فلسفة البلطجة.. من «فتوات النبوت» إلى «معلمين الديجيتال»
- الدولة تكتب الآن كلمة النهاية فى وجود فتوات النسخة الديجيتال على أرض مصر
يصرخ سعد اليتيم أو الفنان أحمد زكى فى أهل الحارة «يا عالم افهموا.. بدران والهلباوى دول مش فتوات دول بلطجية.. الفتوات هم اللى يجيبوا حق المظلوم من الظالم».. الفيلم إنتاج عام 85 ومن المفترض أن أحداثه تقع فى عصر الاحتلال الإنجليزى أى نهايات القرن التاسع عشر. منذ أيام نشرت بعض الصفحات مقطع فيديو من لقاء تليفزيونى لمطرب شعبى شهير «س.ا» يقول للمذيعة: «المعلم «..» عنده أسد فعلًا بس اللى بيحصل لو أنا اتفقت مع حضرتك نعمل شغل وأخدت منك فلوس ورفضت أعمل الشغل وأرجعهالك.. يجى المعلم.. يجبنى وبينى وبين الأسد حاجز يقولى ها هتدفع ولا..» ترد المذيعة المذهولة قائلة: «بس دى بلطجة» يرفض المطرب الشعبى هذا الوصف ويصر إنها «جدعنة»!


وجود فتوات النبوت فى مصر فى فترات تاريخية بعينها ليس من بنات أفكار الراحل العظيم نجيب محفوظ، لكن هذا الوجود حقيقة أثبتتها كتابات كثير من المؤرخين القدامى والباحثين المعاصرين. تشير كتابات هؤلاء إلى وجود الفتوات فى مصر المملوكية تحت الحكم الرسمى العثمانى، ولا يوجد قطع تاريخى زمنى على بدء هذا التواجد. لكن المؤكد أن الفتوات كانوا حقيقة حين غزا الفرنسيون مصر؛ حيث أشار الجبرتى كثيرًا جدًا إليهم فى أكثر من موضع خلال وصفه لأحداث السنوات الثلاث مدة الاحتلال الفرنسى لمصر. جاءت إشاراته إليهم فى مواضع من وصفه لما نطلق نحن اليوم عليه ثورة القاهرة الأولى والثانية. بينما جاء وصف الجبرتى لهذه الأحداث مختلفًا تمامًا عن مسمى الثورة. حسب رواية الجبرتى دخل نابليون القاهرة دون أى مقاومة – بعد هزيمة المماليك قبل دخوله القاهرة – من أهلها. بل على العكس فقد أعطانا الجبرتى وصفًا حزينًا لمواكب خروج سكان القاهرة منها خوفًا قبل دخول بونابرت لها، وكيف عادت المواكب قسرًا بعد تعرضها للنهب والسلب من قطاع العربان خارجها حتى إن النهب والسلب قد امتد للملابس الشخصية. ظل الفرنسيون فى القاهرة يتعاملون مع شيوخ الأزهر وكبار القوم لمدة أشهر حتى إن بونابرت أمر وأشرف بنفسه على تجهيز الاحتفال بالمولد النبوى، وحاول إقناع المصريين أن معركته مع المماليك. تفجرت الأحداث حين شرع الفرنسيون فى حصر الممتلكات العقارية وأصدروا الأوامر بدفع ضرائب على تلك العقارات. تفجرت الأحداث وتحولت إلى فوضى عبثية وكثرت أعمال السلب والنهب. المهم أنه حين وصل الأمر إلى محاولات صنع المتاريس فى الحارات يشير الجبرتى فى أكثر من موضع إلى مشاركة فتوات مختلف المناطق القاهرية فى الأحداث. لقد أشار الجبرتى إلى الفتوات بلفظ «الزعر» حيث يقول فى مقدمات ما يعرف بثورة القاهرة الأولى: «اجتمع حشد من حشرات – حرافيش – الحسينية وزعر الحارات البرانية». يشير الجبرتى إلى مشاركة الفتوات فى مشاهد سلب ونهب بشكل صريح خاصة. كما أشار بونابرت فى كثير من عباراته إلى الفتوات واصفًا إياهم بلقب «الحشاشين البطالين» وإلى ما يثيرونه من أعمال شغب وفوضى. يروق لبعض الكتاب المعاصرين أن يتغنوا بدور الفتوات فى المقاومة