المظلوم أبدًا.. الوجوه السياسية لـ«صلاح عبدالصبور»
- عندما كتب قصيدة «عودة ذى الوجه الكئيب» أيقن الجميع أن المقصود هو جمال عبدالناصر
- ربح الشعر والمسرح والنقد لكنه لم ينج من السياسة لتمرده وابتعاده عن «الحسابات»
- عندما أصدر ديوان «الناس فى بلادى» كان قد أصبح نجمًا فى سماء الشعر العربى
- التحق صلاح عبدالصبور بمجلة صباح الخير فى عام 1956
فى فبراير 1954حدثت خلافات حادة بين اللواء محمد نجيب رئيس الجمهورية، ومجلس قيادة ثورة يوليو، واضطرت تلك الخلافات الحادة أن تدفع اللواء نجيب إلى تقديم استقالته من رئاسة الجمهورية التى تم قبولها، وفور قبول الاستقالة، قامت مظاهرات واحتجاجات يبدو أنها كانت مبيتة من قبل، لأنها كادت أن تحدث شرخًا فى المجتمع، وبالتالى تحدث شرخًا فى تلك السلطة الوليدة، وبالتالى تم إقناع محمد نجيب عن الرجوع عن الاستقالة، وبالفعل عاد مرة أخرى، وتم التقاط صور له وهو يمسك بيد جمال عبدالناصر، ونُشرت الصورة على أغلفة بعض المجلات لتهدئة من قاموا بتلك المظاهرات، ولكن السلطة لم تهدأ، والصحافة كذلك، وأعضاء مجلس قيادة الثورة فى اجتماعات مستمرة، حتى جاء فجر 5 مارس 1954، ليتم الإعلان عن عدة قرارات حاسمة، على رأسها رفع الرقابة تمامًا عن الصحف، والإسراع فى صياغة دستور يكون مناسبًا لجميع الأطراف، وعاشت مصر من 5 إلى 25 مارس أزهى عصور الحرية التى تحدث فيها الجميع عن مستقبل مصر السياسى، ولكن كان كل ذلك لم يعجب المجلس، والذى عانى من مجموعة انقسامات حادة، أدت إلى استبعاد محمد نجيب بشكل هادئ عن السلطة، بدعوى أنه كان يمر بوعكة صحية، وحل محله رئيس الوزراء جمال عبدالناصر، ويتم إغلاق ذلك الملف الذى تم إطلاق عليه تعبير «أزمة مارس 1954».


لماذ نسرد تلك الأحداث فى سياق مخصص للشاعر الشاب صلاح الدين عبدالصبور؟، ذلك ما سنوضحه لاحقًا، ففى الفترة من ٥ مارس حتى ٢٥ مارس، خاض كتّاب ومفكرون وساسة وصحفيون تجربة ممارسة الحرية فى أعلى صورها، وكتب لويس عوض ومحمد مندور وخالد محمد خالد وأحمد بهاء الدين وخالد محيى الدين ووحيد رأفت وإحسان عبدالقدوس وأحمد أبوالفتح وغيرهم من عقول مصر، وطرحوا أفكارًا كثيرة قابلة للتحقيق، ولكن بعد إسدال الستار على التجربة فى ٢٥ مارس ١٩٥٤، وسحب كل ما تم إعلانه فى فجر ٥ مارس، توقف كل هؤلاء عن الكتابة وطرح الأفكار، كأن يدًا سحرية جاءت لتُسكت الجميع دفعة واحدة، وفى تلك الأثناء تسللت قصيدة لشاعر طليعى شاب اسمه محمد صلاح الدين عبدالصبور، وكان عنوان القصيدة «عودة ذى الوجه الكئيب»، ولم يتردد كل من قرأها من أصدقائه فى إدراك مقصدها ومغزاها، وأيقن الجميع أن المقصود بالوجه الكئيب هو جمال عبدالناصر نفسه، والتى أتى مطلعها هكذا:
«هل عاد ذو الوجه الكئيب؟
ذو النظرة البكماء والأنف المقوس والندوب
هل عاد ذو الظفر الخضيب
ذو المشية التيّاهة الخيلاء تنقر فى الدروب
لحنًا من الإذلال والكذب المرقش والنعيب
ومدينتى معقودة الزنار
عمياء ترقص فى الظلام
ويصفّر الدجال والقواد والقراد والحاوى الطروب
فى عرس ذى الوجه الكئيب».

