شهر نجيب..
سيد المرايا.. «وجوه نجيب»: أنا كل هؤلاء!
- أحمد عاكف فى «خان الخليلى» يحاكى البدايات المتحفظة والقلقة
- عبدربه التائه يجسد الوصول إلى ذروة «النضج» بعد تجربة المرض
- كمال عبدالجواد يعكس أزمة جيل الثلاثينيات الفكرية
لا يمكن فصل الجانب الإنسانى لدى أديبنا العالمى نجيب محفوظ عن شخصياته التى أبدعها على الورق؛ باعتبار الإبداع الحقيقى ليس سوى انعكاس لحياة ومواقف وتجارب صاحبه.
وبشىء من التدقيق فى مسيرة «محفوظ»، نلمح تشابهًا واضحًا بين «نجيب الإنسان» فى مراحله المختلفة، وبين كثير من أبطال أعماله الذين جسّدوا تلك المراحل.
فأحمد عاكف، بطل «خان الخليلى»، الطفل الخجول الساذج الباحث عن المعرفة من كل اتجاه والمُغتر بها، قد يحمل ملامح «محفوظ» فى بداياته المليئة بالتجريب والاندفاع.
وكمال عبدالجواد فى «الثلاثية»، هو صورة الشاب المثالى الحالم، المُحب المتفانى، الذى يعكس وجه «محفوظ» فى شبابه، أما جعفر الراوى فى «قلب الليل»، الذى ظن نفسه مُخلّصًا وحلم بتغيير العالم عبر نظرياته، فهو وجه آخر من «النجيب» فى مرحلة فكرية جامحة ومتطلعة ناحية المجهول.
ولعل الشيخ عبدربه التائه، حكيم «أصداء السيرة الذاتية»، هو «محفوظ» الكهل الذى شرب حكمة الحياة الدنيا، فراح يكتب بروح صوفية ما رآه وذاقه وعرفه.
فأى هؤلاء هو «نجيب»؟ ربما كلهم؛ وإن لم يكونوا أقنعة متعددة له، فهم على الأقل أنفاس من روحه، ووجوه من ذاته، انعكست فى مرايا شخصياته الخالدة.