ضد الفرنسيين، تمامًا كمن نسجوا أسطورة شيوخ الأزهر وتزعمهم للمقاومة. لكن تاريخيًا، وحسب من عاصر الأحداث «الجبرتى» وهو تقريبًا المؤرخ الأوحد الموثوق فى كتاباته عن هذه الفترة هناك شكٌ كبير فى دور هؤلاء وأولئك. تعاون شيوخ الأزهر مع بونابرت بناءً على طلبه وتزاوروا معه وتزاور معهم وخلع على بعضهم الخلع والألقاب ولم يبادروا بأى دعوة للثورة ضد الفرنسيين لمدة ثلاثة أشهر على الأقل. ثم وجدوا أنفسهم كما نقول بالعامية «فى وش المدفع» حين تفجرت الفوضى وكان دورهم محاولة التوسط بين الفرنسيين وبين العامة. ولقد أفردتُ صفحات كاملة من كتابى «الكتاب الأسود» لما يكشفه الجبرتى عن هذه الأسطورة. نفس المسلك كان من جانب الفتوات؛ كانوا يمارسون سطوتهم – وأحيانًا جرائمهم - على عوام المصريين وحين اندلعت أحداث ثورة القاهرة الأولى – التى أتحفظ كثيرًا على وصفها طبقًا لما حدث – شارك بعضهم فى مواجهة الفرنسيين، لكنهم أيضًا شاركوا فى أعمال النهب والسلب.


وفى تقديرى أن ظهور الفتوات فى فترات الحكم العثمانى المملوكى «اسمًا تحت الحكم العثمانى وفعلًا تحت سيطرة المماليك» كان طبيعيًا ويتماشى تمامًا مع ما ورد فى الجزء الأول من وصف مصر عن «الأتاوات» التى كان يدفعها المصريون أكثر من مرة ولأكثر من شخص وبغير سند أو منطق إلا منطق القوة والقهر. لم يظهر الفتوات من العدم، إنما كان وجودهم نتيجة منطقية لما كان فى مصر من ظروف سياسية واجتماعية. تتداخل المسميات، وتبقى البداية حين ابتدع الاحتلال العثمانى نظامًا للحكم والجباية يقوم على فكرة منح أشخاص بعينهم حق التحصيل من أحياء أو قرى بأكملها وإطلاق يد هؤلاء فى استخدام القوة ضد الشعب المصرى لهذا التحصيل. الملتزم كان هو نقطة البدء؛ شخص لديه من الثراء والقوة ما يمكنه من الحصول على هذه الصفة، ثم يستخدم قوته القائمة على الرجال والسياط لتحصيل أضعاف مضاعفة لما سوف يقوم بسداده للمحتل العثمانى. كان لهؤلاء رجال فى كل شارع، وكل رجل له رجاله للسيطرة على أهل صناعة معينة أو مجموعة حوانيت. من رحم هذا الظلم العثمانى المملوكى وتماشيًا مع التسلسل إلى أدنى درجات السلم، ولدت فكرة الفتوة. بعيدًا عن الأتاوة الرسمية التى سوف يتم تحصيلها لصالح المحتلين «عثمانيون ومماليك» كان منطقيًا أن يستقر فى كل منطقة أحد هؤلاء الأشداء وأن يتم تنصيبه بمنطق القوة المجردة حاكمًا فعليًا للمنطقة يقدم لأهلها حماية من هجوم مباغت من أقوياء أو فتوات مناطق أخرى وأن يمنع السرقة فى نطاق منطقة حكمه أو يرد المظالم. أصبح مؤسسة حاكمة بالفعل وعلى الجميع أن يدينوا له بالولاء وأن يدفعوا نظير هذه الحماية. وقبل أن يصل إلى هذه المرتبة كان عليه أن يثبت قوته بحسم الصراع مع أنداده. ورجاله هم من يقومون بفرض سطوته وقانونه. ولطبيعة الفترة التاريخية وغياب فكرة الدولة الواحدة الحامية، أصبح هؤلاء الرجال فتوات على الحرافيش. كان هناك ترابط مصالح بين الملتزم وأحيانًا «المحتسب» – كممثلين للسلطة الحاكمة - وبين هؤلاء الفتوات. وبعد الاحتلال الإنجليزى أصبح هذا الترابط – بين سلطة الاحتلال وبين الفتوات - حقيقة على الأرض.

