الثلاثاء 28 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

كلمةُ الشاعر.. من قصائد كريم عبدالسلام

حرف

«ستيلا».. البارُ الذى يُكلّم المجاذيبَ وأبناءَ السبيل والشعراء

منذُ آلاف السنين

كان هنا، بارٌ صغير لايزيدُ عن ستةِ أمتار 

اسمه «ستيلا»

وكان يحلو لروادِه من المقاطيعِ وأهلِ الله والشعراء

أن ينادوه بالمستنقع، 

حتى يضحكوا على انفعالاتِ عم خليل

حارسِ المكان

وروحِ البيرة 

اسمُه ستيلا 

قلتُ لكم ألفَ مرةٍ، الخواجةُ أسماه «ستيلا» 

سترون،

سترون جميعًا عندما تأتى الدنيا بوجهِها،

ثم يضع البيرةَ المثلجةَ ومعها أطباق الترمس والجرجير وشرائح الخيار 

على المناضدِ الملتصقة 

كل ثلاثاء، 

البارُ الصغير يفرح بقدومِ الشعراءِ وأبناءِ السبيلِ ومروّضى الحكايات 

ويبتسمُ للمشاحناتِ والاتهاماتِ والقصائد 

لديه أمل

ويرى المستقبلَ صالحًا للاستخدام 

مادام الملائكةُ والشياطينُ وأهلُ الله يبكون معًا 

على أنغامِ البراندى المغشوش والبيرةِ والأيام 

الأيامُ الغادرةُ، التى لم يحسب حسابَها «ستيلا»

جمدتَهُ فى مكانه، 

والترابُ يتراكم 

وعلى بعد خطواتٍ منه، تقف امرأةٌ عيناها سوداوان واسعتان

تنظران للأمام بما يكفى لابتلاعكَ، 

كأنها تريد أن تسند ظهرَها على الماضى 

ثم تنسابُ مثل قططِ المنطقة،

لتلحقَ بالملائكةِ والشياطينِ المحبوسين فى الداخل

مازالوا يغنون بأصواتهم الرديئة، ويصفقون

ويشتمون الزمنَ ابنَ القحبة

عفيفى مطر مايسترو يشير بيديه 

ومحمد سليمان يضع السجائر الكيلوباترا فى علبة الروثمان

وإبراهيم عبد المجيد يسأل أسئلتَه الماكرة

وأحمد الشيخ على وشكِ الانفجار 

ومحمد عيد إبراهيم يكتفى بضحكةٍ مجلجلةٍ

وأنا أبحثُ عن قصائدَ بريئةً قرأتُها على الفريسيين، والبيرةُ تنساب من عينىّ

مفلسٌ وظمآنُ وخجول،

أندفعُ من كُوةِ البارِ، وأسقطُ على مائدةِ العشاءِ الأخير

الحواريون كلهم يهوذا 

يعترفون بالخيانة، وينالون الغفرانَ قبل آخر جرعةٍ من البيرة

ويودعون المناضدَ الملتصقةِ، والمخبرينَ ذوى الشواربِ الكثّة والنظراتِ الانتقامية

ويتركون وراءهم ظلالًا

وضحكاتٍ برية

ونداءات.

مخطوطٌ قديمٌ لحكايةِ السُلحفاةِ والأرنب

الرعاةُ الذين يتفاخرون بالتهامِ قلوبِ الذئاب،

ويسنون خناجرَهم على صخورِ الجبلِ

شعروا بالملل

لأنّ الليلَ طويلٌ جدًا والنهاراتِ قصيرةٌ،

لا تكفى لرعى القطعانِ أو العزفِ على الناى

وسألوا النارَ التى يتدفأون بها : 

ما العملُ ؟

أغنامُنا تتمرّدُ علينا

ولأنَّ النارَ تعبتْ من حرقِ الأشواكِ و أغصانِ الأشجار،

نصحَتْهم بتنظيمِ سباقٍ بين السلحفاةِ والأرنبِ وقتَ الشروق

ولن يكونَ أمام النهارِ إلا الانتظار حتى انتهاءِ السباق

الرعاةُ قدموا العروض للسلحفاةِ أولا :

لن تكونى بطيئةً بعد الآن 

وستمتلكين ما كنتِ دومًا تحلمين به..