لا نستطيع أن نقول بأن قصيدة «عودة ذى الوجه الكئيب» انبثقت عن نزق سياسى أو فكرى أو حتى وجودى لشاعر شاب، لا ينتمى إلى اليسار أو إلى اليمين، ولكنه كان كمثل جميع المثقفين يشعر بنوع من التمرد، ولا يجيد أى حسابات سياسية، ورغم أن الجميع بدون استثناء فى مصر آنذاك تجاهلوا الكتابة عن القصيدة، حتى بعد أن نُشرت فى ديوانه الأول «الناس فى بلادى» ١٩٥٧، وتخفيف حدة العنوان، فتمت إضافة جملة تفسيرية مفتعلة ليصير العنوان: «عودة ذى الوجه الكئيب إلى الاستعمار وأعوان الاستعمار»، إلا أن القصيدة فى اعتقادى كانت إحدى القصائد الرائدة فى الشعر الجديد ذى الطابع السياسى، فلم تكن مباشرة أو هاتفة مثل قصيدة «من أب مصرى» لعبدالرحمن الشرقاوى، ولم تكن مغلقة تمامًا حتى لا يظهر مرماها السياسى، بالإضافة إلى التقنيات التى بدأت تظهر فى تجربة عبدالصبور، الإيقاع السريع، الجملة الشعرية المكتنزة بحمولات تتجاوز اللفظ، إذ كان قبل هذه القصيدة غارقًا فى القصائد العمودية ثقيلة الظل غائمة المعانى، مثل قصيدته «غزلية»، والتى نشرت فى الطبعة الأولى لديوانه الأول، ولكنها لم تعد بعد ذلك مطلقًا، فلم ينشرها فى أى من الطبعات التالية، ولذا فهى قصيدة مجهولة تمامًا لمن لم يقرأوا الطبعة الأولى من الديوان، إذ يبدأ تلك القصيدة المتواضعة بقوله:
«يانعم لو أغفى على ساعدى
المشرق الحلو، وأرخى الوشاح
يانعم لو يأوى إلى أضلعى
النهد، أو يلقى إلىّ النجاح
يانعم لو أهديتنى قبلة
أو اعتنقنا خلف الجدار
يانعم لو نأوى إلى غرفتى
نغفو بها حتى يلوح النهار».

إذن قصيدة عودة ذى الوجه الكئيب، وهى التى تتوسط تاريخيًا تلك القصيدة العمودية «غزلية»، وغالبية قصائد الديوان التى جاءت بعد ذلك، وهى التى نستطيع أن نقبض على ملامح التجربة الصبورية بوضوح، وربما يكون النقاد الذين تعاملوا معها بشكل عابر تفادوها للأسباب السياسية الكامنة والواضحة أيضًا بداخلها، واعتبروها من القصائد المباشرة للشاعر، وهى غير ذلك، فالبحث عن ملامح مصرية عند صلاح عبدالصبور بدأت مع هذه القصيدة النموذج، ويتضح ذلك عندما يستدعى أبوالهول بإلحاح، ذلك الكائن الغامض والملغز فى آن واحد، عندما سأل عن «من خالق الدنيا»

«وعوى أبوالهول المخيف، وقلّب الوجه الكئيب إلى اليسار
ورمى بجمع الملتحين إلى الدمار
والأمردون تأملوا، وأجاب رائدهم بصوت مستفيض
لا نستطيع! بل نحن نعرف، إنه قدم الطبيعة..».
هنا بالطبع ترمز القصيدة إلى جماعة الإخوان المسلمين الذين رماهم إلى الدمار، كذلك كشّر أنيابه نحو اليسار، وينهى القصيدة بـ:
«سيظل ذو الوجه الكئيب وأنفه ونيوبه..
وخطاه تنقر فى حوائطنا الخراب
إلا إذا..
