الخميس 27 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

الخطايا السبع.. أدباء يعترفون بالعادات السيئة والملذات السرية

حرف

- أحمد ناجى: أدمنت سرقة أعمال الكُتاب الآخرين.. أنا بارع فى إخفاء ما آخذه وأحفظه حتى يجرى فى دمى

- كريم قطان: اللغة لا تستجيب دائمًا فهى عصية على الاستخدام وهذا تحديدًا ما يعجبنى فيها

- آنا جول: أكره النقاط وأتجنب استخدامها تمامًا.. فأنا من عشاق الفواصل وجملى طويلة جدًا

اعتراف: عندما فكرنا فيما نريد طرحه على كتابنا هذا الصيف، اتجهت رغباتنا فورًا نحو الفضائح والأسرار والأمور المثيرة. ما الذى أخفوه عنا؟ وما الذى ربما أخفوه عن أنفسهم؟.. من البديهى أن عملية التحرير مصممة لكشف أى خطأ. فكل مقال تقرأونه فى صفحاتنا خضع للتدقيق اللغوى والتحقق من الحقائق والتدقيق الدقيق. وأى إشارة إلى خطأ- سواء كان تصحيحًا أو اعتذارًا- تعد مصدر إحراج كبير.

ومع ذلك، ونحن نعد هذه السلسلة من المقالات، تساءلنا: هل ثمة قيمة فى الخروج عن المألوف أحيانًا؟ هل يعقل، فى عالم يدفعنا دائمًا نحو التوافق والتشابه، أن يكون ارتكاب بعض الأخطاء الصغيرة هنا وهناك هو الدليل الأسمى على روح الفردية؟ سبعة من كتابنا شاركوا بشجاعة بعضًا من أسرارهم الشخصية.

فى سن الثالثة عشرة، أدمنت سرقة أعمال الكُتاب الآخرين. أسمى هذا هوس السرقة الأدبية. بدأ الأمر بعد أن وقعت فى الحب للمرة الأولى. كانت عيناها خضراوين، ولم أكن أعرف كيف أسيطر على هذا الشغف الجامح، فأصبت بحمى. 

أحمد ناجي
أحمد ناجي

بدأت درجاتى بالتراجع. زارنى جدى، وقاس حرارتى، وترك كتابًا صغيرًا بجانب سريرى. كان دراسة عن أبى نواس، الشاعر العربى «حوالى ٧٥٦-٨١٤ م» المشهور بقصائده عن الخمر والحب والمثلية الجنسية وغيرها من الذنوب.

فى سريرى، وبدفتر ملاحظات جديد، بدأت أنسخ أبيات الشعر التى أسرتنى. تعافيت من حمى الحب فى أسبوع. لكننى لم أتعاف قط من إدمانى نسخ أعمال الكُتاب الآخرين. 

كنت أذهب إلى المكتبة وأتجول فيها، أقلب صفحات الكتب، لا أبحث عن شىء أقرأه، بل عن الجواهر المخبأة بين صفحاتها، أحيانًا كانت فقرة مكتوبة بأسلوب جديد علىّ، وأحيانًا جملة آسرة، وأحيانًا كلمة واحدة أتعلمها للمرة الأولى. 

لم أهتم يومًا بالأفكار، أو الحبكة، أو المواضيع. كانت مجرد حصى على الطريق؛ أما الجواهر الحقيقية المخبأة فكانت الكلمات والعبارات التى تكمن قوتها الحقيقية فى طياتها. 

انظر، على سبيل المثال، إلى هذه الجوهرة التى سرقتها مؤخرًا: «قرون اللابورنوم فى التاسعة صباحًا». بفضلها، تعرفت على شجرة اللابورنوم الجميلة، وأزهارها الذهبية فى الربيع، التى تتحول إلى قرون فى الخريف، مثالية كاستعارة أو كشىء يعاد تدويره لرسم صورة زاهية الألوان. 

لن أخبركم بالطبع من الذى سرقت منه، على الرغم من أن أى قارئ للشعر الأمريكى قد يتعرف عليها فى تلك الأبيات.

هناك أسطورة عن أبى نواس. ذهب إلى شيخٍ وطلب منه أن يعلمه. فأمره الشيخ بحفظ ألف بيت شعر. أمضى أبونواس عامًا كاملًا فى ذلك، ثم عاد. فقال له الشيخ: «حسنًا. انسها الآن. إن استطعت، ستصبح شاعرًا». 

هذا ما كنت أحاول فعله طوال هذه السنوات فى اللغتين العربية والإنجليزية. أقنع نفسى بأننى أنسى ما أحفظه، لكن أشباح الكُتاب والأشخاص الذين اقتبست منهم تطاردنى.