لم تكن الظروف السياسية وحدها السبب فى هذه الظاهرة، لكن كان هناك جانب اجتماعى خطير دفع المصريين إلى الاستسلام التام لسطوة الفتوات والخضوع لأحكامهم ودفع الإتاوات. هذا الجانب هو الفساد التام لكل ما يتعلق بمرفق العدالة القانونية فى مصر على الأقل منذ القرن السابع عشر. أصبحت الرشوة أو البرطلة هى القانون السائد فى كل إجراءات التقاضى؛ يحكم القضاة لمن يدفع رشوة وليس لصاحب الحق، وتُدفع الرشاوى لشهود الزور ولرجال الشرطة ولحجاب القضاة ولكل من له علاقة بأى إجراء أو خطوة من خطوات التقاضى بمن فى ذلك رجال الدين ممن يشاركون القضاة فى حسم المسائل الدينية. ورد هذا فى عشرات الوثائق وقام بعض المؤرخين بتوثيق هذه الظاهرة التى وصلت لأقبح وأفجر فتراتها فى القرن التاسع عشر. لذلك فقد المصريون أى أمل فى العدل عبر اللجوء للقضاء الرسمى ورضوا بشكل تام بفكرة الفتوة، وأصبح كل غايتهم أن يُحسم أمرُ حارتهم لصالح فتوة يتسم ببعض العدل!
أما كلمة حرافيش فلها مدلولات كثيرة، فبعضهم يقول إنها للإشارة لمن لا ينتمون إلى حارة معينة، وبعضهم يقول إنهم الصعاليك، أو من يقيمون خارج حدود الحارة ويعانون الفقر المدقع ويرتدون الثياب المهلهلة أو الخيش أو حسب وصف الجبرتى «أسافل القوم»، أو أنهم الطبقة الدنيا فى المناطق القاهرية. ولا يُعرف على سبيل الدقة متى تم استخدام اللفظ، لكننا يمكننا اعتبار كتاب الجبرتى عن الحملة الفرنسية هو التأريخ الموثق لوجود مصطلح الفتوات ومصطلح الحرافيش. أى أننا نتحدث عن عام ١٧٩٨م. وكان الحرافيش يحرصون على مشاهدة وحضور صراع الفتوات للحصول على لقب فتوة حارة بعينها، ويشاركون فى موكب الفتوة المنتصر وسط رجاله.


استمر وجود الفتوة فى كثير من مناطق القاهرة العتيقة حتى منتصف القرن الماضى على الأقل وربما استمر على استحياء فى مناطق أقل بعد يوليو ٥٢م. بعض الكتب الصادرة حديثًا ذكرت أسماء وسير بعضهم. ويرى بعض الكتاب المعاصرين أن فساد الفتوات بلغ ذروته بعد الاحتلال الإنجليزى لمصر، وأن بعض هؤلاء الفتوات كان يتمتع بغطاء أجنبى للحماية يحميه من المساءلة القانونية عن جرائمه التى قد تصل للقتل ثم يتم تغيير الأوراق ويتم تبرئة الفتوة القاتل كما حدث فى حادثة مقتل فتوة سوق السلاح «عبد الغنى» على يد محمود عبدالحكيم بالضرب على الرأس. قدمت والدة عبدالغنى بلاغًا تتهم فيه محمود بقتل ولدها، وكان محمود عبدالحكيم يتمتع بحماية القنصلية الفرنسية. استأذنت السلطات القنصلية الفرنسية للقبض عليه وتم ذلك بالفعل، وبعد تدخل القنصل أصدر الطبيب تقريره «أن الوفاة ناشئة عن تناول كمية كبيرة من الخمر!»