إلا إذا مات
سيموت ذو الوجه الكئيب
سيموت مختنقًا بما يلقيه من عفن على وجه السماء
فى ذلك اليوم الحبيب
ومدينتى معقودة الزنار مبصرة سترقص فى غباء
فى موت ذى الوجه الكئيب».


بدأ صلاح عبدالصبور يلفت الأنظار، ليس بسبب هذه القصيدة فقط، ولكن كانت مساهماته الشعرية والنقدية المحدودة النشر تُقرأ بعناية فائقة، وفى العدد المهم الذى صدر فى يناير ١٩٥٥ من مجلة الآداب، والذى تم تخصيصه بأكمله عن الشعر الحديث، كان صلاح عبدالصبور هو الشاعر الوحيد من مصر الذى اختارته أسرة تحرير المجلة فى الملف الذى أعدته تحت عنوان «مستقبل الشعر العربى الوحيد- الآداب تستفتى»، وكانت شهادة صلاح هى أولى مشاركاته الجادة فى الحياة الشعرية العربية، إذ بدأ شهادته بقوله: «ورث الشعر العربى مواضعات كثيرة أصبحت مع الزمن هى الجوهر، وأصبح غيرها مما هو جوهر كل شعر عرضا، والعرب فى ماضيهم لم ينظروا إلى الشعر نظرة منصفة كفن، ولعلهم عدوه صنعة من لا صنعة له، وذريعة من اللفظ يستدر بها المعروف، وتقضى بها الحوائج، أو خلالًا تسن ليعرف بها بناة العلا كيف تؤتى المكارم، فكان تصنيف الأغراض المأثورة نتيجة لذلك، وتقدّم غرض وتأخر ثان، وأصبح الغزل مثلًا مقدمة بين يدى المدح، وقد نشأ الشعر العربى كما ينشأ كل شعر إنسانيًا، ذاتيًا، مؤديًا لدور، حتى مال به الأعشى أو النابغة إلى التكسب، وكان المجتمع الإسلامى من بعد مجتمعًا منفصمًا، عواصمه تحيا فى شغل عن باديته، وأهل العواصم عرب وموال أو سادة وأتباع مع اختلاف صور العبودبة على مر القرون، ولم يعرف المجتمع العربى الثورات الطبقية إلا نادرًا، والشعراء العرب دائرون فى كل فلك، قلما يختصون أنفسهم محاولين أن يتعمقوها أو يشملون الناس بالنظرة العاطفية الموجهة..».

من الواضح فى هذه الشهادة للشاب صلاح الدين عبدالصبور، والذى لم يصل عمره إلى أربعة وعشرين عامًا، أنه مدجج بالمعرفة والرؤية والأفكار والطموح والتمرد، إذ إنه طرح بعض هواجسه المتعلقة بالتراث العربى فى الشعر، للدرجة التى- فى استطراده فى الشهادة قال بأن العرب أفسدوا اللغة العربية، وجعلوا منها مادة للترف، وأداة طقوسية وشعائرية، وفقيرة جدًا فى الإبداع والمغامرة، وفى هذا الشأن ومن المدهش أن عبدالصبور فى تلك الشهادة أشاد بالشعر العامى، والفلكلور الذى لا يلتزم بأى غرض سوى التعبير الخالص عن الذات الجمعية «القومية»، واسترشد بما تقوله جامعة القطن الفلاحة فى الحقل:
«يا قطن يا قطن سارحة لك بلا نيّة
م الصبح، للضهر، للمغرب موطية
تعالى يامّه خدينى من بلاد الناس
لا خولى يرحم ولا ملاية زى الناس».

