أبناء الصبر والحلم.. اقتفاء أثر التوأم من شوارع حلوان إلى مجد أمريكا
- مشهد موت الأب فى أول الطريق شكّل الدور الأسطورى للأم رتيبة فى حراسة حلم طفليها اليتيمين
- كانت حلوان أرض «الباشوات» التى مهدها عبدالناصر لاحتضان حلم توأم يتيم من الطبقة المتوسطة
- أسوار حلوان ودروبها ضاقت على طموح جامح فى صدر الصغيرين لم يحتوه غير الأهلى
- غياب الأم ظل الانكسارة الكبرى فى نفسى التوأم التى تجعل الفرحة بأى مجد منقوصة
«غيّر الموضوع»
قالها حسام حسن دامعًا بصوت متهدج، ثم تلفت حوله باحثًا عمن ينجده بمنديل يستر به دموعه التى تقف على أعتاب عينيه، وفِعل الأمر كان رجاء للمذيع الذى سأله عن أمه الراحلة سؤالًا مباغتًا، انغرس فى قلب رجل شارف على الستين من عمره، ليتحول فى تلك اللحظة إلى طفل متعلق بطرف جلباب والدته فى طرقات حلوان فى سبعينيات القرن الماضى.
سأل المذيع حسام وإبراهيم فى البداية عن الأب ورحيله المبكر، وهما فى سن الثانية عشرة يقفان على أولى أعتاب طريق الأحلام ضمن ناشئى نادى الأهلى، النادى الذى تعشقه العائلة كلها. تذكر التوأم هذا الظرف الحزين وتداعت ذكريات تلك الأيام المقبضة على لسانهما، لكنهما حكياها ببساطة وتفاخرا بأن خبر وفاة الأب كان من الممكن أن يهدم حلم اللعب للأهلى، لكن العائلة أدركت ذلك حينها، ودفعتهما لتخطى الظرف القاسى سريعًا، وأصروا على أن يذهبا إلى ناديهما الجديد بعد جنازة الأب مباشرة حتى لا تضيع الفرصة.. وسارت حكاية الوالد الراحل فى سياقها الطبيعى داخل البرنامج ضمن رحلة تحدى الرجلين، حتى جاء دور السؤال التالى المنطقى عن رحيل الأم قبل اثنى عشر عامًا.. فكانت المفاجأة أن حسام لم يقوَ حتى على الإجابة بجملة واحدة مكتملة، سريعًا ارتعشت النبرات وزاغت النظرات هاربة من تلصص الكاميرا ولمعت العينان اللتان اللتين طالما لمعتا شغفًا وحبًا وحماسًا لكرة القدم، لكن لمعتهما هذه المرة حزينة مفعمة بالوحشة لحبيب غاب والحنين لحضن أدفأ طويلًا أحلامهما حتى أينعت وكبرت وصارت واقعًا كالجبال.
وحسن فعل المخرج الذى جمع فى تلك اللحظة- المربكة إنسانيًا- حسام الباكى وأخاه إبراهيم خلفه فى كادر واحد، وقد أصابه ما أصاب توأمه، وغامت عيناه ليشاركه دموعه على الأم كما شاركه كل شىء طوال ستين عامًا من عمرهما، لتدفعنى تلك اللقطة الملهمة دفعًا للكتابة عن ذلك السر المدفون داخل التوأم المعجزة «حسام وإبراهيم حسن»، اللذين عاشا حياة صاخبة بكل المعانى، صاخبة بالأحلام والمعارك والتحديات والانكسارات والنجاحات والإحباطات.. هذا السر «مبدور» بين شوارع حلوان ودروبها، غرسته تلك السيدة البسيطة «رتيبة» التى رفعت حِمل الأسرة على كتفها العفى المفعم بالعزيمة، بعد أن انصرف الأب سريعًا إلى البر الآخر تاركًا لها سلسالًا من الأولاد عدده ١٠، وفى آخره ولدان توأم لم يبرحا طفولتهما بعد.
ولكى نحكى عن الأم، لا مفر من زيارة الأرض.. البلدة التى ترعرعت فيها أحلام ذلك التوأم المدهش بين دروبها.. لا مفر من زيارة حلوان.