ربما تمثل شخصية أحمد عاكف فى رواية «خان الخليلى»، وجهًا «طفوليًا» من وجوه نجيب محفوظ فى المراحل المبكرة من حياته، حيث يظهر فى الرواية خجولًا، منطويًا، يعيش مأساة شخصية مرتبطة بالحب والخيبة والمرض، ويبدو فى كثير من تفاصيله صورة لأديبنا الكبير فى بداياته، حين كان يعيش عزلة داخلية ويبحث عن معنى وسط واقع اجتماعى ضاغط.
فمن هو أحمد عاكف؟ هو الموظف البسيط الذى اضطرته ظروف الحرب العالمية الثانية إلى الانتقال مع أسرته إلى حى خان الخليلى، وهناك يعيش تجربة جديدة تكشف عن هشاشته النفسية وتردده فى مواجهة الحياة، من ناحية، ومن أخرى اندفاعه واغتراره الطّفولى بما حصّله من معارف وقراءات.
ربما تكون هذه السمات «الخجل، الانطواء، الحساسية المفرطة»، هى نفسها التى ميّزت «محفوظ» فى شبابه، حيث كان قارئًا نهمًا، مترددًا فى اختياراته، يميل إلى الانعزال، ويجمع المعارف من اتجاهات شتى دون أن يجد لنفسه طريقًا واضحًا.
وتحمل الرواية نفسها طابعًا واقعيًا شديدًا حيث ترسم صورة الحىّ القاهرى القديم بكل تفاصيله، المشابه للحى الذى عاش فيه «محفوظ» فترات حياته الأولى.
فأحمد عاكف، ابن هذا الحى، هو امتداد لـ«محفوظ الإنسان» الذى تشكّل وعيه فى فضاء القاهرة الشعبية، حيث الحارات الضيقة بتفاصيلها السحرية، والعلاقات الاجتماعية المتشابكة، والهموم اليومية التى تصوغ شخصية الإنسان، فيظهر «النجيب» فى تصويره لـ«عاكف» وكأنه يستدعى تجربة ذاتية عاشها بنفسه، أو أنه يجسد وعيه المبكر وتصوراته عن البيئة التى شكّلت وجدانه.
على الجانب النفسى، يعيش البطل أحمد عاكف مأساة مرتبطة بالحب والخيبة، إذ يقع فى غرام فتاة لا تبادله المشاعر، فيتجرع مرارة الفشل العاطفى بشكل موحش يزلزل كيانه، فيزداد شعوره بالاغتراب عن العالم المحيط ويزداد انطواؤه وانكفاؤه على نفسه ويسير فى حلقة من الفراغ والتحطم الداخلى.
ورغم أن أحمد عاكف رجل فى منتصف العمر فإنه يبدو فى كثير من أفكاره وهواجسه النفسية يحمل تحت جلده طفلًا كبيرًا لا ينفك يجذبه إليه ويحيد به عن مساحات النضج والاختيار الصحيح لحظة اتخاذ القرار.
وتعكس هذه التجربة إدراك «محفوظ» المبكر لصراع الفرد مع المجتمع والظروف، وهو الصراع الذى سيظل حاضرًا فى معظم أعماله اللاحقة، حيث كان «محفوظ» نفسه يعيش قلقًا وجوديًا فى تلك المرحلة، ويبحث عن معنى حقيقى وسط التحولات السياسية والاجتماعية الكبرى.
كما أن شخصية أحمد عاكف تكشف عن إدراك «محفوظ» المبكر لمأساة «المثقف المصرى البسيط» الذى يجد نفسه محاصرًا بين ضغوط الحياة اليومية الصعبة وأحلامه الفكرية أو العاطفية، وهذا الصراع والتضاد بين الواقع القاسى والطموح الشخصى هو ما سيظهر لاحقًا فى شخصيات أخرى مثل كمال عبدالجواد فى «الثلاثية».
لكن إذا أحمد عاكف هو الوجه الواقعى الخجول، الذى يعكس بدايات «محفوظ» المليئة بالتردد والانكسار، فإن «كمال» هو الوجه المثالى الحالم لـ«محفوظ» الذى يجسد مرحلة الشباب الفائر.

لا يمكن النظر إلى شخصية كمال عبدالجواد فى «الثلاثية» باعتبارها مجرد ابتكار روائى، بل هى انعكاس مباشر لوجه من وجوه نجيب محفوظ نفسه.
فى حوارين صحفيين أجرتهما معه مجلة «آخر ساعة» عام ١٩٦٢، و«الآداب» عام ١٩٦٣، يعترف نجيب محفوظ بلا مواربة بأنه هو نفسه كمال عبدالجواد فى «الثلاثية».

يقول «محفوظ»: «كمال يعكس أزمتى الفكرية وكانت أزمة جيل فيما أعتقد»، ويضيف: «إن أزمة كمال العقلية فى الثلاثية هى أزمة جيلنا كله»، ثم يصرّح بوضوح: «أنا كمال عبدالجواد فى الثلاثية»!.
فى كتابه «المنتمى» التقط الناقد والكاتب الكبير غالى شكرى، هذا الاعتراف المهم، واعتبره مفتاحًا لفهم العلاقة بين الشخصية فى الواقع والشخصية فى الفن.