ولا أريد أن أستطرد فى شهادة صلاح عبدالصبور التى لم تنشر فى أى مصدر فيما بعد، لكنى أستدل من خلالها على تمرد عبدالصبور الواضح والجذرى على التراث الرسمى والمعلن للشعر العربى، وربما كان هذا التمرد صدى لصرخة لويس عوض فى مقدمة ديوانه الوحيد «بلوتلاند» الذى صدر عام ١٩٤٧، وطالب فيه بتحطيم عمود الشعر العربى، بعد أن أعلن عن وفاته منذ عشرة قرون مضت، ولم تقم له قومة مرة أخرى، ولكن رؤية عبدالصبور جاءت أكثر تفصيلًا من لويس عوض، لأن الأخير كان مشغولًا بقضايا كثيرة أخرى، فلم يتفرّغ للاستطراد فى وجهة نظره، وجاءت مقدمته بمثابة الطلقة الأولى التى تنبّه لها شاعران أصبحا من أهم الشعراء المصريين، وهما صلاح جاهين فى العامية، وصلاح عبدالصبور فى الفصحى، وقدما ما لم يستطع لويس عوض نفسه تقديمه فى الشعر، ولكنه اكتفى بإعلان صرخته الأولى، والملمح المهم فى شهادة عبدالصبور المبكرة، أنه كان يبحث عن قصيدة مصرية لم تُكتب من قبل، قصيدة تخلو من الزخرف والألفاظ الرنانة والتعبيرات المجازية والتطريب المفتعل والوظيفى، وما استشهاده بالشعر العامى أو الشعبى أو الفلكلورى إلا بشعوره بأن هذا الشعر لم يلتزم أو يخضع للأطر الرسمية التى كانت تناسب المحافل العربية الرسمية أو الدينية أو الاجتماعية، لذا كان عبدالصبور يبحث عن قصيدة خارج الأروقة الرسمية المفتعلة، كما أنه كان يريد قصيدة مصرية أصيلة ذات طابع عربى ولغة عربية جديدة، وهذا ما اتضحت كل تضاريسه فى ديوانه الأول «الناس فى بلادى» ١٩٥٧، وفى تجربته كلها فيما بعد.


التحق صلاح عبدالصبور بمجلة صباح الخير فى عام ١٩٥٦، وعمل فى التحرير والترجمة منذ أول عدد، وكانت تُنشر له ترجمات دون إدراج اسمه فى البداية، ثم بدأ يكتب فى النقد الصحفى بعد ذلك، وانخرط فى العمل الصحفى بشكل كبير، وكانت له مقالات بديعة، تلك المقالات التى أغفلها الأستاذ أحمد صليحة عندما جمع له إنتاجه كله، ونشره فى أحد عشر مجلدًا صدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بعد رحيل عبدالصبور، وهذا جهد محمود، ولأن إنتاج صلاح كان غزيرًا، فلا بد أن تسقط منه مساحات مجهولة فى الصحف والمجلات المترامية التى كان يكتب فيها، وكل هذا قبل وجود الأرشيف الإلكترونى الذى وفّر جهودًا طائلة على الباحثين.

كان صلاح عبدالصبور مشغولًا فى تلك الفترة بتأصيل الهوية المصرية على المستوى الفنى الشعرى والثقافى، وكانت كتاباته تنحو بشكل بارز فى هذا المضمار، وكان ضمن ما نشره مقال عنوانه «الشعب يتقدم المفكرين»، نشره بتاريخ ٢٠ سبتمبر ١٩٥٦، وبدأ المقال بفكرة عامة قال فيها «وراء كل ثورة أفكار تدفعها، وتمهد لها، وقد يحمل هذه الأفكار زعيم الثورة أو زعماؤها، وقد تحملها جماعة من الناس، ولكن هذه الأفكار تكون دائمًا نابعة من عصرها، وقد تكون خطة إصلاحية غامضة تتضح خلال العمل الثورى، أو بعد نجاح هذه الثورة..»، ويستطرد صلاح حتى يطرح فكرة أخرى لامعة «وكثيرًا ما يكون فشل الثورات هو نجاحها، إذ يتحقق كثير مما عجزت الثورة عنه، وتكون الثورة هى الهزة العميقة التى أنضجت القيم الجديدة، أو التى مهدت لطبقة نامية أن تأخذ دور البطولة، ولطبقة متخلفة أن تتأخر إلى خلف المسرح أو إلى مقاعد المتفرجين..».