يبدو أن موقع حلوان الفريد قد أصبغ روحه على أهلها، فقد كانت المدينة متاخمة لأطراف القاهرة الصاخبة، لكنها تأبى أن تنخرط فى هذا الصخب، لذلك ظلت ملجأ الأكابر الذين وجدوها ملاذًا آمنًا للتشافى أحيانًا، والعيش الكامل أحيانًا أخرى، والاطمئنان على الأحبة فيها أحيانًا ثالثة مثلما فعل فريد الأطرش، الذى بنى فيها فيلا صغيرة لتعيش فيها أمه الأميرة علياء المنذر هربًا من شبح رحيل ابنتها أسمهان المأساوى عام ١٩٤٤، حيث كانت روحها تطارد الأم الثكلى فى كل أركان شقة الزمالك، فرأى فريد حينها أن حلوان مشفى آمن لقلب أمه المشطور حزنًا.
ظل الوضع الاجتماعى فى حلوان مستقرًا على تلك الوضعية حتى جاء جمال عبدالناصر- أحد طلاب مدرسة حلوان الثانوية- فى نهاية العشرينيات ليجلس على رأس السلطة فى مصر بعد أن أزاح هو وزملاؤه الضباط حكم عائلة محمد على الذى تخطى عمرها القرن ونصف القرن، وعلى ما يبدو أن جمال أحب أن تكون مدينته القديمة التى مشى فى دروبها خلال دراسته الثانوية، قلعة صناعية كبرى، فافتتح الرجل رسميًا مصنع الحديد والصلب عام ١٩٥٨؛ ليكون باكورة لمجموعة أخرى من المصانع الحربية والورش الضخمة، ومع كل ورشة جديدة أو مصنع يُبنى فى حلوان، تتغير معها التركيبة الاجتماعية للمدينة لتميل الكفة ناحية الطبقتين الوسطى والعاملة، بعد أن ملأت أجواء المدينة أصوات هدير المصانع ورائحة صهر الحديد، وزاحمت بيوت الأسر الكادحة قصور الباشوات والأثرياء التى اكتظت بها المدينة عبر عقود سابقة.

قرأت وصف الكاتبة وسام سليمان لبيوت تلك الأسر العاملة ضمن مقال بديع بعنوان «حلوان التى فى خاطرى»، قائلة: «كانت بيوت الطبقة الوسطى تبدو لك ظاهريًا صغيرة نسبيًّا، كل شىء صغير وخجول من الخارج إلَّا عندما تدخل فتفاجأ بالبراح الجميل».
دعونا نأخذ تعبير وسام «البراح الجميل» لنصف به أحد بيوت حلوان فى ستينيات القرن العشرين وهو بيت الأستاذ «حسن حسنين» الموظف البسيط بالتربية والتعليم، الذى كان بيته بالتأكيد مفعمًا بالبراح، وإلا ما كان اتسع لذلك التوأم الجديد الذى ولدته زوجته «رتيبة عبداللطيف» فى العام ١٩٦٦ ليزاحم ثمانية من الإخوة، ذكورًا وإناثًا، ويبلغ تعداد أولاد الأستاذ حسن حينها «عشرة» أبناء، أو بمعنى أدق «عشرة أفواه مفتوحة تنتظر من رب البيت أن يلقمها الطعام ويدخلها المدارس ويكون فوق ذلك حارسًا على أحلامهم».
منذ أن علا صراخ الرضيعين الجديدين فى بيت الأستاذ حسن، صار التوأم لعبة الجميع المفضلة، وفاكهة البيت البسيط فى أثاثه، والثرى فى مشاعره، كما اعتبر الإخوة الثمانية الكبار أنفسهم مسئولين، بشكل ما، عن حسام وإبراهيم مثل الوالدين، لكن مع ذلك بقى حضن الأم بطبيعة الحال هو المهرب الآمن الأخير للطفلين من «عفرتة» اليوم وشقاوة شوارع حلوان.


