عيش المونديال أكثر من مجرد قميص.. «تيشرتات المونديال».. سياسة ولعنة وكذبة أسطورية!
- المؤلف: لكى أقنعك بشراء قطعة بوليستر بـ85 إسترلينيًا سأخبرك بأن وراءه قصة!
- ألمانيا تُخلص لعلم مملكتها القديمة.. ولعنة وراء «أصفر» البراز يل
- كتاب جديد يكشف علاقة قمصان المنتخبات بالسياسة والمال والسلطة
بين «التكتيك» وفنيات اللعبة، والاقتصاديات المتعلقة ببطولة كأس العالم، حتى وتأثير السياسة عليها، خاصة مع إقامتها فى الولايات المتحدة بقيادة دونالد ترامب، لا حديث الآن فى العالم كله سوى عن البطولة التى تُقام بمشاركة 48 منتخبًا لأول مرة فى تاريخ المسابقة الممتد لقرابة قرن. جوى دورسو، الكاتب والصحفى البريطانى، الذى عمل فى صحف ومجلات وشبكات إعلامية عريقة مثل «بى بى سى» و«أثليتيك» و«تايمز»، اختار زاوية مختلفة للحديث عن المونديال، من خلال كتابه الأحدث «أكثر من مجرد قميص»، والذى يشرح فيه الأسرار والدلالات والخبايا التى تختبئ خلف قمصان المنتخبات والفرق المختلفة، وعلاقتها بالسياسة والمال والسلطة حول العالم. وفى حوار خاص مع «رويترز»، كشف «دورسو» عن بعض مما جاء فى الكتاب، وهو ما تترجمه «حرف» فى السطور التالية.


وجد جوى دورسو الكثير من القصص الممتعة للغاية وراء اختيار المنتخبات لألوان قمصانها التى تلعب وتظهر بها على المستطيل الأخضر، على رأسها ألمانيا.
ألمانيا تلعب باللونين الأبيض والأسود لأنهما كانا لونى علم «بروسيا»، وهى الدولة والمملكة التى سبقت قيام ألمانيا الحديثة.
فى عهد أدولف هتلر والنازية، لعبت ألمانيا بالأبيض والأسود. وبعد الحرب العالمية الثانية، استُبعدت من اللعب فى كأس العالم ١٩٥٠، لأن البلاد كانت عبارة عن ركام، ومُنعت من المشاركة فى شتى المجالات والأنشطة.
لكن فى عام ١٩٥٤، فيما أطلقوا عليه «معجزة بيرن» فى سويسرا، فازت ألمانيا باللقب. ثم فى عام ٢٠٠٦، استضافت ألمانيا كأس العالم وانتشرت الأعلام فى كل مكان، وكانت هذه هى المرة الأولى التى يظهر فيها العلم الألمانى بشكل وطنى صحى وبارز، بعيدًا عن أى ارتباطات بالعنصرية أو الفكر النازى، وفق الكاتب البريطانى.


قصة أخرى مثيرة تتعلق بقميص البرازيل الأصفر، القميص الأكثر شهرة فى عالم كرة القدم. هذا القميص جاء فى الواقع نتيجة للفشل الذريع عام ١٩٥٠ عندما استضافت البرازيل كأس العالم، وتوقع الجميع فوزها آنذاك.
فى هذه النسخة من كأس العالم بنى البرازيليون استاد «ماراكانا» ليصبح بمثابة «كاتدرائية لكرة القدم»، لكنهم خسروا أمام أوروجواى الصغيرة فى النهائى. كانت تلك الخسارة بمثابة مأساة وطنية للبرازيل حُفرت فى ذاكرتهم الجماعية.
فى ذلك النهائى، لعبت البرازيل باللون الأبيض، وبعد الهزيمة قالوا: «هذا اللون الأبيض ملعون، نحتاج إلى قميص جديد»، فنظموا مسابقة لتصميم قميص جديد، ومن هنا ولد القميص الأصفر الشهير.


جوى دورسو لفت انتباهه أيضًا منتخب أوزبكستان باعتباره «مثالًا رائعًا» للدلالات التى تقف وراء قمصان منتخبات كأس العالم.
وقال «دورسو» إن منتخب أوزبكستان يشارك فى كأس العالم لأول مرة، وقميصهم يأتى باللون الأزرق الزاهى، وهو مستوحى من مدينة سمرقند، إحدى أقدم المدن فى العالم، وتحديدًا من بلاطها الأزرق التاريخى الشهير.