من الأسماء التى ذكرها بعض الكتاب المعاصرين.. فى حى الناصرية كان التنازع على لقب فتوة بين ثلاثة «حسن الأسود وأبو طاجن وأحمد منصور».. وفى باب اللوق كان النزاع محصورًا بين «عبده الجياشى وفرج الزينى ومرجان السقا».. وفى حى «الحنفى» كان الحاج حسن جاموس وولى عهده حافظ الهوارى.. فى الحسينية الفتوة إبراهيم عطية.. وفى بولاق فى مرحلة لاحقة كان عفيفى القرد.. وفى الحطابة حنفى حلوف.. والمفاجأة كانت هناك سيدات حصلن على لقب فتوة مثل عزيزة الفحلة وابنها محمد فى المغربلين.. والمعلمة توحة فتوة المطرية.
هناك فتوة هو إبراهيم كروم «فتوة بولاق والسبتية» قرر عام ١٩٤٢م أن ينضم لجماعة الإخوان وأطلق عليه حسن البنا لقب «فتوة الأتقياء» بعد أن كان فتوة الأشقياء! وكان الحاج فهمى على الفيشاوى هو فتوة حى الحسين فى الثلث الأول من القرن العشرين، وهو صاحب المقهى الشهير. وتلقب هؤلاء الفتوات بلقب «المعلم».


الصورة الذهنية النمطية للفتوة فى مخيلة المصريين أنه الشخص الذى ينصر المظلوم ويردع الظالم ويقيم الأعراف والتقاليد ويلزم بها سكان منطقته، وهى الصورة الأكثر أخلاقية من صورة روبن هود اللص الذى ينهب أموال الأغنياء ليمنحها للفقراء والتى تسيطر على عقل بعض المصريين حتى الآن. وجود الفتوة ارتبط بعدة حقائق واقعية، أولها الجهل الذى كان مسيطرًا على عموم المصريين والذى يقنعهم أن الذهاب للمحاكم لن يأتى لهم بحقوقهم. الحقيقة الثانية هى استقرار فكرة فساد عملية التقاضى فى مصر لمدة قرنين على أقل تقدير، ثم التباطؤ فى التقاضى فى العقود التى شهدت وجود محاكم مدنية فى مصر. والحقيقة الثالثة والأهم هو الخوف من مخالفة الفتوة؛ فمواجهة الفتوة تعنى فقد الحياة أو فقد أحد أعضاء الجسد. ولم تكن مواجهة الفتوة هى السبب الوحيد فى حدوث هذا، لكن عدم احترام الفتوة كما حدث فى واقعة عدم وقوف أحد رواد المقهى للفتوة.. لكن هذا الأفندى الذى لم يقف كان بطلًا رياضيًا مصريًا استطاع مواجهة الفتوة مع أكثر من أربعين رجلًا ثم أصبح هو الفتوة الوحيد الذى يرتدى بنطالًا وطربوشًا.. هو على الحسينى فتوة حى السيدة زينب الذى كان بطلًا مصريًا عام ١٩٢٨ فى ألعاب القوى. لذلك فمواجهة الفتوة لم تكن فى تفكير الحرافيش ولا حتى الأعيان الذين كانوا يرون فى الفتوة وسيلة للحفاظ على ممتلكاتهم وتجارتهم ونفوذهم. لقد أصبحت غاية الحرافيش هى تولى فتوة عادل يتحلى بحدٍ أدنى من الإنصاف. تقريبًا كل أفلام الفتوات والحرافيش كانت تدور فى هذه النقطة؛ فى «التوت والنبوت» كانت النهاية السعيدة فى التخلص من الفتوة الظالم «حمدى غيث» وانتصار الفتوة العادل «عزت العلايلى»، ونفس الفكرة مع نور الشريف فى «المطارد»، ومرة ثالثة مع الفنان محمود يس أو «سليمان الناجى» فى «الحرافيش».