أنا سارق، بارع فى إخفاء ما آخذه، أحفظه حتى يجرى فى دمى، فلا أحد يستطيع أن يعرف من أين يأتى الدم، أو من أى كتاب اقتبست منهم. مع ذلك، فى معظم كتبى، أدرج قائمة بالكتاب الذين اقتبست منهم، لأشكرهم.

لعل أكبر خطيئة أدبية لى هى كرهى للنقاط، بل إننى أتجنب استخدامها تمامًا إن استطعت، فأنا من عشاق الفواصل، وجملى طويلة جدًا، سواء فى الكتابة أو الكلام، وأحيانًا أنسى تمامًا ما أتحدث عنه أثناء الكلام، فأنا أيضًا مولعة بالاستطرادات العرضية، خاصة الطويلة منها.

آنا جول
آنا جول

لدرجة أن الجميع، بمن فيهم أنا، يفقدون تسلسل الأفكار، لأننى ببساطة أكتب كما أتحدث، وأتحدث كما أفكر، ولا أملك الفلتر الذى تمثله النقاط، فلا أستطيع التمييز بين نهاية فكرة وبداية أخرى، إلى أن تتوسل إلى محررتى أحيانًا لإضافة نقطة، فتقول مثلًا: «أنت سريعة جدًا هنا يا آنا»، فأستمع إليها، لأنى أثق ثقة كبيرة فى السلطة. 

وأحاول أن أتذكر ذلك لبقية النص، أى أن على التمهل، أو على الأقل التناوب بين الجمل القصيرة والطويلة. لكن سرعان ما أنجرف مجددًا، فأجد أصابعى تتسابق على لوحة المفاتيح، كما حدث عندما انتابتنى نوبة هوس أثناء تأليف كتاب، حين شعرت بأنى فى أوج تألقى، وكنت أقارن نفسى بيسوع، وأظن أننى قارنت نفسى أيضًا بأرسطو قليلًا. 

أتذكر نقاشًا مطولًا حول منطقية الإقلاع عن التدخين دون مساعدة، لأن هذا ما كان سيفعله يسوع، إذ لم تكن علكة النيكوتين موجودة فى زمانه. لكن فى النهاية لم أستطع الإقلاع فجأة، واستمر الناس فى محاولة تعليمى استخدام علامات الترقيم. أحيانًا أفعل.

الخطيئة الأدبية التى أود الاعتراف بها هى أننى توقفت عن الثقة المطلقة برؤية الكاتب. أريد أن أدعهم يأخذوننى فى رحلة إلى عالم قصصهم. لكننى أجد نفسى أرمى الكتاب على الأرض حالما أشعر أن أسلوب الكتابة متكلف أو مفتعل. 

فجأة، أفقد ثقتى فى طريقة تناول الكاتب لمواضيع الحزن، والزواج، والانفصال، والبطالة، والسياسة، أو أى شىء آخر.

إنها طريقة غريبة للتعامل مع النثر. فالنثر بطبيعته غير متقن، إنه فن عفوى. لا يمكنك توقع الحقيقة فى كل تفاصيله. تصاغ الجمل كل دقيقة كما تجهز السندويتشات فى المطاعم. 

عندما أعيد قراءة بلزاك أو وولف، أجد الكثير من الأمور غير الصادقة، أمثلة على تحريفهم لواقع واضح لخدمة معنى أخلاقى متماسك. ومع ذلك، فقد أسهم هؤلاء الكتاب فى تكوينى، وأنا راضٍ عن النتيجة. لكننى لم أعد أستطيع الانغماس فى روايات أشعر أنها خانت ثقتى المطلقة الغريبة بها- ومع ذلك، أقضى أسابيع على صفحة تعجبنى، وأقرأها بصوت عال لأصدقائى، وأجلها كما أجل مخبزًا أو جدة، وأكون راضيًا.

لست فخورًا بهذا. إنه ليس صحيًا. ثم إننى، ما الذى أبحث عنه حقًا- الشعر؟

فى الأوساط الأدبية الناطقة بالإنجليزية، كثيرًا ما أسمع أن على الكاتب أن «يظهر لا أن يخبر». هذا التوقع ليس حاضرًا بقوة فى عالمى الأدبى «أكتب فى الغالب بالفرنسية»، ولكن مع ذلك، لاحظت تقديرًا متزايدًا للإيجاز. 