أما غانا فلقميصها قصة رائعة، فلاعبوها يرتدون قميصًا أبيض عليه نجمة سوداء كبيرة، وهذا يعود إلى شركة الشحن «Black Star Line».
كان هناك ناشط فى الحركة السياسية الإفريقية يدعى ماركوس جارفى، هو من أسس هذه الشركة التى كانت مملوكة بالكامل لأشخاص ذوى بشرة سمراء. وبعد ٤٠ عامًا، وتحديدًا عند نيل الاستقلال عام ١٩٦٠، أصبحت «النجمة السوداء» رمزًا للحرية والاستقلال، واعتمدوها على قمصانهم الوطنية.


انتقل مؤلف كتاب «أكثر من قميص» للحديث عن منتخب اليابان، والذى بدأه بالإشارة إلى أنه قبل فترة التسعينيات أو الألفينيات، كانت قمصان كرة القدم أمرًا ثانويًا لا يلتفت إليه أحد.
وأوضح «لم يكن هناك تصميم أو فكر أو أى شىء من هذا القبيل. أما الآن، فكل قميص يحمل وراءه قصة: هذا يمثل لحظة معينة فى تاريخنا، وهذا يمثل محيطاتنا وبيئتنا».
وأضاف: «مع ذلك، فإن الكثير من هذه القصص تتم صياغتها وهندستها نوعًا ما بعد تصميم القميص لتسويقه»، مشيرًا إلى أنه لاحظ ذلك فى العديد من قصص القمصان، مثل اليابان ولقب «الساموراى الأزرق».
تلعب اليابان باللون الأزرق، وتاريخيًا يعود السبب لقصة غريبة، إذ لعب فريق جامعى باللون الأزرق، ثم تحول هذا الفريق الجامعى ليصبح المنتخب الوطنى اليابانى. لكن مسئولى التسويق دأبوا طوال الـ٢٠ عامًا الماضية على الترويج قائلين: «هذا هو لون الساموراى».
وواصل: «الكثير من هذه الأمور مصطنعة بعض الشىء، وهناك طبقات متعددة للقصة. لكن فى النهاية، يجب أن يكون لدى كل قميص قصة ليرويها، فإذا كنت تطلب من الناس دفع ٨٥ جنيهًا إسترلينيًا مقابل قطعة من البوليستر، فلا بد أن تبيعهم قصة معها، على ما أظن».


يشير الكاتب والصحفى البريطانى أيضًا إلى فارق جوهرى وأساسى بين قمصان الأندية والمنتخبات، هو خلو قمصان المنتخبات من الرعاة التجاريين.
ويوضح أن السبب فى ذلك هو أن الاتحادين الأوروبى والدولى «يويفا» و«فيفا» لديهما رعاتهما الخاصون، ولا يريدان لشركات أخرى أن تنافس هؤلاء الرعاة، مضيفًا: «لذلك، عندما تشاهد مباراة دولية، ترى قمصانًا خالية من الإعلانات، بينما تظهر اللوحات الإعلانية حول الملعب بشكل أكثر وضوحًا».
وحصلت «رويترز» على تعليق من «فيفا» بشأن هذه النقطة، ونقلت عن متحدث باسم الاتحاد الدولى قوله: «القيود المفروضة على العلامات التجارية تأتى ضمن دور فيفا المالك الحصرى للحقوق التجارية للمسابقة، وتهدف إلى حماية نزاهة هذه الحقوق، ومنع التسويق الخفى، وضمان أن تكون جميع الشراكات التجارية واضحة ومصرح بها ومدارة مركزيًا».
وعن تأثير السياسة فى كرة القدم، وهو جانب مهم ألقى عليه الضوء بصورة كبيرة فى كتابه، قال «دورسو»: «نشأت كعاشق لكرة القدم بالدرجة الأولى، دون أن أفكر فى السياسة كثيرًا. بعد ذلك، سلكت مسارًا شخصيًا بدراسة السياسة، وأصبحت صحفيًا سياسيًا، ليرتبط الأمران فى ذهنى فى النهاية، وأدرك حجم التقاطع الكبير بين هذين العالمين».
وأضاف: «اليوم، نرى دولًا تشترى أندية بأكملها. انظر إلى الدورى الإنجليزى الممتاز الآن، لديك نادى مانشستر سيتى المملوك للشيخ منصور بن زايد آل نهيان من دولة الإمارات، ونادى نيوكاسل يونايتد المملوك للسعودية. هذه السياسة أصبحت تتغلغل فى كل مكان الآن».
وواصل: «لذا أعتقد أن مشجعى كرة القدم الذين يريدون فقط مشاهدة الرياضة يجدون أنفسهم مهتمين بالسياسة لا محالة. كما أن المهتمين بالسياسة بدأوا يلتفتون للرياضة أيضًا، لأن كرة القدم هى أكبر استعراض للقوة، وظاهرة ثقافية هى الأكثر شعبية على مر العصور».
وكشف عن توثيقه، فى كتابه «أكثر من قميص»، استخدام شركات الطاقة الروسية للرعاية كشكل من أشكال القوة الناعمة، إلى جانب إعلانات الأندية لمواقع القمار ومنتجات العملات الرقمية الغامضة.
وأضاف: «هناك بعض القصص البارزة للغاية، مثل تدخل الدول النفطية الكبرى، لكن هناك قصصًا أخرى لم أكن أعرف عنها شيئًا. فى كولومبيا مثلًا، هناك نادٍ يدعى إنفيجادو كان مملوكًا لعصابة مخدرات، وتجد وجه رجل عصابة ميت مطبوعًا على ظهر القميص!».
وبحسب «رويترز»، رفعت الولايات المتحدة العقوبات عن نادى «إنفيجادو» فى عام ٢٠١٨، بعد أن قطع النادى علاقاته تمامًا مع العصابة.


