الجمعة 21 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

رضا البهات.. طبيب عاش مع «شيطان الأدب»

حرف

- «بشاير اليوسفى» ترصد تبدل الإنسان تحت تأثير السياسة والتحولات الاجتماعية

- مَن لم يتعرف عليه فاته كثير من متع الحياة 

- قدّم حياة العاديين والبسطاء بعيدًا عن استعراض المثقفين

فقدت الساحة الأدبية المصرية والعربية، واحدًا من أهم كتاب القصة فى جيل الثمانينيات، الكاتب الدكتور رضا البهات، إخصائى طب الأطفال، الذى كرس حياته لرفع الآلام عن الصغار خاصة من الأسر الفقيرة.

وقبل أن تظهر «موجة» الأطباء الذين يرفضون تقاضى أجر خلال الكشف على المرضى الفقراء، سن «البهات» المولود عام 1955 هذه السنة منذ عقود طويلة، حيث استقر فى قريته «ميت مزاح» بالمنصورة مقر عيادته وصومعته، وآثر أن يبقى فيها يداوى مرضاها ويبدع أعمالًا تحفظها ذاكرة الأدب المصرى.

ويرحل «البهات» ويترك خلفه أعمالًا مهمة منها «بشائر اليوسفى، وشمعة البحر، وساعة رملية تعمل بالكهرباء»، مجموعات قصصية أبرزها «طقوس بشرية، وليلة للغنا، واختار ألا يموت، وحكايات شتوية وغيرها»، بجانب عدد من قصص الأطفال كان آخر «الجميلة تتزوج الديك الشركسى».

فكيف استطاع «البهات» أن يصنع أسطورته من واقعه المحيط، ويوظف عمله فى مجال الطب لينسج كل هذه الأعمال التى تعبر عن عمق الألم النفسى الذى يصيب الإنسان؟!

استفاد «البهات» من مهنته فى طب الأطفال ليحول المآسى والخيبات والمرض والعجز والفقد والاغتراب النفسى والوجدانى والحياتى لأشكال من الفانتازيا.

وتتنوع النصوص ما بين القاتم والساطع والحلمى والكابوسى والمفرح والمؤلم فى توزيعات تقنية وفنية، وبسرد مشوق وموغل فى منعطفات إنسانية حادة وجادة تشرح الواقع الإنسانى فى قرى ونجوع ومدن مصر عبر عقود ثلاثة.

وتعكس تلك الأعمال طرق حكى «البهات» ما بين السخرية والتهكم، بل والأمل والتفاؤل والتشاؤم المقيت الصادم المؤدى لحافتى العقل والجنون والصدق والكذب، بل والمراوغة والتقليدية والبساطة فى عوالم الأسر المصرية التى تعيش فى الضيق الاجتماعى والاقتصادى.

وخلال حوار قصير سابق له مع «حرف»، قال رضا البهات: «أعيش بمفردى بعد انفصالى عن زوجتى بناءً على طلبها، مكتفيًا بمقابلة ابنى الطالب فى ليسانس الآدابــ تخرج حاليًاــ كما أننى أعكف اليوم على تبييض رواية أو نوفيلا قصيرة بعنوان (جميزة برتقانة) تتعامل مع انتقال طبيب للعمل فى الريف من مستشفى استثمارى أرى خلاله أن إنقاذ هذه الأمة، إنما يكون فى فكر المعتزلة وفى أغنياتهم مثل: رابعة العدوية وابن الفارض والسهروردى.. إلخ».

وتابع مؤلف «شمعة البحر» و«بشاير اليوسفى»، قائلًا: «أعكف أيضًا على كتابة نوفيلا جديدة حول الجدة التى لم يعد لها وجود، وهى تصحب حفيدها-أنا- لاستعادة جثة الخال. وطول الطريق تحكى له حواديت».

وأكمل: «فى هذه النوفيلا أؤكد أن الثقافة ليست فقط مستقبلنا، وأؤكد على تعريفها الذى يعنى بأنها ما يبقى فى سلوكنا بعد أن ننسى ما تعلمناه»، مواصلًا: «فيها نفس القدر من التشاؤم بمعنى أن المصريين راجعين تانى لحكاية الحواديت، بعض الحواديت من جمعى وبعضها شائع مدعومًا بقول إبراهيم أصلان لى إن (مصر حبالها طويلة)، والمعنى أننا سنرجع لمصادرنا وثقافتنا لكن ببطء «حاجة كده زى اليابانيين».

