طفل فى التسعين.. أنتونى هوبكنز يعيد اكتشاف مواهبه
- الاستثنائى.. العابر للفنون واللغات والهويات يستعيد طفولته بالموسيقى والشعر والتشكيل
- عن ألبومه: كانت الموسيقى أمنيتى الأولى داومت على تأليفها ورافقتنى سنوات طويلة وما زلت أعود إليها
وعن لوحاته: الوجه ليس مهمًا.. العينان هما الأهم.. هما أكثر ما يثير المشاعر فى النفس
- وعن مذكراته: كان الشعر شاهدًا على انتصاراتى الأولى فى سنوات المراهقة
- الأحلام المؤجلة ليست ضائعة بالضرورة.. وأجمل الأعمال ربما تولد حين تظن أن الحكاية شارفت على النهاية
قبل سبعة عشر شهرًا من الوصول إلى محطة التسعين ربيعًا، يواصل النجم البريطانى السير أنتونى هوبكنز رحلة الكشف عن مواهبه الدفينة، وأحلام العمر المهملة، أو المؤجلة بعبارةٍ أدق، وهو الذى عاش حياته ممثلًا تتابع الملايين حول العالم مشروعاته الفارقة فى تاريخ المهنة، على شاشات السينما والتليفزيون، أو فى قاعات العرض وأروقة المسارح وبلاتوهات التصوير.. وبعد أن طبع بصمته كواحد من كبار فن التمثيل فى العالم لسنوات طويلة، جاءت سنوات الحصاد ليكشف عن نشر مذكراته، وافتتاح معرضه التشكيلى الأول، قبل أن يكشف عن موهبة أخرى فى التأليف الموسيقى.. رحلة ممتدة من البحث عن الجمال واكتشافه ونشره مع كل خطوة، وفى كل اتجاه، كممثل وكاتب ورسام ومؤلف موسيقى، ولا أحد يعلم ماذا يمكن أن تكشف عنه السنوات المقبلة من مواهب هذا النجم الاستثنائى العابر للفنون واللغات والهويات.


على غير المعتاد، لم يستسلم أنتونى هوبكنز لقيود شهرته كممثل، ولم تمنعه من ممارسة هوايات فنية أخرى، والكشف عنها، بل وتدشينها بصورة رسمية، دون خوف من المقارنة أو احتمالات الإخفاق والفشل.. اختار أن يتحرر من هذا القيد الذى طالما حاصر نجومًا وفنانين آخرين.. وفى عمر يعتقد كثيرون أنه عمر الحصاد لا البدايات، اختار أن يُذكر العالم بأن الإبداع لا يخضع لعمر، واختار أن يؤسس لقاعدة مفادها أن الفنان الحقيقى لا يتقاعد عن الإبداع، ربما يبدل أدواته، أو تتبدل الوسائط المستخدمة للتعبير، لكنه لا يتقاعد ولا تحده قيود، واختار أن يؤكد لنفسه وللجميع، أن الأحلام المؤجلة ليست بالضرورة أحلامًا ضائعة، وربما كان ذلك هو سبب إطلاق عنوان «الحياة حلم» على ألبومه الموسيقى الثانى الذى تم الكشف عنه منتصف يوليو الجارى، وقال نقادٌ إنه ليس مجرد اختيار شعرى، بل ربما كان تلخيصًا لمسيرة فنان عاش نحو تسعة عقود متنقلًا بين المسارح والسينمات، قبل أن يعود إلى اللغة التى سكنت وجدانه منذ البدايات، وكأن الحياة، بعد كل هذه الرحلة الطويلة، تعيد صاحبها إلى النغمة الأولى التى سكنت عمق داخله.