أشار الصحفى والكاتب البريطانى إلى أنه «فى الغالب، لا يشترى الناس أندية كرة القدم لأسباب مالية، بل إنها وسيلة لخسارة الكثير من المال! لكنها فى المقابل وسيلة لبناء الوجاهة والنفوذ والشهرة»، قبل أن يعقب: «الناس يخسرون أموالهم فى كرة القدم بكل سرور لأنها ببساطة ممتعة، وتمنحهم مكانة ومظهرًا رائعين».
ووجد «دورسو» أن الجماهير مستعدة للتغاضى عن الملاك المثيرين للجدل، مثل الملكية السابقة للملياردير الروسى رومان أبراموفيتش لنادى تشيلسى الإنجليزى، إذا كان ذلك يصب فى مصلحة فريقهم.
وأوضح أنه «لم يفز تشيلسى سوى بلقب دورى واحد قبل عام ٢٠٠٥، وهو الآن ثانى أكثر الأندية نجاحًا فى هذا القرن بعد مانشستر سيتى، وذلك بأموال مرتبطة بشكل مباشر بشخص مقرب جدًا من الدولة الروسية. لكن إذا كنت مشجعًا لهذا النادى، فلن ترغب فى سماع أى حديث عن هذا الأمر، وأنا أتفهم ذلك تمامًا؛ فلا أحد يصبح مشجعًا لفريق كرة قدم لكى يشغل باله بالسياسة المعقدة لبلد يبعد عنه آلاف الأميال».
لكنه عاد وقال أيضًا: «أعتقد أن الوعى يزداد، ولكن هناك اختلافات كبيرة بين الثقافات الوطنية. لطالما كانت كرة القدم الإنجليزية غير مسيسة إلى حد كبير، فالسياسة ليست جزءًا من ثقافة التشجيع هناك. فى المقابل، نجد فى العديد من الدول الأوروبية أندية ذات توجهات واضحة؛، فنادى لاتسيو الإيطالى معروف جدًا بتوجهه اليمينى، وهناك أندية أخرى لها ارتباطات تاريخية باليسار، مثل سانت باولى فى ألمانيا. لذا، الأمر يعتمد حقًا على ثقافة البلد نفسه». وأضاف: «فى كرة القدم الألمانية، يشارك المشجعون فى إدارة الأندية ويهتمون بهوية المالك، ويريدون الاحتفاظ بحق التصويت. لديهم هناك قاعدة «٥٠ + ١»، والتى تعنى أن أغلبية أسهم النادى يجب أن تكون مملوكة للمشجعين».
وواصل: «لذلك، هم واعون جدًا بهذه الأسئلة، ما جعل رعاية شركة الطاقة الروسية «غازبروم» لنادى شالكة الألمانى، والتى استمرت حتى فبراير ٢٠٢٢، أمرًا غريبًا للغاية، لأن النادى يمتلك قاعدة جماهيرية مُسيَسة ونشطة جدًا. لكن يجب أن نتذكر أيضًا أن روسيا فى منتصف العقد الأول من القرن الحادى والعشرين لم تكن تمتلك السمعة السياسية التى تمتلكها اليوم»، وفق قوله.