ورأى «غالى» أن المواقف الصغيرة التى عاشها «كمال» فى طفولته، كما وردت فى «بين القصرين»، تمنحنا إشارة البدء للتعرف على جوهر الأزمة التى عاشها «محفوظ» نفسه، معتبرًا أن أزمة «كمال» ليست مجرد أزمة فردية، بقدر ما كانت تعبيرًا نموذجيًا عن مأساة جيل كامل، هو جيل الثلاثينيات الذى وُلد بعد ثورة ١٩١٩، ووجد نفسه يعيش صراع الأحزاب وتغير الحكومات وتسلط الاحتلال، فى وقت كان فيه العالم من حوله يتغير جذريًا تحت ضغط تناحر الفاشية والشيوعية والرأسمالية.
وهنا يظهر كمال عبدالجواد، الشاب المثالى الحالم، ممزقًا بين الماضى الصعب والواقع الأكثر صعوبة والمستقبل الذى يبدو مجهولًا، وهو فى جوهره صورة نجيب محفوظ نفسه الذى عاش هذه الأزمة الفكرية بكل تناقضاتها وعبّر عنها فى شخصياته الروائية.

ويكشف غالى شكرى عن إصابة «محفوظ» بـ«الصرع» فى طفولته، بما يضيف بعدًا نفسيًا مهمًا، فهذا العرض المرضى ربما أثّر فى أعماق الفنان وأيقظ فى وجدانه المرهف إحساسًا بالهشاشة والاغتراب.
وهذا البعد النفسى يفسر كثيرًا من ملامح «كمال» مثل «التردد، والقلق، والبحث الدائم عن معنى، والانغماس فى أسئلة الفكر والدين والسياسة»، وكأن «محفوظ» حين كتب «كمال» كان يستعيد صراعاته الداخلية التى بدأت منذ الطفولة.
و«كمال» الذى أحب الحسين من حديث والدته «أمينة»، هو نفسه «نجيب» الذى دأبت والدته على زيارة ضريح سبط النبى، فنشأ متعلقًا بتلك الحالة الروحانية التى سيتزعزع اليقين بها داخله فى مراحله المقبلة.
فى كتابه «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» لرجاء النقاش، يورد الناقد الكبير على لسان «أديب نوبل» قصة تعلق والدته بزيارة «الحسين»، فيقول: «كانت أمى سيدة أُميّة لا تقرأ ولا تكتب، ومع ذلك أعتبرها مخزنًا للثقافة الشعبية، كانت تعشق سيدنا الحسين وتزوره باستمرار، وفى الفترة التى عشناها فى (الجمالية) كانت تصحبنى معها فى زياراتها اليومية».

ويتابع «محفوظ»: «عندما انتقلنا إلى العباسية كانت تذهب بمفردها، فلقد كبرت أنا ولم أعد ذلك الطفل المطيع، ولم يعد من السهل أن تجرّنى وراءها، وفى كل المرّات التى رافقتها فيها إلى سيدنا الحسين كانت تطلب منى قراءة الفاتحة عندما ندخل المسجد وأن أُقبّل الضريح، وكانت هذه الأشياء تبعث فى نفسى معانى الرهبة والخشوع».
ويكشف «محفوظ» أيضًا عن أن والدته كانت تزور كثيرًا المتحف المصرى، وكانت تقضى وقتًا بجانب «المومياوات»، ويضيف: «لا أعرف السبب، ولا أجد تفسيرًا لذلك، فحبها للحسين والآثار الإسلامية كان ينبغى أن يجعلها تنفر من تماثيل الفراعنة، ثم إنها كانت بنفس الحماس تذهب لزيارة الآثار القبطية، خاصة دير (مارجرجس) وتأخذ المسألة على أنها نوع من البركة، ومن كثرة ترددها على الدير نشأت صداقة بينها وبين الراهبات، وكن يحببنها جدًا. وكنت عندما أسألها عن حبها للحسين ومارجرجس فى نفس الوقت تقول: (كلهم بركة).. وتعتبرهم (سلسلة واحدة)».

وربما يكشف ذلك حالة عن الولع الكبير التى دفعت «محفوظ» لكتابة الثلاثية التاريخية «عبث الأقدار، ورادوبيس، وكفاح طيبة»، وجعلته يحقق كل هذا الإغراق فى أعماق الحياة المصرية القديمة.