فرانسيسكو باسيفيكو
فرانسيسكو باسيفيكو

تمدح الجمل عندما تكون «متقنة»- وهى صفة يفرط النقاد الأدبيون الفرنسيون فى استخدامها لوصف أى جملة جيدة. يجب أن تكون الشخصيات متماسكة؛ يجب أن تكون الحبكات محكمة، ويجب سد أى ثغرات فيها. وكأن المصير الطبيعى للقصة القصيرة أو الرواية هو أن تصبح مسلسلًا قصيرًا متقنًا. فى رواياتى، تسير الشخصيات فى دروب الحياة ببطء. إنها غامضة بالنسبة للراوى، بالنسبة للقارئ. وكثيرًا ما تشرح الأمور لنفسها. فإذا وقعت فى الحب، حللت التجربة حتى استنفدت كل جوانبها. 

وإذا شعرت بالحزن، فالأمر سيان. ليس هذا من باب التظاهر الأدبى، بل لأننى أعتقد أننا فى الغالب غامضون حتى بالنسبة لأنفسنا، ويبدو النص المكتوب أحد الأماكن القليلة التى لا يزال هذا الغموض موجودًا فيها.

بدلًا من الدخول مباشرة فى صلب الموضوع، أو حتى امتلاك فكرة محددة، ينبغى للرواية أن تتجول مع شخصياتها، باحثة عن تفسيرات، ثم تفشل فى إيجادها. غالبًا ما يظن الرواة الأكثر إقناعًا أنهم يروون قصة، لكنهم فى الواقع عاجزون، إذ تفلت منهم الحبكة.

يعالج الكتاب مادة ثقيلة ومترددة. يحدث شىء ما عندما تقاوم القصص زخمها المتقدم وتقاوم الشخصيات كتابها. صحيح أننا نستطيع صقل اللغة لتصبح فعالة، لكنها لا تستجيب دائمًا. إنها عصية على الاستخدام، وهذا تحديدًا ما يعجبنى فيها.

لا تفهمونى خطأ. أنا أعشق القصص المشوقة والمثيرة. لا أعتقد أن نوعًا من الأدب أفضل من آخر، تمامًا كما أننى لا أعتبر صعوبة الوصول إلى المعلومات ميزة بحد ذاتها. 

لكننى أيضًا أحب القصص التى لا وجود لها إلا كنصوص، لأنها تستكشف السمات الفريدة لهذا الفن الغريب وغير الفعال والمعقد، لأنها تصر على السرد دون الكشف.

قمت مؤخرًا بتدقيق المسودة الأولى لروايتى الثانية لغويًا، قبل أن يطلع عليها مدقق لغوى محترف. فعلت ذلك لأنى أتذكر جيدًا كيف خضعت روايتى الأولى للتدقيق اللغوى، وكيف شعرت بالحرج عندما أشار أحدهم بلطف إلى تكرار بعض الكلمات فى المخطوطة. 

إيموجين ويست نايتس
إيموجين ويست نايتس

على سبيل المثال، كلمات مثل «Trudge» و«unpleasant» و«lightly» بدت وكأنها أفرطت فى استخدامها. ومنذ ذلك الحين، أصبحت شديد الانتباه للتكرار. وعندما أصادف تكرارًا، غالبًا ما أجد نفسى ألجأ إلى جوجل لأطلب منه قائمة بالمرادفات.

هل يمكننى ابتكار قائمة خاصة بى من الكلمات البديلة لعبارة «يحدق»، على سبيل المثال؟ بالطبع يمكننى. ولكن لأى سبب كان، يبدو أن هذا هو المجال الوحيد فى كتاباتى الذى أُفضل فيه الاستعانة بمصادر خارجية للعملية الإبداعية. 

ربما لو كنت أتجه إلى رف الكتب فى هذه اللحظات وأتناول نسخة من قاموس روجيه للمترادفات، لشعرت براحة أكبر. كنت سأستخدم مرجعًا ماديًا، وهو ما يضفى لمسة أدبية مميزة. 

لكننى لا أملك قاموس روجيه للمترادفات. عندما أحتاج إلى أى نوع من المعلومات، يكون الإنترنت هو أول مكان أبحث فيه، لأننى شخص طبيعى.

أشعر بشىء من الخجل حيال ذلك، لأن ابتكار الكلمات هو ما يفترض أن يفعله عقلى. أعرف الكثير من الكلمات، فهى كثيرة جدًا. أحاول إقناع نفسى بأن لهذه العادة فوائد. 

أحيانًا أتعلم كلمة جديدة، أو أكتشف أصلًا لغويًا مثيرًا للاهتمام! صحيح، هذا يحدث أحيانًا. لكن الأمر فى الغالب كسل. من شبه المؤكد أننى أضعف بعض المسارات العصبية بالبحث فى قاموس المرادفات على جوجل، تمامًا كما سلبنى استخدام تطبيق الآلة الحاسبة على هاتفى جداول الضرب تدريجيًا. 