مهارةَ العَدْو والقدرةَ على الصيد

ورغم سرعتكِ المتزايدةِ وشراستكِ الجديدة

ستظلين رمزًا للمثابرةِ والكفاح 

أما الأرنبُ فطلبتْ أجنحةً أقوى من أجنحةِ الصقورِ والحدآت

ومن أجلِ ضمانِ اشتراكِها فى السباق 

حدد الرعاةُ جناحى النسرِ الذهبى، جائزةً للفائز

وعندما علم الليلُ 

اشتكى للنجومِ التى يسهرُ معها فى السماءِ الأولى

فطمأنته النجومُ : دعِ الرعاة يتعبون، وسنحددُ نحن خطَ النهاية

بل الشروق بقليل،

هبطتْ مجموعةٌ من بناتِ نعشٍ إلى الأرض على صورة كلاب برية 

ووجدتْ السلحفاةَ تحلم بأرجلِ الفهد وأنيابِ النمرِ البنغالى،

فألقتها على درقتِها والتهمتْ أحشاءَها

ومازالت درقتُها الصّلْبةُ فى الخطوطِ الأخيرةِ للسباقِ حتى الآن

ثم بحثتْ عن الأرنبِ 

لكنّ الأرنبَ، فى جحرها الرطب، كانت تراقبُ الكلابَ البرية،

من لحظةِ هبوطِها من السماء، و قَتْلِها السلحفاةِ الطموحة 

وحتى ظهورِ النهارِ فى الوديانِ وعلى قممِ الجبال 

وعندما تأخرَ الوقتُ،

وعجزتْ الكلابُ البريةُ عن العودةِ إلى بناتِ نعشٍ 

هربتْ باتجاهِ القطعانِ بحثًا عن فرائس

الأرنبُ سألتْ الرعاةَ عند خطِ النهايةِ: أين أجنحةُ النسرِ الذهبى

أين جائزتى؟

فأطرق الرعاةُ، وأشاروا إلى بقايا السلحفاة: 

سنحاولُ ترميمَ صديقتِنا المقتولة

وسرعان ما غادر النهارُ، 

وعاد الرعاةُ إلى النار حائرين....

النارُ طلبتْ أولًا عشرةَ خرافٍ سمينةٍ، حتى تستطيعَ التفكير

وبعد ساعات،

مَنَحَتْهم حكايةَ السلحفاةِ البطيئةِ المجتهدةِ،

والأرنبِ المغرورةِ السريعةِ الطائشة

وكيف فازت السلحفاةُ فى نهايةِ السباق..

اقرأوها على أغنامِكم صباحًا ومساءً

قالت النارُ للرعاةِ الحائرين

سمعتم ؟

صباحًا ومساءً

إلى أنْ تمضغَ الأحلامَ 

بدلًا من العُشب.

«الزارُ» من أجل الشّريفة.. الهواءُ تسلّل وقَبّل البابَ المقدّس

الشباكُ كان مفتوحًا على الصيف

والشريفةُ تحلم

والقمرُ بدرٌ

والنجومُ شاهدة

الهواءُ تسللَ من الشباك،

على صورةِ الغائب

والشريفةُ تحلم

قبّل البابَ المقدّسَ 

والشريفةُ تحلم وتَمَادى.. 

والشريفةُ تحلمُ، 

وتفتحُ ذراعيها وتحتضنُ وتتأوّهُ وتَخمُشُ وتعُضّ..