من الكاميرا إلى الأوراق والأقمشة وصولًا إلى الأوتار المشدودة، يواصل أنتونى هوبكنز، الحائز على جائزة «أوسكار» أحسن ممثل مرتين، السير بخطى ثابتة باتجاه إعادة اكتشاف مواهبه، واكتشاف مواطن الجمال وهمساته الصامتة، مؤكدًا أن أجمل الأعمال ربما تولد حين يظن الجميع أن الحكاية شارفت على النهاية.. ظهرت الطبعة الأولى من مذكراته فى نوفمبر الماضى، سبقها افتتاح معرضه التشكيلى الأول، وها هو يتبعها جميعًا بإطلاق ثانى ألبوم موسيقى من تأليفه، وليشهد الأسبوع الأول من يوليو إطلاق أولى مقطوعاته كمؤلف موسيقى، بعنوان «بروكن روود»، وهو اسم شارع بجنوب ويلز حيث عاش طفولته.

هذه المقطوعة تأتى ضمن مجموعة من الأعمال الأوركسترالية التى ألفها هوبكنز على مدار سبعة عقود، ومن المقرر إصدارها فى ألبوم موسيقى فى الحادى والعشرين من أغسطس المقبل، وفقًا لبيان مشترك مع شركة «ديكا كلاسيكس» للتسجيلات الموسيقية، جاء فيه أن هوبكنز بدأ العزف على البيانو فى سن السادسة، وقال: «كانت الموسيقى رغبتى وأمنيتى الأولى، فحافظت على تأليفها طوال حياتى، ورافقتنى بعض هذه المقطوعات لسنوات عديدة، وما زلت أجد نفسى أعود إليها من وقت إلى آخر»، كما جاء فى البيان أنه كان يؤلف الموسيقى لمسرحيات محلية خلال فترة مراهقته، وأنه واصل تأليف الموسيقى حتى عندما انطلقت مسيرته التمثيلية، وأن هذا الألبوم يضم أعمالًا أبدعها على مدار حياته.
من جانبها كشفت شركة «ديكا كلاسيكس» عن أنه تم تسجيل الألبوم فى لندن خلال شهر أبريل الماضى فى «ألكساندر بالاس»، وبواسطة أوركسترا فيلهارمونى بقيادة واحد من أبرز قادة الأوركسترا فى العالم، هو المايسترو الفنزويلى جوستافو دوداميل، الحائز على جائزة «جرامى»، وبمشاركة عازف التشيلو جريجوريو نييتو، وعازف البيانو سيرجيو تيمبو، إلى جانب جوقة باخ، وجوقة أطفال كاتدرائية وينشستر، ووفقًا للبيان فإن الألبوم «مستوحى من عائلة هوبكنز، ومدينة ويلز، وتجارب حياته الطويلة»، ويكشف جانبًا جديدًا من موهبة هوبكنز، «إذ تعكس مؤلفاته الموسيقية العمق العاطفى والقدرة على السرد اللذين ميّزا مسيرته السينمائية»، وهى الموسيقى التى وصفها دوداميل بأنها «تتميز بالجمال والإتقان والخيال».


جاء فى بيان شركة الإنتاج أن هوبكنز تعلم العزف على البيانو وهو فى سن الرابعة، وبعدها بسنوات قليلة كان يُؤدى أعمال بيتهوفن وشوبان، وبدأ الارتجال فى سن السادسة، وقال: «يضم مشروع التسجيل الجديد أعمالًا كُتبت خلال مراحل مختلفة من حياة هوبكنز، إنه أشبه بمذكرات موسيقية حميمية، شكّلتها ذكريات الأحبة والخيال والتراث، وتستلهم العديد من المقطوعات مباشرةً من نشأته فى فى بورت تالبوت ويلز، ومناظر طفولته الطبيعية، بينما تعكس مقطوعات أخرى شخصيات وتجارب مهمة رافقته على مر السنين».