المقال كان بشكل خاص يتحدث عن الثورة العرابية، والتى انكسرت مراميها على صخرة الخونى والإنجليز، ولكن أهدافها بقيت تنتج حالمين ومثقفين ومبدعين ومفكرين كبارًا، من طراز الشيخ محمد عبده، وفارس القلم محمود سامى البارودى، والشاعر عبدالله نديم الملقب بـ«خطيب الثورة»، تلك الثورة التى فشل قادتها فى امتلاك زمان البلاد، ولكنهم حرضوا الأمة كلها على إبداع قادة آخرين، وتيارات ثقافية موارة، وكان عبدالله نديم وحده أمة، ولم تكن أصوله من كبار القوم، ولا من بيوتات الوجاهة، بل كان شاعرًا شعبيًا يعمل تلغرافجيًا فى قصر إحدى الأميرات، ثم طُرد من ذلك القصر، فعمل صاحب مدرسة وتاجرًا وشاعرًا جوالًا وصحافيًا، ثم أدرك وهو وسط الناس أن رسالته الحقيقية أن يكون ثوريًا، فطاف مع الثوار فى كل مكان، حتى أصبح زعيمًا فعليًا، ومن ثم خلد اسمه فى الذاكرة الشعبية حتى الآن، رغم أنه كان ابنًا لثورة انكسرت مراميها، ولا أقول فاشلة مثلما قال عبدالصبور، ولكنه- أى عبدالصبور- أراد أن يبلغنا: لا فشل لثورة صادقة، حتى لو اندثر كل قادتها، وسوف تظل أفكارها مشتعلة حتى تتحقق، وهذا كان غرض صلاح عبدالصبور من المقال النموذج، ثم من سلسلة المقالات والتى استفاض فيها فيما بعد، لتصبح كتابًا مهمًا تحت عنوان «قصة الضمير المصرى»، وهذه الكتابة كانت مقدمة لكتابات كثيرة دسمة لصلاح فى تلك المرحلة الأولى لانخراطه فى العمل الصحفى.


ظهر ديوان «الناس فى بلادى» عن منشورات دار الآداب عام ١٩٥٧، وكان عبدالصبور قد أصبح نجمًا فى سماء الشعر العربى، يشارك فى صياغة مدرسة شعرية جديدة مع زملاء له فى بغداد وبيروت ودمشق، وكانت مجلة الآداب كما تعتنى ببدر شاكر السياب ونازك الملائكة من العراق، تهتم بشكل واضح بصلاح عبدالصبور من مصر، وكتب مقدمة نقدية ملهمة ومهمة الناقد والشاعر والمثقف بدر الديب، وحدد فى مقدمة المقدمة علاقته بتجربة صلاح عبدالصبور قائلًا: «عندما بدأت أفكر فى مقدمة الديوان، كنت عرفت القصائد متقطعة وهى تظهر، وتتبعت تلاحقها واحدة وراء الأخرى من فم الشاعر أو من صفحات المجلات والجرائد الأدبية، وليس هناك أقصر من عمر الشعر فى نفس المتلقى، فهو أكثر صور الفن تعرّضًا للخطر من القارئ الحديث الذى يقرأ متعجلًا سريعًا ما يُقدم إليه فى صفحات الجرائد اليومية أو ينفعل انفعالة قصيرة بقصيدة فى مجلة أدبية ثم تنتهى القصيدة بالنسبة له، وديوان الشعر الذى تعيش فيه القصائد مجموعة متكاملة يهيئ للقارئ موقفًا جديدًا من كل قصيدة، كما يعطى للعمل الشعرى حياة جديدة لا تيسرها له سبل النشر الأخرى، ومن خلال الديوان يستطيع الشاعر أن يمارس فنيته مع قرائه على درجة أعلى من الاطمئنان والأمان، فحاجة القصيدة لأن توضع فى ديوان هى فى الحقيقة غير حاجة القصة أو اللوحة لأن تُجمع فى كتاب أو فى ألبوم».
