المسكوت عنه.. اجتهاد دينى جديد حول الزكاة والصدقات والأوقاف الخيرية
- لماذا لا يقدم المواطنون المسلمون أموال زكاتهم ولا صدقاتهم للدولة؟
- من تمام المنطق والعدل أن تتولى الدولة التصرف فى وإدارة جميع الأوقاف فى مصر
فى مواقيت محددة من كل عام تكثر التساؤلات عن أنصبة الزكاة بأنواعها.. تكثر إعلانات لجمع تبرعات تحت بند الصدقات.. وأسرار الأوقاف الخيرية فى مصر.. فى يومٍ ما كانت مؤسسات الحكم والإدارة فى بلاد المسلمين تقوم بشكل رسمى بجمع أموال الزكاة من الأفراد وتضعها فى بيت المال لتنفق منها على مصارفها الشرعية، بينما كان الأفراد يتصدقون ويهبون من أموالهم بشكل مباشر كما يشاءون.. بعد تغير بنية مؤسسات الحكم، ألا يكون منطقيًا أن يعاد النظر وأن يُفتح باب الاجتهاد الفقهى لكى يأتى بما يتوافق مع هذه البنية القانونية والإدارية المعاصرة؟ لماذا لم يقترب أحدٌ من هذا الملف؟

بعد قيام أول دولة كبرى موحدة للعرب على أساس دينى سواء فى عهد النبى، صلى الله عليه وسلم، أو ما يسمى بعد ذلك بالخلافة، نشأت مؤسسة مختصة بتحصيل الأموال من مختلف المصادر تسمى «بيت المال». يتم تحصيل أموال من البلاد التى تم غزوها، بالإضافة لأموال زكاة المسلمين، بخلاف الخراج على الأرض والمكوس على الأنشطة التجارية المختلفة. أى أن الزكاة كانت بجوار الخراج والمكوس أو الضرائب ولم تكن بديلًا لها.
يعمل فى بيت المال موظفون رسميون، هل كان هؤلاء مثلًا يقسمون الموارد ويفصلون بينها حتى يتم إنفاق كل منها فى موضعه الصحيح؟ أم أن الأمر أن الأموال مجتمعة مثلت دخل الدولة يقابلها التزامات الدولة تجاه مواطنيها وتجاه باقى أوجه الصرف على الإعمار والجيوش والعسس وغيرها؟ بغض النظر عن الإجابة فمن المنطقى أن يكون الموقف هو أن هناك ميزانية أو موارد يقابلها الإنفاق؛ إطعام الفقراء وكفالة الأيتام وتجهيز الجيوش والإنفاق على عابرى السبيل وغير ذلك. لقد قرر أبوبكر الصديق، رضى الله عنه، خوض الحرب ضد من قرروا أن يتوقفوا عن دفع الزكاة.. وموقف الخليفة يؤكد أن الزكاة كان يتم بالفعل تقديمها للدولة بشكل إلزامى رسمى.

نحن الآن أمام مشهد غريب.. تقوم الدولة بالإنفاق على فئات مستحقة للزكاة بالمنظور الإسلامى وتتوسع فى الإنفاق على فئات بما يشبه الصدقات.. فى نفس الوقت لا يقدم المواطنون المسلمون أموال زكاتهم ولا صدقاتهم للدولة! قد يعترض أحدهم على عبارة «إن الدولة تتصدق» وأن هذا الإنفاق واجب على الدولة مثل كل دول العالم! قطعًا هذا غير صحيح.. لا توجد مظلات حماية اجتماعية فى الدول المتقدمة مثل ما تقدمه مصر.. هذه هى الحقيقة التى لا يريدون تصديقها..النقطة الأخرى أن نفس هؤلاء المعترضين يغضون الطرف عن نقطتين فى غاية الأهمية.. الأولى أنهم هم أنفسهم يصرون على تأكيد الهوية الإسلامية للدولة ويرفضون أن تكون الدولة بلا هوية دينية.. النقطة الثانية أن المصريين المسلمين يقومون بالفعل بدفع زكواتهم وصدقاتهم، لكنهم فى غالب الأمر يقومون بتقديمها لأفراد أو مؤسسات أو جهات تخرج عن عباءة الدولة. ومن سابق التجارب فى السنوات العشرين السابقة لأحداث يناير ثبت أن كثيرًا من أموال صدقات وزكوات المصريين اتجهت إلى غير ما أرادوا، وأن الكثير من هذه الأموال تم توجيهه فى صورة طلقات رصاص موجهة لصدور المصريين أنفسهم! فإذا كانت الدولة تقوم بالإنفاق على دور الأيتام مثلًا والأرامل والمطلقات، وتقوم بتقديم دعم مادى مباشر فى صورة أطعمة، وتقوم بعلاج غير القادرين فى المستشفيات العامة، وتقوم بتوفير خدمات التعليم المجانى وخدمات المسكن لغير القادرين بتخفيضات أو دعم، وغير ذلك كثير- إذا كان الأمر كذلك فلماذا لا يكون من حق هذه الدولة أن تتولى جمع أموال الزكاة من المصريين بشكل رسمى إلزامى كما كان يفعل الحكام المسلمون عبر عشرات القرون؟! أليست الدولة المعاصرة هى «أولى الأمر» فى الفقه والفكر الإسلامى؟ وهل تجرأ أحد مواطنى هذه الدول المتعاقبة- حتى فى ذروة فساد وتجبر كثيرٍ من حكامها- على الامتناع عن تقديم زكاته لبيت المال؟ ومن الذى قرر فجأة أن يستولى على هذه المصادر ويحولها لقطاع خاص بعيدًا عن الدولة أو أولى الأمر؟ فهل مثلًا الجمعيات الخيرية المختلفة- وبعضها فى السابق لم يكن إلا ذراعًا لجماعة مارقة- هى أولو الأمر؟ أو هل أى مؤسسة دينية لا تندمج ماليًا فى ميزانية الدولة هى «أولو الأمر»؟ أو هل أى شخصٍ فرد هو «أولو الأمر؟!».

