قال فى سياق آخر، عندما استمع إلى دى فايّا يعزف مقطوعته ليلية جنّة العريف: «كلُّ ما فيه أصواتٌ داكنة فيه دويندى»، وليس هناك صدقٌ أعظم.
استطاع أحمد حسان أن يترجم الجمل الملتفة والطويلة والجمل الاعتراضية والتعبيرات المجازية والصور الغريبة المستمدة من التراث الأندلسى برشاقة وبساطة مغوية، لندرك أن الدويندى هو لحظة الصدق المرتبطة بإدراك جوهر العالم، بإدراك مأزق الوجود أننا أموات داخل الحياة، أننا لا نستطيع استعادة اللحظات الجميلة الماضية لأننا لا نملك الزمن ولا نستطيع إيقافه، عندما تزول غشاوات التفاصيل والانشغالات عن عيوننا فى لحظات الكشف، لحظات الصدق المطلق التى نندمج فيها بالكامل مع موسيقى الكون وروح الأرض، لا نملك إلا التمتمة والبكاء من القلب على الورق أو على الجيتار أو أمام اللوحة البيضاء.
ولأننا لا نستطيع أن نحيا مع الدويندى طوال الوقت، لا نستطيع أن نكون فى تجربة الإبداع مندمجين مع موسيقى الكون ليلًا ونهارًا، فإن اللحظات التى نتصل فيها بقوى الأرض وننادى على أنفسنا بالغناء أو بالكلمات هى اللحظات الأكثر صدقًا ومن ثم الأكثر قدرة على الاتصال بالآخرين.
إنها لحظة الكشف، لحظة أن تدرك طريقك إلى الإبداع، وهو الطريق الذى يكون لك وحدك ولا بد أن يبدأ بهدم كثير من الأبنية والأشكال وإزاحة الركام عن قطعة ضوء مسجونة، أو كما يقول لوركا بترجمة حسان، «إنه يعطى إحساسًا بالنضارة غير معهودٍ تمامًا، له خاصية وردةٍ حديثة الخلق، خاصية معجزة، ويُنتج فى النهاية حماسًا يكاد يكون دينيًا».







