الخميس 17 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

قوت القلوب والأسبقية فى زمن الصوت العالى

حرف

- هل تشرب «سهير» من نفس كأس «جيهان»؟

أثارت قضية قوت القلوب الدمرداشية خلال الشهور الماضية أسئلة تتجاوز النزاع بين كتابين أو مؤلفتين. فالمسألة تمس طريقة صناعة الأسبقية فى المجال الثقافى، وحدود الاقتباس، والفارق بين الكتاب الثقافى والدراسة الأكاديمية، والدور الذى يمكن أن يؤديه الحضور الإعلامى فى تثبيت رواية معينة عن تاريخ موضوع سبق أن اشتغل عليه باحثون ومترجمون وكتاب طوال عقود.

صدر حكم قضائى بات لصالح سهير عبد الحميد فى نزاعها مع جيهان زكى، وانتهت المحكمة إلى وقوع تعدٍّ على حقوق الملكية الفكرية فى كتاب «سيدة القصر.. اغتيال قوت القلوب الدمرداشية»، مع سحب كتاب «كوكو شانيل وقوت القلوب.. ضفائر التكوين والتخوين» والحكم بالتعويض. هذا الجانب حسمه القضاء وفق الأوراق وتقارير الخبراء التى كانت أمامه. موقفى هنا يتجه إلى مساحة أخرى: كيف نحدد الأسبقية علميًا؟ وكيف نفحص الاقتباس فى كتاب ثقافي؟ وهل تكفى النسب العددية والتشابهات النصية وحدها للحكم على طبيعة العلاقة بين كتابين؟

هذه الأسئلة تزداد أهمية لأن كتاب جيهان زكى أحال إلى كتاب سهير عبد الحميد فى مواضع متعددة داخل النص. ووجود الإحالة لا يحسم وحده مسألة مشروعية حجم النقل، لكنه عنصر لا يجوز إغفاله عند دراسة قصد المؤلف وطريقة استعمال المصدر. كما أن تقرير الخبراء، وفق الحيثيات المنشورة، اعتمد على مضاهاة الكتابين ورصد النقل الحرفى والتشابه وتغيير بعض الكلمات ونسبة الاقتباس، فى حين طلب الدفاع الاستعانة بمتخصص فى النقد الأدبى لفحص طبيعة العملين.

هنا تحديدًا تبدأ تحفظاتى العلمية. فقياس التشابه بين نصين يمكن أن تستعين فيه اللجان بالأدوات الرقمية وبرامج كشف الاقتباس، وهذه الأدوات قادرة على تحديد التطابقات والنسب. أما تحديد طبيعة الاقتباس وقيمته ووظيفته داخل النص فيحتاج إلى قراءة بشرية متخصصة تعرف نوع الكتاب، ومادته، ومصادره السابقة، والفارق بين الواقعة التاريخية والصياغة المحمية، وبين تداول المعلومة وإعادة إنتاج التعبير نفسه. ولا أملك دليلًا يسمح لى بالقول إن اللجنة استخدمت برنامجًا آليًا وحده، لذلك يظل السؤال متعلقًا بمدى حضور هذا التحليل العلمى النوعى فى عملية الفحص.

وتزداد المسألة تعقيدًا عند تطبيق قواعد البحث الأكاديمى الصارمة على كتاب ثقافى موجه إلى القارئ العام. كتاب يقارن بين كوكو شانيل وقوت القلوب لا يقدم نفسه بوصفه رسالة دكتوراه أو بحث ترقية. لكل جنس كتابى تقاليده فى الإحالة وبناء النص وعرض المصادر. حقوق المؤلف تظل قائمة فى كل الحالات، وطريقة قياس الاقتباس تحتاج إلى مراعاة طبيعة المصنف ووظيفته. فمن غير المنصف أن تتحول قواعد التوثيق التفصيلى المعمول بها فى رسائل الماجستير والدكتوراه إلى قالب وحيد نحاكم به كل كتاب ثقافى أو سيرة موجهة إلى الجمهور.