كان لا بد من متنفس رياضى لهذا المجتمع الصناعى الذى بناه عبدالناصر فى حلوان؛ ليستوعب طاقات الأطفال والشباب الذين يخرجون من بيوت الطبقات المتوسطة، فظهرت الأندية المرتبطة بالمصانع التى تعمل بها تلك الطبقات، ومنها «نادى التصنيع ٣٦» الذى ارتبط إنشاؤه ارتباطًا وثيقًا بخدمة العاملين فى قطاعات الصناعة وأسرهم، إلى جانب تقديم خدماته للجمهور من أهل المدينة، فظهرت داخل النادى الأكاديميات الرياضية التى تكتشف المواهب الصغيرة، خاصة فى ألعاب كرة القدم اللعبة الشعبية الأولى.
فى تلك الأثناء كان الطفلان التوأم فى بيت الأستاذ حسن حسنين وزوجته رتيبة قد أخذا يتحسسان الكرة لأول مرة بأقدامهما الضعيفة، فوقعا على الفور فى غرام تلك اللعبة الدائرية الساحرة، وانجذبا لها.. وصارت الدورات الرمضانية والموسمية فى الشوارع والملاعب الترابية هى ملجأهما الدائم.
لم تجد الأسرة بدًا من أن يلتحق الطفلان حسام وإبراهيم بأكاديمية الناشئين داخل نادى «التصنيع ٣٦» ليتدربا على سبيل تمضية الوقت، وتقليل فترات اللعب فى شوارع حلوان التى لم تعد أمانًا كاملًا للصغار، ناهيك عن أن الأسرة بالأساس كانت لها ميولها الرياضية الواضحة المشجعة لنادى الأهلى من أول الأب المنشغل فى وظيفته بالتربية والتعليم؛ حتى الأم المنغمسة فى تلبية مطالب أولادها العشرة، ومرورًا بالإخوة الكبار. منذ اللحظة الأولى بدا أن الطفلين حسام وإبراهيم لم يأخذا الأمر على سبيل اللهو واللعب، بل أيقنا أن مستقبلهما داخل هواء تلك الساحرة المستديرة، وكبر الحلم وتعاظم حجمه حتى لم يعد يصلح نادى التصنيع لاحتوائه، فظهر من العدم، الأمل، والأمل المقصود كان فى هيئة إعلان فى صحيفة صباحية اشتراها الأب عن اختبارات ناشئين داخل نادى الأهلى «معشوق العائلة».

لمع الأمل فى عقل الطفلين اللذين لم يتخطيا الثانية عشرة من عمرهما، ونظرا لبعضهما البعض ليتخذا قرارهما بالسير وراء هذا الأمل الذى قفز على رأسيهما من السماء، لكنهما واجها فى تلك اللحظة مشكلتين، المشكلة الأولى كانت فى المال الذى يسحبان به استمارة التقديم ويشتريان به أيضًا حذاءين جديدين كشرط لدخول تلك الاختبارات.
والمشكلة الثانية التى قابلت الطفلين هى كيفية الخروج من حدود حلوان التى كانت بالنسبة لهما أشبه بأسوار عالية آمنة لا يعرفان ما وراءها وما تخبئه لهما تلك المدينة الصاخبة التى يسمعان عنها خلف تلك الأسوار.. واسمها القاهرة.
حسام وإبراهيم أيقنا بعقليهما الطفولى الراجح المفطوم على المسئولية، أن كاهل الأب الموظف البسيط لن يحتمل أن يثقل عليه أحد بعبء مادى آخر حتى لو كان ثمن استمارة التقديم أو ثمن حذاء كرة لكل منهما.. فكان قرارهما بالعمل فى منفذ بيع خبز تحت نظر الأم «رتيبة» أقرب الكائنات الحية على وجه الأرض للطفلين جامحى الطموح، وكان مقابل العمل هو ثمن استمارة التقديم والحذاء.. حُلت المشكلة الأولى، وبقيت المشكلة الثانية وهى كيف يذهبان إلى نادى الأهلى القابع فى وسط تلك المدينة البعيدة الغامضة.