كتب بدر الديب فأبدع، واستطاع أن يضع صلاح عبدالصبور الشاعر الشاب ابن الخمسة وعشرين عامًا فى قلب الضوء والحركة الشعرية العربية، هذا لأن شعر صلاح كان يحتاج إلى ناقد ومثقف عظيم مثل بدر الديب، إنه ناقد بعيد عن تلك الرطانة التى يصنعها كثير من النقاد ويسبحون فى أفلاك لا تمس النص، ولا تجرحه، ولا تصل إلى مراميه، وبالتالى لن تستطيع تلك القراءات التى ما زلنا نعانى أن تكشف عن مساحات الجمال الكامنة والمستترة والمراوغة فى النص، كما أنه استطاع أن يقفز على المحاذير السياسية بلغة نقدية رصينة وكاشفة وعميقة فى وقت واحد، ففى فقرة أعطاها عنوانًا دالًا وهو: «البحث عن الحرية»، كتب: «وقد سبق أن أوضحت المعنى الحقيقى للحكام الطغاة، وكيف أنهم تجسيد شعورى لهذا الإحساس بالضغط والضيعة الاجتماعية، والتتار يمثلون كذلك نفس ما يمثله الحكام الطغاة وما يمثله أيضًا ذو الوجه الكئيب، إن المقصود دائمًا بكل هذه الصور الشعرية أن يعايش الشاعر ألوانًا من أزمته كى يصور إيمانه بمقدرته كفرد وإدراكه الدائم لتفتت هذه القدرة فى التحقيق».

بدر الديب كان يعلم ويدرك ذلك الفخ المنصوب للناقد فى الديوان، الفخ المتعلق برمزيات صلاح عبدالصبور العديدة، وخاصة قصيدة «عودة ذى الوجه الكئيب»، فكان الناقد بدر الديب، والنقاد الذين كتبوا بعده، يبحثون عن تأويلات فنية صحيحة، مع تخريجات مضمونية ليست دقيقة تمامًا، وأعلم أن الناقد يعلم ما تحمله القصائد من رمزيات تؤدى إلى التمرد، لكن الناقد المتعايش فى كل العصور، يسعى دومًا للقفز على المناطق المفخخة، أو يهاجمها مثلما حدث كثيرًا مع أشعار وروايات ونصوص مسرحية فى كل المراحل التاريخية الشائكة.
نشر محمود العالم مقالًا طويلًا فى مجلة الرسالة الجديدة التى كان يرأس تحريرها يوسف السباعى بتاريخ مايو ١٩٥٧، ولم يعد العالم نشره فى كتابه «أربعون عامًا من النقد»، وأتمنى أن يكون نُشر فى أعماله الكاملة التى نشرت فى الهيئة المصرية العامة للكتاب منذ سنوات قليلة، بدأ العالم حديثه بـ«هذا ديوان شعرى، جديد بحق، أصيل بحق تتجسد فى تراكيبه وقصائده وأبياته، قيم فنية جديدة للشعر العربى، وتضىء فى جنباته تجارب وجدانية ومواقف إنسانية فيها صدق ووعى وتطلع، وهو ديوان لم يخرج إلينا فجاءة، بل هو ثمرة مرحلة طويلة مستأنية من الجهد، والمحاولة الصادقة، المتصلة الحاجة الملحة إلى التعبير الذى يحتضن القيم الجديدة لحياتنا فى رحابة وطواعية..»، ويسير العالم فى مقاله على هذا النحو الإيجابى، ويقدم قراءة نقدية عميقة لا تنتمى إلى ذلك النقد الهتّاف، رغم ما اتسمت به تلك المرحلة من نقد زاعق وحماسى بالغ التشيّع للنضال والكفاح، ورغم ماركسية محمود أمين العالم، إلا أنه كان يستطيع أن يقدم تحليلات مضيئة فى النصوص الجيدة، وينهى العالم مقاله الطويل قائلًا: «إن صلاح عبدالصبور شاعر كبير بغير شك، فيه أصالة واقتدار، وهو واحد من طليعة الشعراء المعاصرين الذين تفخر بهم أمتنا العربية، وما أكثر ما نتطلع إليه من وجدانه الشاعر، ومن يدرى لعل المسرحية الشعرية تبدأ حياة جديدة على يد هذا الشاعر الجديد»!!!.
