قلوبهم معلقة بمصر 2
ديزموند ستيوارت.. مذكرات رحالة بريطانى عن «سحر القاهرة»
- مسجد «السلطان حسن» يظهر قوة العقيدة و«الأقمر» أحسن جوامع الفاطميين حفظًا
- مصر كلها تخرج فى شهر أغسطس للترحيب بمقدم فيضان النيل
«قلوبهم معلقة بمصر» أتوجه به إلى شباب المصريين لأقول لهم: هذه الجميلة، مصر العظيمة القدر، تستحق منكم كل الحب.. وهنا فى «حرف» أصحبكم مع الرحالة البريطانى ديزموند ستيوارت «1924-1981» وقد زار القاهرة وتعلم لغتها، وانضم إلى زمرة عشاقها الذين عرفوها وأحبوها وتحدثوا إليها حديث العاشق إلى عشيقته، وكثيرًا ما وقف على تلال وجبل المقطم ليرقب مطلع الشمس فى الصباح الباكر وهى تلقى بأول تحية لها على أبى الهول الرابض إلى جهة الغرب يحدق فى لامبالاة باتجاه المدينة.. وفى وقفته الأثيرة تلك على تلال وجبل المقطم كان يتابع بناظريه سلسلة أهرامات تمتد جنوبًا حتى نهاية البصر.


أقام ديزموند ستيوارت طويلًا فى القاهرة وعاش فى كنف المصريين وأمعن النظر فيهم، معتمدًا على ثقافة وحس مرهف ساعداه على النفاذ إلى ما تخفيه القاهرة وراء جدرانها العتيقة التى تراكم عليها التاريخ من أسرار وأحوال وصور.
الأميرة «نوفرت» أو الجميلة نفرت الزوجة المصرية الفرعونية الجالسة على الدوام إلى جوار زوجها «رع حتب» كما رآها ستيوارت فى ستينيات القرن العشرين تسكن الغرفة رقم ٣٢ بالدور الأرضى بالمتحف المصرى الكائن فى ميدان التحرير.. هل ما تزال تنعم بذات البهاء بشعرها الأسود ترسله إلى الخلف مثل كثيرات من الحفيدات المصريات أم أنها انتقلت غصبًا ونهبًا بصحبة زوجها إلى غرفة أخرى بمتحف فى لندن أو باريس أو برلين أو نيويورك؟.
القاهرة ابنة الصحراء - كما أسماها الرحالة العاشق - نحتت من تلال المقطم آلاف الآلاف من الكتل الحجرية الضخمة ودفعت بها إلى الغرب محمولة على مياه النيل لتبنى أهراماتها، وما تبقى من تلك الكتل الحجرية «لحم الصحراء المتجمد» استخدمته فى عمارة المساجد والقصور.. ومن مباهج القاهرة ابنة الصحراء محال بيع عصائر المانجو وقصب السكر التى تروى الحلوق الجافة العطشى فى فترة ما بعد الظهر، وأكشاك زهور بألوان متوهجة، وتلك الرائحة الفريدة التى هى خليط من أنفاس الفل والياسمين تسرى فى الطرقات عندما تغيب الشمس بعد نهار قائظ.
ما سبب الاهتمام الكبير الذى حظى به موقع القاهرة قبل أن ينتشر العرب من جزيرتهم بزمن طويل؟.. ربما لأن نهر النيل عند القاهرة يزداد رحابة ليضم بين ذراعيه أرض الدلتا التى على شكل مروحة.. ربما لأن الفراعنة أقاموا عاصمتهم منف والهرم المدرج فى سقارة «أقدم بناء حجرى فى العالم»، ومقابرهم فوق هضبة الجيزة القريبة من قلب القاهرة، ومدينة عين شمس «هليوبوليس» التى كانت لها سمعة عالمية فى العلوم وكان لكهنتها فضل على هيرودوت وأفلاطون.
يخط الرحالة ديزموند ستيوارت على لوحة من الحقائق التاريخية ما يراه خلال تجواله فى أحياء القاهرة من ألوان وما يشم من روائح وما يقرأه فى الوجوه والجدران، مسجلًا وقع كل ذلك على نفسه.