الرد المتوقع كالآتى.. إن مصر- كدولة معاصرة- تعتمد على تحصيل الضرائب والرسوم المختلفة من جميع المواطنين، ومن تلك الأموال وغيرها من مصادر دخل قومى تنفق هذه الدولة على جميع أوجه الإنفاق.. حسنًا، إذا كان الأمر كذلك، وهناك دولة معاصرة تتولى رسميًا الإنفاق على الفئات المستحقة للزكاة بصفتهم مواطنين، فلماذا لا تكون هذه الضرائب والرسوم التى يدفعها المواطن للدولة هى البديل عن الزكاة التى كان يدفعها المواطن سابقًا لأولى الأمر؟! ولماذا لا تصدر فتوى بهذا بشكل رسمى؟ والرد أن الزكاة كانت قائمة دائمًا بجوار الخراج والمكوس.. هذا الرد يرجعنا لنفس النقطة.. إن الزكاة أيضًا كانت تُدفع لبيت المال، أى للدولة، فلماذا يقوم آخرون- جهات أو أشخاصًا- بالاستيلاء على هذا الحق من الدولة وهم لا يقومون ولا يلتزمون بما تلتزم به الدولة؟! أنا قطعًا لا أدعو إلى التوقف عن دفع الزكاة أو الصدقة أو أدعو للتضييق على المحتاجين، لكننى أدعو إلى تصويب هذا المشهد من الناحية الدينية والواقعية طلبًا لتحقيق العدل والمنطق.. فإما أن تكون الضرائب التى تحصّلها الدولة الآن هى شرعيًا بديل الزكاة التى حدد الإسلام بشكل حصرى هوية صاحب الحق بتحصيلها وهو الدولة.. أو أن يعود حق التحصيل هذا رسميًا إلى الدولة المصرية بصفتها «أولى الأمر»، وهى دولة تقوم بالإنفاق على المساجد ومختلف أوجه الإنفاق المشابه لما كانت تلك الدول السابقة تقوم به.

السؤال المنطقى: وماذا عن المواطنين المسيحيين بصفتهم مواطنون مصريون يستفيدون أيضًا من إنفاق الدولة على نفس الفئات؟ الإجابة أن تتولى الدولة أيضًا، ورسميًا، تحصيل أموال العشور أو أى أموال يقدمها هؤلاء المواطنون من باب التبرعات أو الصدقات أو الهبات والتى توازى الزكاة للمسلمين. وإذا أتت الإجابة بسرعة هكذا: لا، لا، نحن لا نريد هذا.. نحن نريد دولة مدنية خالصة وما تقوله هو تكريس لفكرة الدولة الدينية! حسنًا لو اتفق المصريون على هذا- إن مصر دولة مدنية بالمعنى الحقيقى- الآن أو غدًا، نكون وقتها فى حاجة إلى اجتهاد دينى- إسلامى ومسيحى- ينهى تمامًا فكرة أن توجد مؤسسات أو هيئات أو أشخاص يتلقون أموالًا طائلة من المواطنين المصريين- بأى مسمى زكاة أو صدقة أو هبة أو عشور- فيما يشبه الاقتصاد الموازى الذى عانت منه مصر كثيرًا.. أى أن يكون للمصريين الشجاعة فى أن يختاروا بين الإبقاء على مفرداتٍ يعتبرونها من مفردات هويتهم الأصيلة، مثل الزكاة والصدقات والعشور- وفى هذه الحالة تقوم الدولة رسميًا بهذا التحصيل- أو التحول الكامل الصارم لدولة مدنية لا يدفع فيها المواطنون أموالهم خارج القانون بهذه الكميات، وأن تكون الضرائب والرسوم هى فقط البديل الشرعى لكل أوجه ومسميات تحصيل الأموال بمسميات دينية، ولا يكون ذلك خروجًا عن الهوية الدينية.