بالفعل تنبؤ محمود العالم لدور صلاح عبدالصبور فى المسرح الشعرى كان سابقًا لأوانه بشكل كبير، إذ إن المقال كان منشورًا فى عام ١٩٥٧، وصلاح عبدالصبور كتب أول مسرحية شعرية له، وهى مأساة الحلاج عام ١٩٦٤، إنه حدس مدهش، واكتشاف بذور المسرحية الشعرية قبل أن يبادر الشعراء بخوض ذلك المجال مثل عبدالرحمن الشرقاوى الذى كتب مسرحيته الأولى «جميلة» عام ١٩٥٩، وكتب بعد نجيب سرور «ياسين وبهية»، كذلك كتب بعدهم معين بسيسو «مأساة جيفارا، وثورة الزنج»، ثم توالى الشعراء فيما بعد مثل محمد مهران السيد وجليلة رضا ومحمج إبراهيم أبوسنة وغيرهم ممن كتبوا المسرح الشعرى.
وعندما يقول محمود العالم إن رحلة صلاح عبدالصبور لها تاريخ، فهذا يؤكد لنا أن ثمة علاقة ما كانت تربط بين محمود العالم وصلاح عبدالصبور وشعره، وتدل على تلك العلاقة بقوة، تلك الدراسة التى نشرها محمود العام فى مجلة «الآداب يناير ١٩٥٥»، وفى سياق الدراسة، وعرّج فيها على قصيدة «شنق زهران»، وقبل أن يتحدث عن قصيدة عبدالصبور، تحدث عن شعراء آخرين تناولوا حادثة دنشواى شعرًا، وكتب يقول: «ويتلقف الشاعر الجديد، صلاح الدين عبدالصبور الحدث، خلال شنق زهران، أحد أبناء دنشواى، فيتمثله ويفيض تعبيره من داخل الحدث نفسه، ولكنه إذ يقوم على بناء معالم الحدث يستخدم صورًا متعددة يؤازر بين عناصرها وأطرافها ويصوغ منها وحدة فنية متكاملة، هكذا عبّر صلاح الدين عبدالصبور فى قصيدته شنق زهران عن الحدث العام تعبيرًا فنيًا، فرش لنا أولًا أرض الحدث ببطانة وجدانية، ثم راح يبرز فوقه بطله زهران فى معالمه الخارجية..»، وراح العالم يستفيض ويقتبس ويستشهد بمقاطع من القصيدة ويعمل على تحليلها بحماس إيجابى منقطع النظير.

هنا يشغلنى أكثر من ملمح، هذه القصيدة التى تحدث عنها محمود العالم، لم تكن منشورة فى ذلك التاريخ يناير ١٩٥٥، ونصّت كل الببلوجرافيات الخاصة بصلاح عبدالصبور بأن القصيدة نشرت فى شهر يوليو ١٩٥٦ بمجلة الرسالة الجديدة، أى بعدما تحدث عنها العالم بعام ونصف، وبالفعل لم تظهر القصيدة فى أى دورية قبل هذا التاريخ، وهذا يدل على أن محمود العالم كان قد حصل على القصيدة مخطوطة من صلاح عبدالصبور، وهذا يؤدى إلى أن ثمة علاقة ما تربط محمود العالم بصلاح عبدالصبور منذ زمن سابق على بروز صلاح عبدالصبور الأوسع بعد نشر ديوانه الأول ١٩٥٧، وهذا يجعلنا نتساءل: هل هذه العلاقة كانت سياسية؟، رغم أن أحدًا لم يتحدث عن انخراط عبدالصبور فى أى عمل سياسى منظم، ولكن يصدق حدسنا السابق أن ثمة احتكاكات سياسية قد حدثت بين عبدالصبور وبعض المنخرطين الشيوعيين فى ذلك الوقت، وعلى رأسهم محمود أمين العالم، كما أننى أشير إلى أن القصيدة لم تُكتب تحت الأجواء التى أحدثتها الأزمات التى وقعت بين مصر ودول الغرب، فالعدد الذى نُشرت فيه القصيدة، كان عددًا تاريخيًا، وحمل غلافه بحجمه كله، صورة الرئيس جمال عبدالناصر، مما يوحى كما قلنا سابقًا بأن عبدالصبور كتبها لخدمة الأحداث السياسية، وآخر ما نود الإشارة إليه هو أن قصيدة «شنق زهران» قد أخذت اهتمامًا بالغًا من النقاد والباحثين والمثقفين، واللافت أن الذى تحدث عنها قبل أن تكون بين يدى القارئ هو محمود أمين العالم، وربما- فى نظرى- أن القصيدة أقل فنيًا من قصائد أخرى، ولكن التأويل السياسى للفن هو الذى أعطى الصدارة لتلك القصيدة، وتتالى الاهتمام بهذه القصيدة من الأجيال التالية لجيل أستاذنا محمود أمين العالم.