والأهم عندى أن قضية الأسبقية نفسها تحتاج إلى مراجعة واسعة. فقوت القلوب لم تظهر فى المجال الثقافى والبحثى مع الكتب التى يدور حولها النزاع الحالي. تاريخ الكتابة عنها أقدم كثيرًا، وبعضه معروف ومتداول منذ منتصف القرن العشرين.

فقد كتب طه حسين عنها فى «فصول فى الأدب والنقد» سنة ١٩٤٥، وخصص فصلًا لكتابها «حريم»، وناقش كتابتها بالفرنسية وعلاقتها بالقارئ المصري. وقبل ذلك كانت أعمالها تدخل المجال الأدبى الفرنسى مصحوبة بمقدمات لعدد من كبار الكتاب: بول موران قدم «حريم» سنة ١٩٣٧، وأندريه موروا قدم «ثلاث حكايات عن الحب والموت» سنة ١٩٤٠، وجيروم وجان تارو قدما «زنوبة» سنة ١٩٤٧، وكتب جان كوكتو مقدمة «الصندوق الهندي» سنة ١٩٥١، وإميل درمنجم مقدمة «ليلة القدر» سنة ١٩٥٤، وهنرى غيومان مقدمة «رمزة» سنة ١٩٥٨، وهنرى بير مقدمة «حفناوى الرائع» سنة ١٩٦١.

ثم بدأت مرحلة الدراسات الجامعية المتخصصة. أنجزت سونيا رزق غطاس فى جامعة كاليفورنيا بإرفاين سنة ١٩٧٩ أطروحة دكتوراه بعنوان «صور نساء مصريات: دراسة اجتماعية لغوية لأعمال قوت القلوب». وفى سنة ١٩٩٥ درس كينيث إريك سينيورى المكان واللقاء الاستعمارى فى أعمال لورنس داريل وقوت القلوب ونجيب محفوظ فى أطروحته بجامعة ميشيغان.

وخلال التسعينيات توسع الاهتمام النقدى بها. درست جوليا مادوف سنة ١٩٩٧ النسوية والاستشراق فى أدب قوت القلوب، وناقشت جانا إيفانز برازييل سنة ١٩٩٩ الإسلام والفردية وكشف الحجاب فى أعمالها وأعمال آسيا جبار.

وكانت الترجمة جزءًا أساسيًا من استعادة نصوصها. فقد نقلت نايرة عطية «رمزة» إلى الإنجليزية سنة ١٩٩٤، ثم «زنوبة» سنة ١٩٩٦، و»ثلاث حكايات عن الحب والموت» سنة ٢٠٠٠، ورافقت هذه الترجمات مقدمات ومراجعات ساعدت على إعادة إدخال قوت القلوب إلى مجال البحث فى الأدب المصرى المكتوب بالفرنسية.

وفى سنة ٢٠٠٦ درست كارلا كالرجى العالم الاجتماعى والرمزى فى «رمزة» وعلاقته بالحرية. وخصص إيرل ووه فى كتابه Visionaries of Silence الصادر سنة ٢٠٠٨ مساحة لقوت القلوب وبيئتها العائلية والصوفية وصلاتها بالقاهرة وأوروبا. ودرست كارمن بستانى «رمزة» سنة ٢٠٠٩ فى سياق الشفاهية والإيماءات وتمثيل النساء والرجال فى الرواية الفرنكوفونية.

ثم جاء عمل إيلودى غادن؛ فنشرت سنة ٢٠١٠ دراسة عن قوت القلوب بوصفها روائية مصرية مسلمة تكتب بالفرنسية، وأنجزت سنة ٢٠١٣ أطروحتها فى جامعة غرونوبل عن الكتابة النسائية فى مصر الفرنكوفونية وصورة «المرأة الجديدة»، ثم عادت إلى قوت القلوب فى كتابها الصادر سنة ٢٠١٩ وخصصت لها فصلًا تناول موقعها بين الكتابة النسائية والاستشراق.