كان الطفلان حسام وإبراهيم قد اعتادا رؤية أهالى حلوان العاملين بالقاهرة يخرجون يوميًا فى قطار مكتوب عليه «حلوان- باب اللوق» ينقسم لونه بين الأصفر والأخضر ويعودون بنفس القطار قبل أن ينتهى النهار، فأيقن الطفلان فى تلك اللحظة أن حلميهما الكبير مربوط فى عجلات هذا القطار، ولا مفر من استخدامه فى استكشاف تلك الأرض الغامضة خلف حدود حلوان والبحث عن ملعب نادى الأهلى بعد أن عرفا من حكاوى ركاب القطار من الجيران أنه يقع فى جزيرة بين نهرين يمر قطار حلوان بالقرب منه فى ذهابه وإيابه إلى باب اللوق.
تعاهد الطفلان على إخفاء أمر نادى الأهلى عن العائلة واستغلال شهر رمضان الذى ينشغل فيه الجميع عن الجميع ولا يسأل أحد من الأسرة عنهما إلا قبل أن يضرب مدفع الإفطار مباشرة استنادًا إلى كونهما يطويان الشوارع لهوًا ولعبًا مثل باقى أطفال حلوان.
ونُفذت الخطة على أى حال.. وركب حسام وإبراهيم فى أحد نهارات ١٩٧٨ قطار الأحلام.. أقصد قطار «حلوان- باب اللوق» ليدقا بأيديهما معًا أول طرقة على أبواب مجد كبير ينتظرهما هناك، فى قادم السنوات.


مع أول طرقة على باب المجد للطفلين خرج الأب من بوابة الحياة إلى البر الآخر وترك أمر «عشرة» من الأبناء فى رقبة السيدة الأولى فى حياة التوأم، الأم رتيبة، وهى السيدة التى كانت الحارس الأمين على أحلام الطفلين من أول لحظة، وحاربت كل شىء لكى تختمر تلك الأحلام وتتحول إلى واقع، وبداية حربها كانت بعد وفاة الأب مباشرة، حيث تصادف أن موعد موت الأب هو نفس موعد المباراة الأولى للتوأم فى نادى الأهلى بعدما أثبت حسام وإبراهيم جدارتيهما واختارهما كابتن عبدالعزيز عبدالشافى ضمن ناشئى الأهلى من بين مئات المتقدمين، وهنا وقفت السيدة رتيبة وهى الزوجة المكلومة بوفاة رفيق دربها قبل ساعات فقط، لتتأمل الموقف كله، وأدركت على الفور أن تلك هى اللحظة الحاسمة لتوأمها الحبيب ولا ينبغى أن تضيع، ولا يصح أن يتسرب الحلم من بين أصابعهما، فقررت رتيبة فى لحظة صلابة مدهشة أن ترتفع بأحلام ولديها فوق سحائب الأحزان، التى ضللت على نفوس الأسرة بموت راعيها الأول، وقررت بالاتفاق مع الإخوة الكبار أن يذهب حسام وإبراهيم إلى موعديهما مع المجد، حيث أول اختبار حقيقى لموهبتيهما فى مباراة حقيقية لناشئى نادى الأهلى، والتحلل مؤقتًا من حزنهما على الأب الذى واروه التراب منذ ساعات واقتفاء أثر الحلم الذى بالتأكيد سيسعد الأب فى قبره أو مسكنه الجديد كما قالت لهما.. وذهب حسام وإبراهيم حسن ليلعبا أول مباراة لهما على استاد التتش تحت قيادة الكابتن زيزو، المعتزل حديثًا فى القلعة الحمراء، الرجل الذى رأوه كثيرًا فى تجمعات الأسرة حول التليفزيون لمشاهدة مباريات الأهلى، لتبدأ هنا فى تلك اللحظة الفاصلة رحلة الأحلام الكبرى للتوأم الصغير، الرحلة المدهشة التى سيسلكان فيها طريقًا طويلًا من الصبر و«المعافرة» والإيمان بالقدرة.. يحرسهما فى رحلة الحلم حضن ماما رتيبة.