إذا كان أحمد عاكف يمثل «محفوظ» فى بداياته الخجولة، وكمال عبدالجواد يمثله فى شبابه المثالى، فإن عبدربه التائه هو «محفوظ» فى مرحلة النضج والصفاء، فنراه وقد تجاوز طواحين الصراعات الفكرية والسياسية، يكتب بروح صوفية عن معنى الوجود، وعن التجربة الإنسانية فى أعمق صورها.
فحين كتب نجيب محفوظ شخصية عبدربه التائه فى «أصداء السيرة الذاتية»، لم يكن يبتكر شخصية جديدة بقدر ما كان يكتب نفسه، وقد بلغ مرحلة النضج والصفاء و«تمام الحكمة» بعد تجربة المرض والعلاج.
هذه الشخصية الحكيمة، التى تتحدث بلغة صوفية وتأملية، هى انعكاس مباشر لـ«محفوظ» فى سنواته الأخيرة، حين رأى الموت وهو يدنو منه، وخرج من التجربة بروح متسامية ترى العالم بعين المحبة الصافية.
فى أكتوبر ١٩٩١، اضطر «محفوظ» إلى السفر إلى لندن لإجراء عملية جراحية دقيقة فى الشريان الأورطى، بعد نصيحة الأطباء بضرورة التدخل قبل أن ينفجر، وكانت تلك الأيام قاسية عليه، فهو يكره السفر ويكره المستشفيات، ويصفها بأنها تثير فيه التوتر والعصبية.
لكن تحت وطأة الإحساس بالموت، بدأ يفكر فى كتابة سيرته، وكأن فعل الكتابة هنا أصبح مواجهة للموت وتحديًا له، ومن هذه اللحظة ولدت فكرة «أصداء السيرة الذاتية».
حين عاد إلى القاهرة، بدأ «محفوظ» تدوين خواطر وتأملات قصيرة، وصفها ساخرًا بأنها «تخاريف عجوز»، وقال جادًا إنها «أفكار قد تصلح للنشر ونعيش عليها زمنًا».
هنا مثلا ينتقل «محفوظ» من مرحلة الشك والإيمان المتزعزع التى عاناها كمال عبدالجواد، إلى مرحلة اليقين والتسليم الكامل لدى ذلك الكهل الحكيم، حين يقول: «قال الشيخ عبدربه التائه: الحمد لله الذى أنقذنا وجوده من العبث فى الدنيا ومن الفناء فى الآخرة».
نراه أيضًا يذكرنا بقيمة الحياة والجدوى من وجودنا فيها، فيقول: «قال الشيخ عبدربه التائه: عندما يلم الموت بالآخر، يذكرنا بأننا ما زلنا نمرح فى نعمة الحياة».
وما يميز هذه الخواطر أنها ليست قصة قصيرة بالمعنى التقليدى، وليست سيرة ذاتية كاملة، بقدر ما هى أقرب إلى ومضات روحية مستوحاة من حياته وتجربته.
الكاتب الكبير الراحل جمال الغيطانى، الذى حاوره فى تلك الفترة، نقل عنه قوله: «بعد العملية الجراحية، كانت عندى رغبة فى الكتابة ولم يكن عندى موضوع محدد، بدأت أدون بعض الخواطر، وضعت عنوانًا مبدئيًا (تأملات)، لكنى وجدت أن كثيرًا منها مستوحى من حياتى، ومع ذلك ليست سيرة».
واستغرق «محفوظ» أكثر من عامين فى كتابة هذه النصوص، التى نُشرت لاحقًا فى حلقات أسبوعية بجريدة الأهرام عام ١٩٩٤، وفيها ظهر صوت عبدربه التائه، الحكيم الذى يكتب بلغة صوفية، يروى خلاصة حياة طويلة، ويقدّم تأملات فى الزمن والوجود والإنسان، فى شخصية مجازية لا يمكن فصلها عن «محفوظ» الذى وصل حينها إلى مرحلة الحكمة بعد أن أنهكته التجربة الإنسانية والمرض.