هناك فترة انتقالية بين عصر فتوات النبوت بكل زخمها التاريخى وظروفها السياسية والاجتماعية، وبين عصر فتوات النسخة الديجيتال التى سوف أتحدث عنها. هذه الفترة الانتقالية كانت خلال عقدى الثمانينيات والتسعينيات. بدأ ظهور شخصيات فى بعض المناطق الشعبية التى وُصفت وقتها بأنها مناطق «غير آمنة». هؤلاء لم يكونوا الخلفاء الشرعيين لعصر الفتوات، لكنهم كانوا يمتلكون مزيجًا من القوة البدنية وسوء الخلق وممارسة أنشطة خارج القانون. وجدوا أنفسهم قوة حقيقية يسير فى ركابهم بعض المنتفعين. بعضهم قرر السيطرة على مناطق بعينها، وفرض إتاوات بالفعل على بعض أصحاب المحلات مقابل تركهم يمارسون أنشطتهم دون مضايقة من البلطجى أو من أتباعه. وبعضهم «اشتغل على نفسه وطور نشاطه.. عنده طموح!» فظهرت على أيدى هذا البعض لأول مرة الفكرة التى أشار إليها المطرب الشعبى والتى افتتحتُ بها مقالى.
فى نهايات التسعينيات حدثنى صديقٌ من محافظة ساحلية مهمة عن هذا العالم الجديد، وسمعتُ لأول مرة وصف «المعلم». فى مفرداتنا نستخدم كلمة معلم عادة للإشارة إلى أصحاب مهن أو تجارات بعينها. سخر منى صديقى المحاسب صاحب بعض الممتلكات فى محافظته، وفسر لى مفردات هذا العالم: «المعلم دا حاجة كدا زى الفتوة بتاع زمان بس على جديده. لو ليك فلوس ميتة عند حد تروح للمعلم دا وتسلمه الورق أو أى إثباتات.. هيرجعهالك مقابل نسبة التلت أو الربع أو النص.. إنت وظروفك.. كمان لو حد مدايقك ممكن يبعده عنك!».. كان ردى هو نفس رد المذيعة على المطرب: «دى بلطجة».. وكان منطق صديقى: «أحيانًا دا الطريق الوحيد علشان تجيب حقك»، وذكر لى اسم أحدهم فى محافظته وأسهب فى وصف «صبيانه».. يقومون بخطف الشخص المطلوب وتهديده حتى يقوم بالدفع أو بالتنازل عن بعض ممتلكاته مقابل حياته ومقابل تسديد دينه. وردًا على سؤالى عن أنشطة هذا المعلم أجاب صديقى باختصار: «طبعًا كل حاجة شمال تيجى على بالك».