بدأ حسام وإبراهيم مشواريهما فى فريق ناشئى نادى الأهلى مهاجمين صريحين، وكان يبدو لكل مراقب أن هذا الحماس المشتعل فى صدريهما والفدائية والرجولة فى الأداء يجعلهما جديرين بأن يكونا ثنائى خط هجوم الشياطين الحمر، كما كانا يلعبان دائمًا فى شوارع حلوان الدافئة وفى دوراتها الرمضانية حتى فى نادى «التصنيع ٣٦»، وظل هذا الأمر من المسلمات ضمن خريطة أحلامهما، الهجوم وليس غيره، حتى ظهر فى الكارد رجل آخر سيرى ما لا يراه الآخرون، وهو الكابتن «عادل طعيمة» المسئول عن فريق التوأم، الذى سيتخذ قرارًا جريئًا ظنه الأخوان فى البداية سيفرقهما، حيث قرر طعيمة تغيير مركز إبراهيم من مهاجم صريح كأخيه حسام إلى «باك يمين»، لكن الذى حدث للمفارقة أن قرار طعيمة، الذى بدا وكأنه تعنت منه ضد الأخوين التوأم، سيكون هو القرار الأهم من كل النواحى، أولها فنيًا بالطبع حيث عُرف إبراهيم حسن بعد ذلك بأنه أحسن من لعب فى هذا المركز فى تاريخ الكرة المصرية طبقًا لآراء كثيرين من مؤرخى الكرة فى مصر، والأمر الثانى إنسانيًا حيث سيصنع قرار طعيمة خريطة إنسانية جديدة بين الأخوين حسام وإبراهيم بالتأكيد لم تكن سترسم بتلك الدقة إن ظل الاثنان يلعبان فى المركز نفسه.

إبراهيم وحسام لم يبلعا قرار مدربهما وعادا إلى حلوان مهمومين فى ذلك اليوم، الأمر الذى أقلق الأم رتيبة حارسة حلمهما، واستدعت الإخوة الكبار الذين يشاركون جميعًا فى حراسة حلم التوأم، وأصدرت أمرها بالتصدى لقرار الفُرقة بين الأخوين، وفى اليوم التالى ذهب الإخوة الكبار عصبة واحدة معهما لمقابلة الكابتن حسن حمدى مدير الكرة حينها، حيث فوجئ بدخول إبراهيم غاضبًا شاكيًا مع توأمه حسام من قرار مدربهما «عادل طعيمة» بتغيير مركزه فى الملعب، وإصراره على ذلك، وعزز من قيمة الشكوى وجود الإخوة الكبار الذين جاءوا بتوصية الأم ليكونوا فى ظهر أخويهما الصغيرين فى محنتهما، لعل الكابتن عادل طعيمة يعود عن قراره «المستغرب» من ناحيتهم، وعندما سمع حسن حمدى بطبيعته الهادئة الصبورة منهم جميعًا، أرسل فى استدعاء طعيمة، وبالفعل دخل مدرب الناشئين ليرى مشهد «العصبة» أو الإخوة الملتفين حول أخويهما الغاضبين الحزينين، فعرف طعيمة أنه أمام شكوى رسمية من أهل التوأم ضده.

حكى عادل عن هذا المشهد بالغ الدلالة، حيث قال إن حسن حمدى قال له إن إبراهيم متضرر من المركز الجديد الذى نقلته فيه ويريد أن يعود مكانه كمهاجم صريح، لكن طعيمة الواثق من قراره رد عليه بنبرة متحديًا ليسمعها عصبة «آل حسن» وقال: يا كابتن حسن الولد ده مش هيلعب غير «باك رايت»، وهيبقى أحسن «باك رايت» فى مصر وإفريقيا والعالم.
الجملة الواثقة نزلت على صدور الإخوة بلسمًا وأولهم إبراهيم وحسام، وانتقل للجميع عدوى اليقين بصحة قرار طعيمة، وإلا ما كان تكلم بتلك الثقة والجرأة أمام مدير الكرة الذى يرأسه ومسئول عنه. وانطلق التوأم إلى ملعب التدريب ليبدآ رحلة كروية ملهمة ستستمر بعد هذا المشهد فى مكتب حسن حمدى مدير كرة نادى الأهلى نهاية السبعينيات حتى نصل لمشهد مجديهما الأخير الذى نعيشه الآن بعد ما يقرب من خمسين عامًا.