تتناثر فى القاهرة شواهد عديدة على تعدد الأديان.. يتساءل ستيوارت: هل يرجع ذلك إلى أن زائرى القاهرة الأكثر تأثيرًا فيها قدموا إليها بأفكار دينية؟.. فى شرق الدلتا أقام العبرانيون، وعلى ضفاف النيل استوطنت جاليات يهودية قبل ميلاد المسيح بعدة قرون، وفى الإسكندرية بالقرب من مصب فرع النيل الغربى قام أفلوطين بشرح نظريته عن التوحيد، واختارت العائلة المقدسة المدينة الرومانية بابليون «القاهرة حاليًا» فى مصر ملجأ لها عند خروجها من فلسطين هربًا من طغيان «هيرود».
ما الذى جعل القاهرة «ابنة الصحراء» فريدة بين المدن الصحراوية؟..
إنه النيل أطول أنهار العالم القديم يشق الصحراء ويهبها الحياة، ولولاه لكانت القاهرة بقعة بلا اسم بين بيداء تمتد من جبال البحر الأحمر إلى شاطئ الأطلسى عبر الصحراء الكبرى.. ولأن النيل شريان قلب مصر الذى يبعث فيها الحياة والزرع فقد أطلق ستيوارت على القاهرة اسم «ابنة النيل» التى عند فتح العرب لها أقاموا مقياس النيل عند الطرف الجنوبى لجزيرة الروضة ليكون أول بناء يقيمونه فى مصر، وكان بقدر ارتفاع المياه فى المقياس كانت مصر تتأرجح بين حالتى الخصب والجدب، حتى أن مصر كلها كانت تخرج فى شهر أغسطس للترحيب بمقدم فيضان النيل من أواسط إفريقيا والاحتفال بوفاء النيل، وفى السنة التى كان يخشى فيها ألا يفى النيل بفيضه وعطائه كانت طوائف المبتهلين تخرج من شوارع القاهرة على الشاطئ الشرقى للنيل وعلى رأسهم السلطان بصحبة أئمة المسلمين والقسس الأقباط وحاخامات اليهود ليقيموا صلاة جامعة للاستسقاء؛ كل فيها يقرأ فى كتابه المقدس ليمن الله على مصر بالفيض والعطاء.
النيل عنصر الوداعة فى بيئة مصر الصحراوية.. وفى مدينة القاهرة التى تتصف بحدة الملامح والطبع- يقول ديزموند ستيوارت- يفيض النيل عندما تشتد الحاجة إلى مياهه مع بدء لهيب الصيف، على عكس نهر دجلة الذى يفيض ويغرق الأرض عندما لا تكون هناك حاجة لفيضانه.
أجناس عديدة لم تنقطع عن القدوم إلى مصر بما فيها من فلاحين من الدلتا والوادى، تجرى فى عروقهم آثار دماء فرعونية.. من القوقاز جاء الرقيق الأبيض وصاروا حكامًا لها تحت اسم المماليك، وقدم الرقيق الأسود من الجنوب، وأتى إليها تجار جاوة والصين، وعلماء وفقهاء من تونس، ومهاجرون من الشام وليبيا والنوبة واليونان والصومال والحبشة، وفلاحون مصريون من الدلتا والوادى؛ جميعهم تجرى فى عروقهم آثار دماء فرعونية، وفى أعقاب غزو نابليون لمصر فتحت القاهرة أبوابها لمهاجرين هاربين من الفقر فى بلاد جنوب أوروبا بلغت أعدادهم مئات الألوف.. هكذا هى القاهرة كما وصفها ديزموند ستيوارت مدينة متعددة الألوان والأحياء والأجناس والعادات لا تكف عن التبدل.


الأحياء البلدية فى القاهرة هى بقايا حية لا تزال للمجتمع الموصوف فى قصص ألف ليلة وليلة حتى وإن كانت أحداثها قد وقعت فى بغداد، كما لا يزال الكثير من سمات الحياة كما تبدو فى قصص ألف ليلة وليلة باقية فى القاهرة، التى ينصح ستيوارت زائريها بأن خير الطرق لاستكشاف أحيائها ذات الطابع البلدى هو السعى إليها سيرًا على الأقدام، وبأن خير نتاج مصر هو الذى يخرج من الدروب الضيقة لأحياء القاهرة البلدية، لما فيها من حيوية هيهات أن يكون لها قرين، ولما فيها من حماس وتطلع لمباهج حياة يومية تأتى عفوًا دون تعمد.