وأردف: «كل أزماتنا الأخيرة تؤكد أن مصر حدودها تاريخيًا ثابتة من حوالى ١٠ آلاف سنة، وأن الصيغة التاريخية لجمال حمدان فى (شخصية مصر) أيضًا ثابتة، وأن الحدوتة هى الجانب الثقافى لهذا الشعب، مع العلم بأن تعريف الثقافة السابق يجمع أستاذ الجامعة والفلاح مع الست البسيطة».

واختتم بسؤال: «أرى يقينًا أن الرأسمالية إلى انتهاء، وأن القادم هو نظام أكثر إنسانية. لقد كان عصر كورونا حدًا فاصلًا بين تاريخين للشعوب».

قال الدكتور أسامة شوقى، أستاذ أمراض النساء والتوليد بكلية طب قصر العينى بجامعة القاهرة، إنه عرف رضا البهات لأول مرة منذ فترة عندما قرأ له رواية «بشاير اليوسفى»، مضيفًا: «شعرت بأنه كائن من كوكب آخر».

وأضاف «شوقى»: «رضا البهات أديب نادر غير كل الأدباء الذين عرفتهم. فهو برغم دخوله عالم الكتابة والشهرة، تحسه مازال محبوسًا فى عالمه الخاص، ومحاصرًا فى زمانه المتجمد بعيدًا عن كل البشر».

وواصل: «عندما تنظر للأدباء والمبدعين فى مصر، ستجد بينهم متشابهات، يعنى العقاد وطه حسين، إبراهيم عبدالمجيد وإبراهيم أصلان، محفوظ وعبدالحليم عبدالله، يوسف إدريس أيضًا له شبيه، ولكن رضا البهات هو نكهة لوحده.. تشعر أنه يعيش لوحده، وشيطان الأدب يسكن معه يلقمه الإبداع القصصى».

وأشار إلى أن الكاتب الكبير رضا البهات يعيش فى مدينة المنصورة، جرّب العيش بالقاهرة فى شبابه، لكنه سرعان ما سئم الزحام والضوضاء والشللية الثقافية، فقرر أن يكتب لنفسه، هناك إلى جوار «دار ابن لقمان»، فاتسم مشروعه الأدبى بالخصوصية.

ورضا البهات من مواليد عام ١٩٥٥. طبيب مارس عمله إلى جانب كتابة الرواية، فأنتج «رائحة اليوسفى» ١٩٩٢، و«شمعة البحر» ٢٠٠٤، و«ساعة رملية تعمل بالكهرباء» ٢٠١٤، وله مجموعات قصصية، وكتابات للأطفال.

حصل على جائزة «ساويرس» للعام ٢٠١٦، عن رواية «ساعة رملية تعمل بالكهرباء». كما حصل على الجائزة نفسها فى القصة القصيرة عن مجموعته «حكايات شتوية»

بحسب «شوقى»، فإن «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» ليست رواية تقليدية، وإنما هى، بلغة الفن التشكيلى، جدارية حافلة بتفاصيل تتراكم وتتفاعل فى إطار يضم تنويعات من لحن واحد، وتتحول إلى مرايا تنعكس عليها تجليات شخصية الراوى بأبعادها الفكرية والعقائدية والنفسية والمزاجية.

ولذلك يعرفنا الراوى على تكوينه الثقافى من خلال قراءاته فى كتب ضمت قصصًا وروايات ودواوين شعر، إلى جانب علوم الهندسة الوراثية والفضاء، قبل أن يعرفنا على محبته لفنون الغناء، فيروز وأم كلثوم وليلى مراد وسيد درويش، وإعجابه بالموسيقى الصافية والفن البديع.

يحدثنا، أيضًا، عن مجلدات تراثية، ظن بلا جدوى أنها ستجيب عن أسئلة الوجود، وعن تعرفه على سير عظماء يشبهونه فى الفقر وتكرار الفشل، وعن كتب كانت أشبه بمعاول تجتث أشجارًا ذابلة، وعن عبارات من جوركى ونيتشه وفان جوخ، عبارات تمجد العمل وتبحث عن الصداقة والحنان وتحرض على قلقلة العقائد.

وأشار، كذلك، إلى الإمام محمد عبده والدكتور طه حسين وعبدالله النديم وأنطون تشيكوف. وأدباء من إفريقيا وأمريكا اللاتينية. وبحسب «شوقى» فإن «من لم يتعرف على رضا البهات فقد فاته كثير من متع الحياة».