وعن المقطوعة التى تم الكشف عنها «بروكن روود»، قال البيان إنها مستوحاة من ذكريات طفولته، واستُلهمت من ألبومه الأول «١٩٤٧: سويت للبيانو المنفرد والأوركسترا» الذى صدر عام ٢٠١٥، وتشكل صورة موسيقية حنينية للشوارع والمروج والأراضى الزراعية والجبال التى أحاطت بمنزل عائلته فى أربعينيات القرن الماضى، بدأت فكرتها كأغنية عام ١٩٦٣، عندما كان ممثلًا شابًا فى مسرح «ليفربول بلاى هاوس»، حيث انبثق اللحن خلال ارتجالات صباحية هادئة على بيانو عمودى خلف الكواليس، قبل البروفات، ويعكس طابعها تأثرًا بموسيقى البلوز وأوركسترا هارى جيمس وألحان جاكى جليسون، حيث تخلق الأوتار العالية والبوق المكتوم والكلارينيت والبيانو المنفرد، مشهدًا صوتيًا دافئًا وتأمليًا.

وتستمد مقطوعات أخرى فى الألبوم إلهامها من ذكريات بورت تالبوت، وزيارات الطفولة إلى جده، والسينما التى أسرت خياله، والأشخاص المقربين منه، كزوجته ستيلا آريا، وابنة أخته تارا، كما يتضمن تحية أخرى لمقاطعة ويلز تتمثل فى مقطوعة «وطن أبى» التى استلهمها من الألحان الويلزية التقليدية، وقال إنها «تكريم لبداياتى المتواضعة.. فأنا ابن أبى الخباز»، أما عن الألبوم ككل، فقال: «حياتى كلها حلم، التوقيع مع شركة ديكا شرفٌ عظيم، كما كان من دواعى سرورى العمل مع أوركسترا فيلهارمونيا المرموقة والعازفين المنفردين الموهوبين، ولهذا أتقدم بجزيل الشكر والامتنان للمايسترو جوستافو دوداميل، الذى تُعد براعته الفنية جزءًا لا يتجزأ من هذه الرحلة الموسيقية، فبفضل دقة قيادته الرائعة، حوّل كل نغمة إلى معنى عميق لا يُمحى، خالقًا لوحةً فنيةً تدعو المستمع إلى الشعور وتخيّل شىءٍ شخصى فريد»، فيما قال دوداميل: «سير أنتونى هوبكنز من الفنانين النادرين الذين يتجاوز إبداعهم حدود أى وسيط فنى، فالعمق نفسه من الخيال والإنسانية والصدق العاطفى الذى ميّز أعماله الاستثنائية على خشبة المسرح والشاشة، حاضرٌ أيضًا فى موسيقاه، عند الاستماع إلى مؤلفاته، يُذهلنى جمالها وإتقانها، والشعور العميق بالدهشة الذى ينبض بها.. يتعامل أنتونى مع الموسيقى بقلب راوى القصص، وحس الشاعر، خالقًا عوالم صوتية تجمع بين العمق الشخصى، والصدى العالمى.. كان لى شرف المساهمة فى إحياء الصوت الموسيقى لفنان لا يعرف إبداعه حدودًا»، أما لورا مونكس، رئيسة شركة «ديكا» التى حضرت تسجيل الألبوم فقالت: «كان الاستماع إلى مؤلفاته الرائعة وهى تُعزف على المسرح تجربة فريدة من نوعها، كان الفريق متحمسًا للغاية للعمل مع أسطورة كهذه، وكانت الأجواء مفعمة بالحيوية، والجميع يشعر بالحماس لأننا نساعده على تحقيق حلم راوده طوال حياته.. جميع الحاضرين شعروا بقشعريرة فى أجسادهم، فقد كانت معرفته العميقة بالموسيقى الكلاسيكية واضحة للجميع، كان يستمع إلى العزف بانتباه شديد، ويدوّن ملاحظاته، لقد كان حقًا أمرًا مميزًا وفريدًا من نوعه». ونحن متحمسون لتقديمها للعالم، موضحة أنه قرر التبرع بجزء من مبيعات الألبوم على أقراص مدمجة وأسطوانات فينيل إلى صندوق الأمم المتحدة الإنمائى، على أن توجه إلى شعب فنزويلا فى الظروف الصعبة التى يمر بها.