هذه الفئة – التى ظهرت فى عقدى الثمانينات والتسعينات - مختلفة تمامًا عمن نعرفهم باسم «المسجلين خطر»؛ فهذه الفئة الأخيرة – المسجلون - أقل فى الأهمية ولا تقوم بما كان يقوم به هذا المعلم وأمثاله. المسجلون خطر قاموا بدور يعرفه المصريون الذين عاصروا فترة ما قبل أحداث يناير وكانوا يهتمون بالشأن العام. أثناء سنوات حكم مبارك – خاصة السنوات العشر الأخيرة - تحملت وزارة الداخلية المصرية على عاتقها وبمفردها كل ملفات الفشل السياسى، فهى وحدها التى قامت بمقاومة الإرهاب ودفعت المئات من رجالها بين شهيد وجريح فى حين تخلت عن أدوارها مؤسسات كبرى ومؤسسات أخرى ساهمت فى مساندة الفكر الإرهابى. وهى – أى وزارة الداخلية - التى كانت تتصدى فى الواجهة لعواقب وآثار كل قرار أو سياسة خاطئة بدءًا من مخالفات البناء مرورًا بالكهرباء ومواجهة بلطجية الانتخابات وغير ذلك. ترتب على هذا أن تقلص عدد رجال الأمن الجنائى الخاص بحماية المصريين من ظواهر البلطجة وغيرها، فكان مثلًا يُترك لعدد من الضباط لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة مهمة تأمين منطقة يقترب عدد سكانها من ربع مليون مواطن، وهؤلاء الضباط لم يكن معهم من الأفراد ما يكفى للخروج فى مهمات تأمينية ثقيلة، فلجأ بعضهم للاعتماد على المسجلين فى كل منطقة لجمع المعلومات. وترتب على ذلك أن أصبح لهؤلاء نفوذًا يمارسونه على بعض المواطنين. وهؤلاء المسجلون هم من قاموا بالاعتداء على مقار الشرطة فى فوضى يناير ٢٠١١م وتحديدًا يوم ٢٨ يناير، ومرة أخرى دفع كثيرٌ من رجال الشرطة حياتهم ثمنًا لما حدث وهم يدافعون عن أقسام الشرطة. وهذا الحديث هو نص ما سمعته من أحد ضباط الشرطة قبيل فوضى يناير بأشهر تعليقًا منه على سؤالى عما نشرته إحدى الصحف المستقلة عن غياب الأمن الجنائى للمواطنين. كانت الجريدة تزعم أن ذلك الغياب عن بعض مناطق مصر مرده الاهتمام بالأمن السياسى على حساب الأمن الجنائى، لكننى لم أقتنع برؤية الجريدة لسبب منطقى أن القطاع المسئول عن الأمن السياسى – كما هو الحال فى كل دول العالم – منفصل عن باقى قطاعات الأمن، ولكل قطاع رجاله. مأساة المصريين مع هذه الفئة «المسجلين خطر» أنها لم تكن فئة تدعى ولو صوريًا أنها تعيد الحقوق لأصحابها، وإنما كانت فئة سيئة السير والسيرة سببت آلامًا كبرى لآلاف الأسر المصرية فى مناطق شعبية تقريبًا بجميع محافظات مصر وقتها.


بعد واقعة القبض على أحد «المعلمين» منذ أيامٍ، فاجأتنا صفحات السوشيال ميديا بمظاهرة استعراضية تطوع بالقيام بها عدد كبير ممن أطلقوا على أنفسهم نفس اللقب «المعلم» مقرونًا ببعض الأوصاف أو الألقاب مثل أسماء أفلام الأكشن الشعبية ومثل ألقاب المعلمين الآخرين.. فكما سمعنا يومًا عن «وحش الفيزياء» و«أسد الكيمياء».. سمعنا أخيرًا عن «أسد الصحراء» وأسد هذه المنطقة أو تلك. فى الأيام التالية لواقعة القبض ما حدث هو كما يقول المصريون فى حديثهم الدارج «حنفية معلمين اتفتحت فى وشنا على صفحات التواصل!» لفظ المعلم الذى يصرون على تكراره ووضعه قبل اسم أى منهم.. هذا الإصرار على اللقب لا يأتى اعتباطًا.. هو إصرار على أن ينسبوا أنفسهم لسلسلة فتوات مصر.. إصرار على أنهم خلفاء هؤلاء الفتوات سواء قبلنا أم لم نقبل بذلك كمصريين! وأحدهم أو ربما أكثر تمتع بروح دعابة هزلية واستخدم لقب نقيب معلمى مصر!