وفى مصر نشرت منال خضر سنة ٢٠١١ دراسة بالفرنسية عن الكتابة وسؤال الهوية عند قوت القلوب. وفى جامعة الأزهر أنجز أحمد محمود خليفة على سنة ٢٠١٢ أطروحة دكتوراه عن الترجمات العربية لأعمال الكتاب الفرنكوفونيين من أصل مصرى، وخصص قسمًا لقوت القلوب تحت عنوان «النص الوسيط»، ودرس انتقال نصوصها إلى العربية ومشكلات الترجمة والتلقي.

وفى إندونيسيا تناولت فاطمة نعمة الله «رمزة ابنة الحريم» سنة ٢٠١٣ من منظور اجتماعى أدبي. وفى أكاديمية الفنون أنجز محمد عمر إبراهيم رفعت سنة ٢٠١٤ رسالة ماجستير بعنوان «إرهاصات الحركة النسوية فى مصر فى أدب قوت القلوب الدمرداشية: دراسة تحليلية لروايتى رمزة وزنوبة».

وفى السنة نفسها صدر عن دار الكتب والوثائق القومية كتاب «مصر وجنوب أفريقيا: علاقات مكانية أبعد مدى من الرحلة»، بإعداد وتعليق أحمد إبراهيم هلالى وإشراف ودراسة السيد فليفل، متناولًا رحلة قوت القلوب إلى جنوب أفريقيا سنة ١٩٤٧.

واستمر حضورها فى الدوريات الجامعية؛ فدرست مروة محمود سنة ٢٠١٨ التصوير الوصفى المجسد فى أعمالها، ثم تناول صالح الضوى على ياسين سنة ٢٠٢١ تقاليد المجتمع المصرى فى «ثلاث حكايات عن الحب والموت»، ودرست رانيا محمد الحسينى سنة ٢٠٢٢ وضع المرأة بين الحداثة والتقاليد فى العمل نفسه.

وفى الدراسات الأحدث ناقشت دعاء عمران سنة ٢٠٢١ الهوية والمحاكاة الثقافية فى «رمزة»، ودرست تايلور مور سنة ٢٠٢٢ السواد والخرافة وشخصية بهيتة فى «زنوبة». ويضاف إلى ذلك حضور قوت القلوب فى رواية هالة البدرى «نساء فى بيتي» الصادرة سنة ٢٠١٩، حيث ظهرت سيرتها وأحداث من حياتها فى معالجة روائية سبقت جانبًا من الجدل الحالي.

أمام هذا السجل، يحتاج تعبير «أول من كتب عن قوت القلوب» إلى تحديد دقيق: هل المقصود أول سيرة صحفية، أم معالجة روائية، أم دراسة أكاديمية أو دراسة بالعربية، أم بحث عن النسوية فى أدبها، أم ترجمة أو جمع موسع لمادتها الأرشيفية؟ لكل إسهام من هذه الإسهامات تاريخه، وتُفحص الأسبقية فيه وفق ما نُشر فى مجاله.

وأجد نفسى منحازًا إلى المعيار العلمى الذى يستند إلى تواريخ النشر والرسائل الجامعية والترجمات والمقالات والكتب. فمن خلال هذه الشواهد يمكن تحديد ما أضافه كل مؤلف، ومدى استفادته من أعمال السابقين. وهذا المعيار يقتضى تطبيقًا متسقًا على الجميع.