لم يكن محمود العالم هو الوحيد أو الأبرز الذى انتصر لصلاح عبدالصبور، وإن كان الأول تاريخيًا، لكن هناك من انتصروا بقوة أيضًا لصلاح، وعلى رأسهم الدكتور لويس عوض، ومحيى الدين محمد، إذ كتب محيى الدين محمد مقالًا مهمًا فى مجلة الآداب الصادرة فى شهر يونيو ١٩٥٧، ونشره فى كتابه «ثورة على الفكر العربى المعاصر»، أما لويس عوض فظل يحتفل بصلاح عبدالصبور دائمًا، حتى أشعاره الأخيرة، ولا نستطيع أن نحصى فى تلك السطور كل من احتفلوا وحللوا واستفاضوا فى القراءات الإيجابية لديوان الناس فى بلادى.
كان العقاد له موقف واضح وعدائى تجاه الشعر الجديد، وكان يكيل لهذا الشعر ومبدعيه قدرًا كبيرًا من السخط والكره والنقد، وأصبح هذا العداء له المكان والمكانة عندما تولى عباس العقاد لجنة الشعر فى المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، وأصبح مقررًا للجنة، وبالتالى اختار الشعراء الذين تشيعوا واعتنقوا أفكاره، وعندما تقدم صلاح عبدالصبور بشعره إلى اللجنة، أحال العقاد شعر صلاح إلى لجنة النثر للاختصاص، وهذه واقعة شهيرة كتب عنها الكثيرون، واعتبر العقاد أن شعر صلاح عبدالصبور ينتمى إلى النثر، لأنه شعر غير موزون وغير مقفى، كما نصّت كل الأدبيات النقدية على تعريف الشعر بأنه كلام موزون ومقفى، مما دفع صلاح عبدالصبور ليكتب مقالًا فى جريدة أخبار اليوم بتاريخ ١٧ يونيو ١٩٦١ عنوانه: «موزون.. والله العظيم»، بدأه صلاح قائلًا: «عبثًا نحاول نحن الشعراء المحدثون، أن نؤكد لبعض الأدباء والنقاد أن شعرنا الحديث موزون، تجرى موسيقاه العروضية على نفس الأوزان التى دونها الخليل بن أحمد، وكنت أظن أننا لن نحتاج إلى هذا التأكيد، وأن بعض أساتذتنا وزملائنا من الأدباء والنقاد سوف يعفوننا من هذا البيان، لو قرأوا ما كتبنا، وتتبعوا إنتاجنا الفنى، دون تحيز سابق، أو ميل قديم، ولكن الهوى فى حياتنا الأدبية يغلب الحجة إلى حين، ويوشك أن يحجب وجه الحق، فيقف أنصار الشعر الجديد عندئذ، وظهورهم إلى الحائط، وكيف لا يقفون هذا الموقف، وهم متهمون بالتخلى عن الأوزان والقافية، وبالكلام (السايب)، والأستاذ العقاد كتب فى أخبار اليوم مقالًا ممتعًا عن الشعر الشعبى، لا نستطيع أن نعترض عليه، ولا نستطيع كذلك على قوله إن السليقة الشعبية تأبى أن يكون الشعر (سلبيًا) وأن لها أوجهًا فى التفنن حين تنظم وتشهر وتشعر، فتلتزم هذه الموسيقة العروضية التزامًا قد يجاوز المدى الذى يصطنعه الشعر المعرب الفصيح»، ويسترسل عبدالصبور بعد هذه المقدمة فى الرد على العقاد فيما نسبه إلى الشعراء الشباب، واتهام شعرهم بالسايب والخالى من الوزن والقافية، بل زاد على ذلك بأنهم أعداء الوزن والقافية.