يجب أن نعترف أننا كثيرًا ما ظلمنا صناع هذه الأفلام التى يتم وصفها بسينما الترسو أو المقاولات؛ لأن ما حدث مؤخرًا دفع عن هؤلاء الصناع أى اتهامات بالاستسهال أو المبالغة. على طريقة الفنان محمود عبدالمغنى فى فيلم «الجزيرة» متحدثًا عن منصور «هو كان عايز ينبهنى بس أنا مفهمتش!».. صناع هذه السينما كانوا يريدون أن يخبروننا بحقيقة واحدة أن عصر الفتوات فى مصر ما زال قائمًا وهو عالم له رجاله وأسراره.. وهم – أى صناع هذه السينما – إنما أرادوا أن يضيئوا لنا الطريق لنرى أسرار هذا العالم.. عالم النسخة الديجيتال من فتوات مصر! النسخة التى تحتوى على أحدث ما وصلت إليه التكنولوجيا.. سيارات بإمكانات خاصة.. أسلحة حديثة.. شخصيات براقة تبقى فى الظل وكثيرًا ما تكون نسائية تنتظر أى عارض لتقوم بدور محدد تمامًا فى حماية ما تستطيع حمايته من الممتلكات. على طريقة فيلم «عصر القوة» للعملاق عبدالله غيث والنجمة نادية الجندى.. أو لنرجع للأصل ولنقل على طريقة رائعة «الأب الروحى» للعائلة! رجال بيزنس ورجال اقتصاد وربما بعضهم يعمل بالسياسة يكونون عائلة المعلم وأركان حكمه! وفى أوقات المحنة هناك سيدات ورجال الظل!
لم يقتصر الأمر على استعراض القوة الذى ضجت به صفحات السوشيال ميديا والذى أظهر فجأة للمصريين أسماء كثيرٍ من أبطال هذا العالم السرى العلنى، لكن اتضح أن لكل معلم من هؤلاء المعلمين مملكته ورجاله الذين قاموا بدور المساندة والدفاع عبر استعراض محاسن ومآثر معلميهم أو حتى استعراض – كما شهد بسذاجة فريدة المطرب الشعبى الشهير – جرائم هؤلاء المعلمين! عمومًا ما حدث هو حظ ورزق صناع السينما.. وحى وإلهام يمنحهم أفكارًا لأعمال لعشر سنوات قادمة!

النقطة المفقودة أو السؤال الغائب فى هذا المشهد الأخير – الذى يكشف عن محاولة فرض وجود نسخة ديجيتال من عصر الفتوات فى مصر العتيقة – هو سؤال موجه للمجتمع بأفراده ومؤسساته.. إذا كان أحدنا صاحبَ حق وله ديون موثقة مثلًا.. لماذا يلجأ إلى طريقة للحصول على حقه سوف تفقده ثلث أو نصف هذا الحق؟ لماذا لا يتجه إلى القانون ومؤسساته مباشرة ولن يتكلف سوى أتعاب المحاماة المشروعة؟
منذ عصر الحملة الفرنسية وحتى حرب أكتوبر، يمكن أن نتلمس الأعذار للجوء كل المصريين أو بعضهم للفتوات.. فبالإضافة لما سبق وذكرته من أسباب، فحتى انتهاء الاحتلال الإنجليزى لم يكن للمصريين دولة مؤسسية واضحة المعالم متفرغة لمهامها الدستورية والقانونية.. وبعد قيام ثورة يوليو مرت مصر بأحداث سياسية عاصفة كان مفهومًا ألا تقوم الدولة وقتها بكل مهامها على أكمل وجه. لكن بعد نصر أكتوبر وتوقيع اتفاقية السلام وقيام دولة طبيعية.. لماذا استمر هذا الوضع حتى لو اقتصر استمراره فى بعض مناطق مصر؟
فى المناطق الريفية يمكن تفهم أمر الجلسات العرفية لحسم بعض الخلافات المالية فى نطاق عائلى دون قضم نصف أو ثلث ما يتم الاختلاف حوله. لكن فى المدن الكبرى فى العاصمة أو غيرها.. ما السبب؟ الإجابة الموضوعية ربما لا تخرج عن حقيقتين: الحقيقة الأولى.. أنه فى كثير من تلك الحالات تكون هذه الأموال المتصارَع عليها هى أموال «شِمال» خارج القانون تمامًا، وعلى حسب تعبير ورد فى أحد الأفلام «دى فلوس ليل».