سبق الكشف عن هذا الألبوم بعدة أشهر صدور مذكرات سير أنتونى هوبكنز فى الرابع من نوفمبر ٢٠٢٥، بعنوان «لقد أبلينا حسنًا يا صغيرى» عن «دار سايمون أند شستر»، وهى المذكرات التى اعتبرها مراقبون مصالحة مع الحياة والذات من نوع آخر، إذ استعرض فيها كثيرًا من المحطات المهمة فى سيرته الذاتية، حاملًا رسالة موجهة إلى ذلك الطفل الويلزى الخجول الظاهر على الغلاف فى صورة قديمة بجانب والده»، وإلى جانب النسخ الورقية، صدرت للكتاب نسخة صوتية بصوت الممثل والمخرج البريطانى كينيث براناج، فى حين شارك هوبكنز بصوته فى مقاطع مختارة، خصوصًا المقاطع الشعرية، إذ خصص للكتاب ملحقًا يضم ١٥ مقطعًا من قصائده المفضلة، إذ كان الشعر شاهدًا على انتصاراته الأولى فى سنوات المراهقة، حين طُلب منه إلقاء قصيدة «الريح الغربية» للشاعر الإنجليزى جون ماسفيلد، حيث فوجئ بعد انتهائه من إلقائها باستقبال إيجابى كبير، قال عنه «لم تكن هناك ابتسامات ساخرة، سواء من زملائى أو من معلمى المتحفظ الذى أثنى على أدائى على غير العادة».

وقبل أشهر أخرى كان هوبكنز على موعد مع افتتاح أول معرض بريطانى للوحاته التشكيلية فى «جاليرى ٢٧» بمنطقة «مايفير» بوسط لندن، وهو المعرض الذى ضم خمسين لوحة تتنوع بين المناظر الطبيعية والتجريدية، واستمر لمدة أسبوع، قبل أن ينتقل إلى قاعة «ذى دوم» فى إدنبرة لمدة أربعة أيام، وسبق له عرض لوحاته الفنية فى الولايات المتحدة عام ٢٠١٥، حيث لا تزال توجد معارض دائمة لأعماله الأصلية فى قاعات «جيف ميتشوم» داخل فندقى «بيلاجيو»، و«إم جى إم جراند» فى لاس فيجاس، ومجموعة معارض «هارت» العالمية، وكجزء من المعرض، تتوفر للبيع عشر نسخ محدودة من أعماله فى الطباعة الحريرية محدودة الإصدار، إلى جانب عدد من اللوحات الأصلية المنفذة بالأكريليك على القماش.
والمعروف أن سير أنتونى هوبكنز بدأ مسيرته فى الرسم عام ٢٠٠٢، وتتنوع لوحاته بين المناظر الطبيعية والأعمال التجريدية، وظل يرسم يوميًا فى مرسمه بماليبو، وعندما طُلب منه وصف لوحاته قال إن معظمها مستوحاة من أحلامه، وأعماق عقله الباطن، لهذا فغالبًا ما توصف بالسريالية، موضحًا أن «الوجه ليس مهمًا، المهم هو العينان، العينان هما أكثر ما يُثير مشاعر النفس.. إنه فن بدائى للغاية، فن طفولى، لا بد أن يكون كذلك لأنى طفل.. اكتشفت مؤخرًا أننى أستمتع بكل ما يُفترض أنه خطأ فىّ.. كنتُ فى السابق أُبالغ فى تقدير نفسى، لكننى الآن لا أفعل. أسمح لنفسى بالانغماس فى بهجتها، وربما أسعى إلى بلوغ الكمال الإلهى».