سار التوأم منذ تلك اللحظة فى طريقيهما اللذين رسمته الأقدار، سويًا فى كيان واحد، فقد طغى لقب «التوأم» على اسميهما الحقيقيين، وهو اللقب الذى التصق بهما من الصفحة الأخيرة فى جريدة الأخبار فى عمود «فكرة» للكاتب الصحفى العظيم مصطفى أمين، الذى رأى، على ما يبدو، فى حسام وإبراهيم تكرارًا مدهشًا لحالة الارتباط العاطفى بينه وبين توأمه العظيم أيضًا على أمين، احتفظ حسام وإبراهيم بتلك القصاصة الصحفية فى وجدانيهما وظلا شاعرين بالامتنان للصحفى الكبير الذى نبّه الناس لهما صغارًا ورسّخ ارتباطهما الإنسانى فى ذهن الجمهور منذ الخطوات الأولى بهذا اللقب.
ويقينى أن هذا الربط الروحى المقدس بين التوأم يعود الفضل الأكبر فيه إلى الأم رتيبة التى أوثقت رباطهما لدرجة يستحيل معها الفرقة بينهما أبدًا. وجاء قرار عادل طعيمة مدربهما الأول بتغيير مركز إبراهيم ليزيد من ذلك الوثاق، حيث صنع حالة إنسانية جميلة بجانب البعد الفنى بالطبع، باختصار صنع علاقة منزوعة المنافسة بين الاثنين، فلن يتقاتلا على مركز واحد يومًا ما، بل سيظلان مكملين لبعضهما البعض، وهو ما حدث، حيث صار كل واحد منهما حريصًا على أن يظل الآخر هو نجم مركزه فى الملعب، فحسام لا بد أن يظل المهاجم الأفضل، كما أن إبراهيم ينبغى أن يكون «الباك رايت» الأول والألمع.. وليكن المجد مقسومًا بينهما، كما قسّمت الأم رتيبة ذراعيها عليهما.
أما ذراعا الأم فلهما حكاية يحكيها حسام وإبراهيم كثيرًا فى كل ظهور إعلامى يحتمل الحكى الإنسانى، حيث ظل التوأم ينام فى حضن الأم حتى سن كبيرة لا يتوقعه أحد، وظل نوم كل واحد فيهما على ذراع عادة لم تنقطع حتى بعد أن صارا شابين ونجمين يشار لهما بالبنان، وصار حسام حديث العالم بعد هدف الجزائر الذى أوصلنا لمونديال ٩٠، ثم ضربة الجزاء التى أحرز منها مجدى عبدالغنى الهدف فى هولندا، كل ذلك لم يغيّر فى الأمر شيئًا، وظل حسام وإبراهيم فى كل مرة يعودان فيها إلى بيتهما فى حلوان، يبحث كل منهما عن ذراع أمه المخصص لنومه.

كانت علاقة التوأم بالأم رتيبة ملهمة ومدهشة فى جمالها وتستحق دموعهما كلما تذكرا غيابها حتى بعد أن أكملا الستين، وكانت أيضًا علاقة إبراهيم بأخيه حسام أيضًا علاقة ملهمة، وما يثير إعجابى فى إبراهيم حسن أنه يتحدث عن حسام أكثر مما يتحدث عن نفسه، وقد تماهى الأخ مع توأمه للدرجة التى تشعر معها بأنه يسخّر نفسه لنجاح أخيه، يدافع عنه ببأس شديد، ولا يترك فرصة إلا ويذكر الناس بما فعله ويفعله حسام، رأيته يقول لأحد المراسلين بعد مباراة بلجيكا الأولى فى المونديال: والله حسام عبقرى، قالها بيقين تام وليس مجرد صيغة مبالغة من أخ لأخيه التوأم. وفى حوارهما الممتع مع سيف زاهر ضمن وثائقى التوأم، كان حديثهما ترسيخًا لمعنى هذا الارتباط المقدس بينهما، راقبت تدفق الحكايات على لسانيهما والتى استلهمت منها خيوطًا من السيناريو السابق، وأدهشنى كما يدهشنى دائمًا انقسام الجمل والعبارات والحكايات على لسانيهما يبدأ أحدهما الحكاية ليكملها الآخر بنفس التدفق.. تمامًا كما اقتسما سنوات الصبر والحلم، سويًا.. حتى وصلا للمجد، سويًا أيضًا.