أما الحقيقة الثانية فهى تخص الأموال الشرعية؛ فى كثيرٍ من الأحوال يُحكم على الشخص النصاب أو المستولى على أموال الغير بالسجن.. لكن رد الأموال ربما لا يحدث أو يحدث على فترات زمنية بعيدة.
الحل الأمثل هو أن نغير بعض مواد القانون – فى حالة الخلافات المالية – لكى يصبح القانون ذاته هو الفتوة وهو المعلم!
طيب تعمليها إزاى يا مصر؟! يمكن أن نفعلها. يمكن أن تكون واقعة القبض الأخيرة وما صاحبها من مشاهد هى كلمة النهاية فى وجود فتوات النسخة الديجيتال على أرض مصر الطاهرة والتى يجب أن تتطهر من هذا الدنس وهذا العبث بكل معانى الدولة المؤسسية والقانون وجلاله وهيبته.. يمكن أن نستبدل هؤلاء المعلمين بمواد قانونية تكون هى بمثابة قفص الأسود الشرعى القانونى.. بدلًا من الحكم بالسجن عشر سنوات أو أكثر... يكون الإفراج المباشر مقابل سداد الأموال! حبس احتياطى لمدة زمنية محددة شهر مثلًا.. ليس تمهيدًا للإحالة للمحكمة.. لكن تهديدًا بقفص الأسود القانونى الشرعى.. ادفع بدلًا من الإحالة للمحاكمة.. ولن يكون قفص الأسود ناجعًا بدون تغيير العقوبة – فى حال رفض الدفع – وتغليظها! هناك أمر واقع يجب أن نتحلى بالفطنة فى مواجهته مواجهة فاعلة واقعية. بدلًا من تكلفة الإنفاق على سجن أحدهم.. تتم مساومته بمواد قانونية شرعية.. مؤبد مثلًا أو الدفع.. فترة شهر للأعوان لكى يجمعوا المال، وتحصل خزانة الدولة على نسبة عشرة بالمائة من الأموال! أن نسحب البساط من تحت أقدام هؤلاء المعلمين «الشِمال» لصالح الدولة وصالح خزانتها ونتخلص من عبء الإنفاق فى السجون على أعداد كبيرة من الفهلوية والنصابين ومن اعتقدوا أنهم «بيلعبوا بالبيضة والحجر!» أن تكون الدولة هى المعلم! هى الفتوة بالقانون لحماية مواطنيها من البلطجة مهما كان مسماها.. وأستثنى من هذا الاقتراح أى أموال عامة؛ لأنه ربما يكون فى إقرار هذه الفكرة فيما يخص المال العام إغراءً لذوى الذمم الفاسدة لمحاولة الاستيلاء ونهب هذا المال العام بمنطق: لو علموا فسوف أرد لهم أموالهم ولو لم يعلموا أخرج سالمًا بغنيمتى! عقوبة نهب المال العام يجب أن تظل قائمة ولا يسقطها إرجاع ذلك المال.
فى النهاية أتوجه بعبارة هامة لهذا المطرب الذى يرى فيما ذكره أنه «جدعنة».. هذه العبارة له ولمن يعتنق فكرته الفاسدة.. أقول له كما قال الفنان محمود عبدالمغنى لأحمد السقا فى فيلم «الجزيرة» حين قال السقا أو منصور عن أهل القرية الذين يستخدمهم فى تجارة الأفيون ويمارس عليه بلطجته وإرهابه.. قال منصور عنهم: «هم مبسوطين».. فرد عليه عبدالمغنى بعبارة كالحكمة:
«مش إنت يا منصور اللى تحدد قيم المجتمع وإيه الصح وإيه الغلط!»
مش إنت يا فنان «س.ا» من تحدد للمصريين ما هى الجدعنة وما هى البلطجة!.