لا تبتعدْ مرةً أخرى

المقاعدُ يتيمة

والستائرُ ساكنة

والذكرياتُ على الشرفة 

وعندما استيقظتْ 

ابتسمتْ لنفسها فى المرآة

وأرسلتْ للغائبِ قلبًا أحمرَ

الشريفةُ، تَكَوّر بطنُها

السرُّ يتحركُ فى الأحشاءِ، ويركل بقدمة

أيها الهواءُ.. أيها الهواء

لماذا تسللتَ فى الحلم وقبّلتَ البابَ المقدس

لماذا تركتَ وراءكَ السرَّ لتفضحَ الشريفة 

«يا سيدى النبى

يا ست سافينا، يا أخت سلطان البحار السبعة

يا يورا بك يا أوكاشى باشا

تُمْ تُمْ

يا سلطان يا أحمر

يا ساليلا يا سيد الدير

يا رومى يا نجدى يا حكيم باشى

تُمْ تُمْ

يا سيدى عمرو

يا سيدى أحمد زيدان

يا أمير تادرس

يا شيخ العرب

يا سيدى المدبولى

يا مرسى يا أبا العباس

تُمْ تُمْ

يا أم الغلام 

انتشلونا من الكمد

أغيثونا بحق الصمد

تُمْ تُمْ

من أجلكم غنينا ورقصنا

من أجلنا زورونا

من أجلكم ضربنا على الدفوف

تُمْ تُتُم تُم تُم تُم تُتُم تُم تا»

العيونُ تَرْجُم الشريفةَ

والألسنةُ تهمس

من أين؟ والزوجُ غائبٌ منذ سنوات

والشريفةُ تُقسم بحياةِ الأولياء،

بدموعِها 

أنَّ الهواءَ العابثَ دخلَ من الشباك 

وتسللَ من بابِها المقدس

أين كنتِ يا شريفة

كنتُ أحلمُ وأحلمُ

والقمرُ كان بدرًا 

والنجومُ شاهدة

«يا سيدى النبى

يا سيدى أحمد زيدان

يا شيخ العرب

يا سيدى المدبولى

يا مرسى يا أبا العباس 

يا أم الغلام..

مروا الهواءَ العابثَ فى الليل

أن يخرجَ من بدنِ الشريفة

ومعه نطفتُه الغريبة

الذبائحُ حضرتْ

والقرابينُ مستعدة

مروا الهواءَ أنْ لا يتسللَ مرةً أخرى

ولا يُقبّلَ البابَ المقدّسَ

الشريفةُ مكسورةُ الجَناح

خذوا عليه العهودَ

ألا يقتحمَ أحلامَها

ألا يتشكلَ فى صورةِ الغائبِ

فتغلقَ عليه حضنَها الدافئَ

هل ترون دموعَها

هل ترون بطنَها المتكورَ

ويدَها الموناليزا تتحسس الجنينَ 

اقطعوا الألسنة

وأوقفوا الهمسات

حتى تمشى الشريفةُ مرفوعةَ الرأس

«يا سيدى النبى

يا ست سافينا، يا أخت سلطان البحار السبعة

يا يورا بك يا أوكاشى باشا

يا سلطان يا أحمر

يا ساليلا يا سيد الدير

يا رومى يا نجدى يا حكيم باشى

يا سيدى عمرو

يا سيدى أحمد زيدان

يا أمير تادرس

يا شيخ العرب

يا سيدى المدبولى

يا مرسى يا أبا العباس

يا سيدى على السودانى

يا موج البحر 

يا أم الغلام» 

تُمْ تُتُم تُم تُم تُم تُتُم تُم تَا

تُمْ تُتُم تُم تُم تُم تُتُم تُم تَا.

الزمنُ يشربُ القهوةَ مع الشيشة

الزمنُ

يجلسُ على المقهى، ويطلبُ قهوتَه مع الشيشة

لكنه يبدو مهمومًا 

اليوم،

عليه أن يُرتّب ألفَ سنةٍ مقبلةٍ

بأحداثِها

وبشرِها 

وأزيائِها 

وكوارثِها 

وموسيقاها 

وشعرائها

وحشراتِها

وأوبئتِها

وزعمائِها المجانين

كم أكرهُ البدايات، غمغمَ الزمنُ

لكنى مضطرٌ..

نظرةٌ على الألفِ سنةٍ الماضية 

ها ، ماذا نفعل ؟ 

الطولُ يساوى العرضَ

نستعيدُ الوقائعَ والأشخاصَ والمصائبَ 

ونمنحُها أسماء جديدةً

لأنَ البشرَ الأغبياءَ لا يتذكرون المستقبلَ

وينكرون دروسَ الماضى

أولُ السطر.. ألفُ سنة جديدة، 

إذن، لابد أن نبدأ بالفوضى

مجنونٌ يقف أمام حركةَ الزمن 

اغتيالات 

لا ، احتجاجاتٌ أولا ثم اغتيالات

كريشندو..