ظلال من مقدونيا رصدها ستيوارت على ملامح وجه القاهرة؛ فعلى مدى قرن ونصف ما بين نابليون وجمال عبد الناصر تولت حكم مصر من العاصمة القاهرة سلالة أجنبية، كان منشئ خطوطها رجل مسلم من مدينة قولة فى مقدونيا بشمال اليونان يدعى «محمد على» الذى جاء إلى مصر بتكليف من السلطان العثمانى لصد زحف نابليون، لكنه قلب تبعيته للسلطان إلى نظام حكم فريد فى مصر، فقد أوصل محمد على الإسكندرية بالقاهرة بحفر ترعة المحمودية، وبنى القناطر الخيرية عند عنق الدلتا، ومد السكة الحديدية..
ومن تركة المماليك ورثت القاهرة شيئين: العيون الزرق والخضر فى بعض الوجوه السمر، ومدارس ومستشفيات ومساجد بقباب أقاموها فوق قبورهم، وكأنما انتقل إليهم بالعدوى من روح مصر الفرعونية ذلك الحرص على تشييد ضريح لائق بالرقدة الأبدية.
لكن ما ابتدعته القاهرة من عمارة إسلامية لا تجعلها مجرد مدينة جليلة المكانة فى هذا الفن فحسب، بل تجعلها مدينة فريدة ليس لها مثيل، فمن زار مدينة بورصة فى تركيا ورأى عمائرها لا يسعه إلا الإعجاب بألوانها الزاهية، ومن زار قصر الصيد فى كربلاء وبقايا قصور سامراء وضريح تاج محل فى دلهى لا يسعه كذلك إلا الانبهار بنقاء الشكل فى الفن المعمارى، لكنها جميعًا - فى رأى ديزموند ستيوارت - إما أبنية فرادى وإما أبنية من نتاج عصر واحد كما فى بورصة، أما القاهرة فهى وحدها شاهدة على تطور معمارى متصل قرنًا بعد قرن، وهى وحدها القاهرة سجل حضارة بتمامها تتكشف على الحجر والآجر والخشب طوال زمن يزيد عن ثلاثة عشر قرنًا، وهذا السجل الحضارى هو للعرض أمام الناظرين.


يستعير ديزموند ستيوارت كلمات ستانلى لين بول قائلًا: «إذا أردنا أن نتذوق الفن الإسلامى بغير أن تفسده رتابة التفاصيل كما فى قصر الحمراء، وبغير أن يشوهه تعمل مبالغ فيه كما فى عمارة الهند، فينبغى لنا أن نتأمل مساجد القاهرة وأضرحتها».
أكثر مساجد القاهرة الإسلامية التى استرعت انتباهه وإعجابه جامع ابن طولون الذى يعد أمر بقائه على مدى القرون منذ عام ٨٧٠ م من الخوارق لبنائه المهيب، الذى يماثل فى روعته روعة معبد البارثينون والذى ربما يوحى لديه بفيض أكبر من القداسة، فجامع ابن طولون أميل فى الشبه إلى معبد إغريقى، يخفى جماله من وراء أسوار لابد لمن يؤمه من اجتيازها.
صحن جامع ابن طولون الذى ينكشف للسماء فتحرقه الشمس وتجلله بالصفار تتوسطه فسقية للوضوء تعلوها قبة ترجع إلى سنة ١٢٩٦ م، وهى أقل قيمة من القبة الأصلية التى كانت مقامة على عشرة أعمدة من المرمر طلبًا للجمال وحده لا النفع؛ وإذا كان صحن الجامع هو بمثابة الصحراء فالفسقية هى الواحة والعقود هى الغابة التى ترمز لما فى النفس من تشابك المنازع المتضاربة، وفى ظلال الأروقة جو رطيب يشعشع فيه الجذل الروحى وتخيم فيه السكينة الداعية إلى الاستغراق فى التأمل والاستعبار.