لكننى سأستمر فى عدم إجراء العمليات الحسابية ذهنيًا، وسأستمر فى إقناع نفسى بأنه، أحيانًا، لا بأس من الاختيار من قائمة صغيرة من الكلمات التى يقدمها لى الإنترنت.

أخبرنى مرشد فاضل ذات مرة أن علىّ قراءة العمل بدقة حتى النهاية قبل ترجمته، لأتأكد من رغبتى فى القيام به، ولأتجنب عناء مراجعة الكلمات والرموز والتهجئات المتكررة، ولأحدد النبرة المناسبة منذ البداية. كان مرشدى يقصد الخير، ولكن بصراحة، أين المتعة فى ذلك؟

سابرينا جازى
سابرينا جازى

أفضل البقاء جاهلة قدر الإمكان لأطول فترة ممكنة. عند قراءة نص ببطء مبهم، تتحول كل جملة إلى قصة مثيرة. كيف ستتكشف بنية القواعد والنحو المعقدة لتفصح عن المعنى؟ ما الحيلة التى دبرها الكاتب فى الجملة، وما هى قشعريرة الفكاهة أو السخرية التى ستخيم على سطحها عند اكتشافها؟

تكشف عملية الترجمة عن كم هائل من المعلومات التى قد تفوتك أثناء القراءة العادية، حتى فى اللغة التى تتقنها. «ذات مرة، أعدت قراءة أعمال جين أوستن بينما كنت أحفظ مفردات لاختبار قبول فى الدراسات العليا، ولاحظت، للمرة الأولى، كلمات فى الإنجليزية كنت أتجاهلها سابقًا وكأنها غير موجودة». 

كلما قل تركيزك على الحبكة، كلما برزت عناصر اللغة. لذا، غالبًا ما أكتفى بنظرة سريعة إلى النهاية ثم أبدأ العمل مباشرة. أقرأ جملة جملة، وأنا أحدق فى الضوء الخافت، أنظر إلى ما يكفى من الظل كى لا أصطدم بالأشجار. 

وإذا اصطدمت، فدائمًا ما يكون زر الحذف موجودًا لأعود إلى المسار الصحيح. الرجوع إلى الوراء ثمن زهيد مقابل متعة عدم معرفة ما يخبئه المنعطف.

فى كل مرة أبدأ فيها بكتابة مقال، أعد نفسى بتوثيق مصادرى. وأننى هذه المرة سأسهل الأمر على نفسى بتسجيل كل معلومة أجدها. ومع ذلك، لا أفعل ذلك أبدًا. فبدلًا من ذلك، فى نهاية كل مسودة، وبمجرد بدء عملية التحقق من الحقائق، أبدأ مهمة شاقة تتمثل فى محاولة تذكر أين قرأت أو سمعت شيئًا ما. 

كارى باراكا
كارى باراكا

جزء من المشكلة يكمن فى أن العديد من المقالات التى أكتبها تنبع من سنوات من الفضول العابر حول موضوع ما. لكن المشكلة الأكبر هى أننى لا أهتم بما يكفى لحل هذه المشكلة.

لدى العديد من العيوب الأدبية الأخرى- كالتعالى الشديد على ما أقرأ، ومحاولة تقليد أسلوب كتاب آخرين أعجب بهم، وعادة البحث عن اسمى على جوجل كل بضعة أيام- لكن لا شىء منها يؤرقنى أكثر من عجزى عن تتبع مصادرى. 

لذا أشعر بالحزن الشديد عندما تحذف معلومة من كتاباتى لعدم قدرتى على ذكر مصدرها. يطاردنى كسلى ليلًا. ذات مرة، لم أستطع تذكر مصدر معلومة بالغة الأهمية عن رجل كنت أكتب عنه. عدت إلى جميع الصحف التى قرأتها، وجميع المقالات، وجميع المقابلات التى أجريتها، لكننى لم أجدها. فأقنعت نفسى أننى حلمت بهذه المعلومة. وأننى كنت أرغب بشدة فى ربط الأحداث ببعضها لدرجة أن هذه المعلومة خطرت لى وأنا نائم. 

قبل أيام قليلة من موعد تسليم المسودة النهائية، أدركت أين قرأتها. كانت رسالة بريد إلكترونى أرسلها لى أحدهم فى الساعة الواحدة صباحًا، وقرأتها فى الفترة الفاصلة بين النوم العميق واليقظة.