فتحُ النارِ على المحتجين

الدمُ يُهيجُ القطعانَ

رواةٌ ونشطاءُ وحكاءون على المنصات

خطُ اللاعودة

قصفُ المدنِ بالفسفور الأبيض وغازِ الأعصاب

قصفُ الشعوبِ بالجوع

اهربوا.. اهربوا إلى لا أين

اهربوا إلى الماضى

إلى البحرِ المفتوح

إلى الصحراءِ اللاهيةِ برمالِها

انزعوا جذورَكم 

بعدها يأتى المطرُ

مطرٌ من الرشاشات 

والمسدسات 

والقنابلِ الصغيرة

والخناجر

الخوفُ مع رصاصة

الخوفُ مع خنجر

الخرافُ بأظلافٍ من السكاكين

تعارفوا بالمسدسِ والمطواة

رائحةُ الدمارِ الطازجِ تُعيدنا إلى الغابةِ الأولى

الشركةُ تمتصُ دماءَ الموظفين 

والموظفون يقتلون أبناءَهم 

والزوجاتُ يهربن إلى الشوارع.

الجميلةُ رفضتْ الصيفَ.. وتزوجتْ الشتاء

الجميلةُ، 

بعينين تعرفان كلَّ اللغات

الشقراءُ،

بضحكاتٍ جارحة

رفضتْ أن تتزوجَ الصيفَ

لأنه يُصيبُها بالتعرّقِ 

ويجعل ترابَ العالمِ يلتصقُ بجسدِها، 

ويحوّل شعرَها، حقولَ القمح المترامية 

إلى رمالٍ متحركة

الصيفُ ركعَ على ركبتيه، وقدّم خاتمًا نادرًا

أمرَ البحار أن تأتىَ حتى بابِ بيتها

وصنعَ الكثيرَ من الزوارقِ البلاستيكيةِ الزاهيةِ على صورةِ الزرافاتِ والجِمال والبجع

واستمرتْ الجميلةُ تقول: لا 

والصيفُ لا يفقدُ الأمل

أوجدَ الشلالاتِ والنوافيرَ

وجعلَ الآبارَ تكشفُ عن مائِها

إلى أنْ تلقّى الصدمةَ التى دفعته للجنون..

الجميلةُ عاشقةٌ

الجميلةُ تزوجتْ الشتاء

و العشيقُ يُسقط الأمطارَ فى شارعِها

فتخرجُ وتحلّ شعرَها الطويلَ الطويلَ تحت المطر

وتتمددُ بجسدِها المنيرِ تحتَ الرذاذِ الناعم

وتضحكُ كلما دغدغتها حباتُ الثلج

ذاتَ مرةٍ وهى تضحكُ ،

دخلتْ نقطةُ مطر ٍكبيرةٍ فى فمِها، 

فحبلتْ على الفورِ بصبى

الصيفُ أشعلَ العالمَ

حاصرَ البيتَ والشارع والمدينةَ والأرضَ، 

باللهيبِ والصهدِ والرطوبةِ والرياحِ الساخنة

أقنعَ الشمسَ أن تطلقَ قيظَها فى الليلِ 

وأَخفَى ضوءَها

ساومَ الربيعَ بالذهب، 

وأخذَ أيامَه وملأها بالحرارةِ 

وبعثَ للخريفِ هدايا لينضمَ للتحالف

أطلقَ الحرائقَ على الغاباتِ فى الشمالِ والجنوب 

وتوعدَ الأرضَ كلها بالجفافِ والجدْبِ والهلاك

والجميلةُ..

ما زالتْ تغنى فى بيتِها المبطنِ بالثلج والهواء البارد 

تسيرُ حافيةً على الأرض،

وتُرسلُ قبلاتٍ مثيرةً للشتاء..

والنجومُ المتلصصةُ، تنقلُ أخبارَها للصيف

الصيفُ يشربُ كلَّ ليلة 

ويقسم أنها، فى ليلةٍ أقلَّ جمالًا،

ستأتى بقدميها الحافيتين،

وتبكى بين ذراعيه

ليرحمَها من الجحيم.