ينظر إلى جامع الحاكم بأمر الله- الذى سمى أولًا بالجامع الجديد وبالجامع الأبهى- فيجده يقف فى الناحية الداخلية من المدخل الشمالى للمدينة الفاطمية، وقد أخذ التعب منه كل مأخذ وغطاه التراب، ولكى يشاهد الجامع بوضوح كان عليه أن يتخذ له مكانًا فوق أحد برجى باب النصر، وذلك بعد أن أهمل وأصيب بحريق فى مستهل القرن العشرين، وبعد معاملة قاسية دامت قرونًا نجم عنها سقوط كثير من الجص المنقوش عليه بالخط الكوفى، كما انتشر البلى فى المجموعة الكبيرة من الممرات المبنية بالآجر تحت المئذنتين المديدتين الواسعتين..
يتساءل ستيوارت عما وراء إهمال جامع الحاكم بأمر الله فيجيبه أحدهم: ربما كانت الكراهية التى لا يزال يكنها المصريون للحاكم بأمر الله هى السبب فى إهمال جامعه.
فى رأيه أن جامع الحاكم بأمر الله مثل جامعى عمرو بن العاص وابن طولون؛ جوامع طابعها العزة الدينية التى نبعت من الدين الإسلامى الذى ينزع إلى الديمقراطية فى إحدى نواحيه، فكل الناس داخل الجامع سواسية لا تفاضل بينهم، يندمج فيهم الخليفة ولو حضر فى فاخر ثيابه ووسط حراسه، فالكل سواء يقيمون الصلاة صفوفًا خلف إمامهم يسجدون لله كما علمهم النبى العربى.
ويتوقف فى شارع بين القصرين أمام الجامع الأقمر أحسن جوامع الفاطميين حفظًا، الذى له واجهة جامدة ضئيلة الزخرفة كعادة الفاطميين، وعند توقفه أمام جامع السلطان حسن يتبين أن المستوى الحضارى للدين الإسلامى- وليست العقيدة نفسها أو تعاليمها- قد ناله بعض التغيير، فكما أن المبانى تغيرت فى الشكل والروح فجامع السلطان حسن لا يقل عن جامع ابن طولون فى إظهار قوة العقيدة؛ حتى أن مدخله الشبيه بالدهليز يذكره بالمعابد الفرعونية التى صممت لتدخل الرهبة والخشية فى نفوس المتعبدين ويشبهها أيضًا فى إقامة هذا البناء المتعالى الضخم لأجل أن يضم رفات إنسان ضئيل.

ليل القاهرة يظل عالقًا فى ذاكرة ديزموند ستيوارت أكثر من نهارها، بل هو مثير لشعوره أكثر بكثير من ليالى أوروبا.. فنجوم سماء ليل القاهرة تبدو أكثر عددًا وأشد لمعانًا.. وعلى طول النيل تنتشر مطاعم بعضها فى العوامات والباقى فى حدائق الهواء الطلق، وتظل هذه المطاعم مفتوحة طول السنة آمنة من الأمطار التى لا تهطل إلا دقائق معدودة كل عام.
أما مطعمه المفضل فهو كازينو الحمام على الشاطئ الغربى لنيل الجيزة الذى يقدم الحمام المشوى على الفحم والنبيذ الأحمر الذى تنتجه مزارع جناكليس فى الدلتا.. وعند شروعه فى تناول طعامه تحيطه وتراقبه بصبر فرقة من القطط هى حتمًا نتاج تلك التى كان يقدسها الفراعنة.. وأثناء جلسته بالمطعم يظلله حفيف أوراق شجر الكافور بينما تنساب بجانبه حتى يكاد يلمسها المراكب الشراعية تحركها الرياح رائحة غادية تحمل حمولتها من البضائع.
هل ديزموند ستيوارت أقدر من ابن البلد على رؤية القاهرة؟.. هل لأنه ليس مثل ابن البلد ضحية الألفة المستنزفة لجدة الانتباه والمفضية إلى عناق تموت فيه اللهفة وإن بقى الحب؟.. يتساءل الأديب المصرى يحيى حقى: هل يمكن للأجنبى ستيوارت عاشق القاهرة أن يأخذ بيدنا ويرينا أشياء كانت تقع عليها أبصارنا من قبل ولا ننتبه لها؟.. هل لأنه يتحدث عن القاهرة حديث عاشق عن عشيقته؟.