وباختصار.. إما أن تكون الدولة فقط هى صاحبة الحق فى تحصيل أى أموال تحت أى مسمى دينى، أو أن يتم فتح باب الاجتهاد الدينى ويتم اعتبار الضرائب هى بديل الزكاة والعشور، وساعتها تصدر تشريعات صارمة لمنع تحصيل أى أموال من أى جهة دينية، سواء كانت جمعيات خيرية أو مساجد أو مراكز إسلامية أو كنائس! طالما بقى هذا المشهد- تحصيل هذه الجهات لأموال المصريين- فأى حديث عن مدنية الدولة هو حديث مبتور.
اعتراض البعض على وجود مجالس عرفية لحل المشاكل، واعتبار ذلك يتعارض مع مبدأ مدنية الدولة- وأنا أوافق تمامًا على اعتراضهم- هو انتقاء لمشهد واحد من المشاهد التى تعارض فكرة مدنية الدولة وترك لمشهدٍ آخر لا يقل أهمية، وهو مشهد الرضا بأن يكون لمؤسسات دينية الحق فى تلقى أموال المصريين بشكلٍ موازٍ للدولة. هل الصمت أو تجنب الاقتراب من هذه التساؤلات مردها استمراء البعض للوضع الحالى واستفادة البعض الآخر من بقاء الوضع كما هو عليه؟ مدنية الدولة بشكل حقيقى لا يقبل هذا الانتقاء. المسألة بسيطة.. مسألة اختيار.. هل يريد المصريون دولة مدنية بشكلٍ حقيقى كامل؟ هذا يعنى أن تذهب أموال المصريين- مسلميهم ومسيحييهم- لخزانة الدولة بشكل مباشر، لأن هذه الدولة تقوم الآن بكل الأعباء. أم هل يريد المصريون الاستمرار فى منح هذه الجهات حقوقًا هى من الحقوق الأصيلة للدولة ويعتبرون أن تلك المؤسسات الدينية بمختلف مسمياتها وهوياتها من حقها أن تمارس هذا الدور؟ هذا يعنى أنهم يتنازلون عن الفكرة الحقيقية لمدنية الدولة، وأن كل أحاديثهم فى هذا الموضوع مجرد أحاديث فارغة من المضمون ولا تعبّر عن تنوير فكرى حقيقى.

نأتى لما هو أخطر.. الأوقاف الخيرية بطول مصر وعرضها، سواء كانت أوقافًا إسلامية أو مسيحية.. لماذا لا نعيد النظر إلى هذا الوضع القائم؟ إذا كان أصحاب هذه الأوقاف قد وهبوها لكى تنفق مواردها فى أحد أوجه الخير، فهل اشترطوا وقتها مثلًا تحديد هوية من يقوم بإدارتها؟ أو كيف تُدار؟ وهل إذا ما كان هناك طرقٌ أخرى لتعظيم مواردها شريطة أن تكون تحت ولاية الدولة بشكل رسمى فهل هناك ما يمنع؟ وإذا كان قديمًا يتم إنفاق بعض ريعها لتجهيز الجيوش وبناء المستشفيات والإنفاق على طلاب العلم، وكل هذا تقوم به الدولة الآن، فلماذا لا يكون منطقيًا وعادلًا تمامًا أن تؤول ملكية هذه الأوقاف بشكل مباشر للدولة المصرية تتصرف فيها كأحد موارد الدخل القومى وألا يقتصر ريعها على عمارة المساجد فقط أو ما تقوم به وزارة الأوقاف بالنسبة للأوقاف الإسلامية والجهة المقابلة بالنسبة للأوقاف المسيحية؟.

تقوم مصر الآن بخوض مواجهات عسكرية مباشرة- كما هو الحال منذ أكثر من عشر سنوات- بما يتكلفه ذلك من تكاليف باهظة لحماية الأرض والشعب والمقدرات.. تقوم الدولة بالإنفاق على مئات الآلاف من طلاب العلم فى المدارس والجامعات.. تقوم الدولة منذ سنوات بالإنفاق على المرضى غير القادرين.. كل ذلك يجعل من تمام المنطق والعدل أن تتولى الدولة التصرف فى وإدارة جميع الأوقاف فى مصر. نحن فى حاجة لاجتهادات دينية فكرية جريئة وجديدة. الذين يرفضون المساس بمضمون التراث الدينى يكرسون لاستمرار مشاهد غير منطقية ولا تتسق حتى مع ما كان سائدًا فى تلك الدول التى كُتب التراثُ فى عهودها. أنا هنا فقط أطرق الأبواب وأتقدم ببعض الأفكار التى من المنطقى أن يكون بعضها صائبًا وبعضها خطأ.. كما أطرح الأسئلة وأترك إجاباتها لمن يملك حق الإجابة عنها.. وأيضًا لمن يملك الشجاعة!.