فالمترجم دسوقى سعيد أقام دعوى ضد سهير عبد الحميد تتعلق باستخدام ترجمتيه لـ»رمزة» و»زنوبة»، وكتابها يذكر اسمه ويخصص له فصلًا ويتحدث عن جهده فى الترجمة. وتعيد هذه الإشارة إلى الأذهان الحجة التى طُرحت بشأن ذكر جيهان زكى لكتاب سهير داخل كتابها. وفى الحالتين يظل مقدار النقل وطبيعته ووظيفته موضوعًا للفحص، إلى جانب الإحالة إلى المصدر. ومن ثم تستدعى المقاطع موضع النزاع مقارنة دقيقة تكشف مقدار اعتماد الكتاب على الترجمة، وما أُخذ منها، وحدود حضور صياغة المترجم فى النص الجديد.

وهنا يلح السؤال: هل الكأس التى شربت منها جيهان زكى يجب أن يشرب منها، بالتبعية، كل من نقل عن غيره وذكر اسمه، بمن فيهم أصحاب دعاوى الملكية الفكرية أنفسهم؟ إن اتساق المساءلة يفرض إخضاع أعمال الجميع للفحص نفسه، وتقدير كل حالة فى حدود أدلتها. ويظهر الاختبار حين يصبح من طالب بمساءلة غيره مطالبًا بتفسير حدود استفادته هو من أعمال السابقين.

ويبقى الفصل فى دعوى دسوقى سعيد مرتبطًا بما تنتهى إليه المحكمة بعد فحص مادتها. وتكمن أهميتها فى النقاش الحالى فى اختبار استعدادنا لقبول المقارنة عندما تتجه إلى أعمالنا، ومدى التزامنا بالضوابط التى نطالب الآخرين باحترامها.

وإذا تحولت المسألة إلى سلسلة يرفع فيها كل مؤلف دعوى على من جاء بعده، اعتمادًا على التشابهات الرقمية وحدها، فسندخل دائرة تتسع باستمرار. فكتب السيرة والتاريخ والأدب الثقافى تتحرك داخل مخزون مشترك من الوقائع والأسماء والتواريخ والشهادات. وتقتضى المقارنة التمييز بين هذه المادة وبين الصياغة الإبداعية والترجمة والبناء الأصلى للعمل، مع تتبع مصادر المقاطع المتشابهة وتاريخ تداولها.

وتحتاج هذه المهمة إلى متخصص يعرف النص والسياق والجنس الكتابى وتاريخ الموضوع، ويستطيع تقدير دلالة التشابه إلى جانب نتائج الأدوات التقنية والقواعد القانونية. فقد ترجع فقرتان إلى مصدر أقدم، وقد تنتقل صياغة مترجم إلى كتاب لاحق، وقد يعيد مؤلف استخدام بناء سردى صاغه غيره. ولكل حالة أسئلتها وأدلتها.

وقوت القلوب مثال كاشف لهذه المشكلة؛ إذ تمتد الكتابة عنها إلى أكثر من ثمانين عامًا من النقد والترجمة والدراسة الجامعية والبحث فى مصر وخارجها. ويأخذ كل كتاب معاصر موضعه داخل هذا التاريخ بقدر إضافته إليه. ومن واجب من يتصدى للتعريف بها أن يُظهر هذا الرصيد، وأن يمنح أصحابه الاعتراف الذى يستحقونه.

لهذا تعنينى فى هذه الخصومات مسألة توزيع الفضل بقدر ما تعنينى حماية الحقوق. فصون الملكية الفكرية يقترن بالأمانة فى عرض تاريخ المعرفة، ونسبة الجهد إلى صاحبه، وتحديد ما أخذه المؤلف وما أضافه. وتزداد قيمة المطالبة بالإنصاف حين تشمل من يعملون بعيدًا عن المنابر، وتتيح للقارئ رؤية إسهامهم.

وإذا تركنا ترتيب هذا التاريخ للصوت الأكثر حضورًا، فسوف يصبح الباحث الذى أنجز عمله فى هدوء أقل حظًا من الكاتب الذى جاء بعده ومعه ميكروفون أكبر. وعندها تتحول القدرة على حشد التعاطف والظهور إلى وسيلة لاقتسام فضل تحدده، فى الأصل، نصوص منشورة وتواريخ قابلة للتحقق.