أعد الشاعر سمير الأمير، وهو «بلديات» رضا البهات، دراسة نقدية عن روايتىّ «شمعة البحر» و«بشائر اليوسفى»... وفيما يلى أبرز ما جاء فيها:

عندما تقرأ رواية «شمعة البحر» ستجد أنك انفتحت على التراث الشفاهى للشعب المصرى، بل ربما تقتنع أن العمل برمته ليس سوى وسيلة لتسجيل جانب من جوانب هذا التراث الشفاهى لخفة الدم المصرية، ولكن الأمر قطعًا ليس بهذه البساطة، ذلك لأن موضوع الرواية يتجاوز هذا الافتراض إلى أعماق وأفاق بالغة الجدية.

فى الرواية، تحتل الفجيعة مساحات كبيرة تحت سطح ظاهره الضحك وباطنه البكاء، لأنك ستجد أن للنكات وظيفة فى «شمعة البحر» تماثل وظيفتها فى الحياة، ليس لكونها حلًا رخيصًا لمواقف لا بد أن تحل بطريقة أخرى، ولكن من حيث دورها المهم فى الحفاظ على إعادة إنتاج الحياة بديلًا عن إعلان الموت، ريثما تتوفر الشروط الموضوعية اللازمة للتغيير وللتقدم.

يوظفها «البهات» الفجيعة فى السياق الروائى من أجل تفجير المكبوت الجنسى والسياسى والدينى، ولتعرية الجهل والتخلف، ولتصبح أداة للتمرد ضد الأكاذيب.

لا يمكن اعتبار رواية «شمعة البحر» استكمالًا للمشروع الروائى الذى بدأه «البهات» فى «بشاير اليوسفى»، لكنها ربما تشى ببداية مشروع آخر ينأى عن الغنائية لصالح السرد.

أما «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» فهى خطوة جانبية، وليست فى الاتجاه الصحيح الذى بدأه فى «بشاير اليوسفى» واستمر فى «شمعة البحر».

إننا هنا أمام رؤية أكثر شمولًا، ففى «بشاير اليوسفى» يمسك «البهات» بلوحتين متباينتين، إحداهما تمثل العنفوان الجمعى الذى يتجلى فى تبادل ثمرات اليوسفى بأسلوب طقسى يشى بتماسك مسافرين يركبون قطارًا واحدًا ويحملون همًا واحدًا يدفعونه باكتشاف توحدهم من خلال طقس جمعى فرح.

 أما اللوحة الأخرى فتمثل صورتهم المبدلة بعد أن تتم تعريتهم من وجودهم ذاته، بسبب ما فعلته السياسة بانتصار أكتوبر العظيم، وتداعيات السفر، وبداية هبوب رمال الصحراء على الوادى الخصيب وطمس خضرته، وتشويه وجدان الشعب العريق الذى عاش محتفظًا بملامحه رغم كل غزوات الأعداء، وكأنما مستهم يد الجن وأبدلتهم أشباه مخاليق.

وسنلحظ دون عناء هوة سحيقة بين جزئىّ أو لوحتىّ الرواية، وكأنما ترك الروائى صفحات بيضاء كثيرة، كانت هى الأجدر بالكتابة لكى نعرف كيف حدث الانتقال من مرحلة اقتراب احتضان حلم التحقق إلى مرحلة الإخفاق الكامل لكل طموحات النهوض، وبمعنى أوضح كيف أصبح المبدلون مبدلين.

ولعلكم تتساءلون عن سر هذه التسمية «المبدلون»، وهى باختصار مستوحاة من كلام الفلاحات فى الريف المصرى حين يحدث تغيير مفاجئ لطفل أو لكبير يفقد عقله أو يصيبه المرض، تقول الفلاحات «الجدع اتبدل يا ولداه»، أى أصبح غيره، وأحيانًا كان إذا وقع طفل لتعثره بالعتبة ترش النساء الماء حتى لا يتم إبدال الطفل.

الإجابات التى تصلنا من رواية «شمعة البحر» ليست ردودًا مقصودة على الأسئلة التى أثارتها رواية «بشاير اليوسفى»، وبها تأمل واضح لحياة العاديين والبسطاء، مع اعتماد رؤية تبتعد عن «التثاقف» والرغبة فى استعراض المهارات البلاغية على حساب الموضوع، إلى جانب الابتعاد عن رؤية الواقع من خلال ذهنية المثقفين التى تقفز على أسئلة الواقع أو تتجاوزها وتصادرها لحساب اللغة.

يمكننا القول إن «الشيخ جلال»، وهو الشخصية المحورية فى «شمعة البحر»، قد أفلت من «الإبدال» الذى تحدث عنه الجزء الثانى من رواية «بشاير اليوسفى»، وإنه كان عصيًا على الاستلاب.

يقول «الشيخ جلال»: «إنكم جعلتم من الدنيا دى طابور كل واحد فيه بيفحش فيمن أمامه، نحن ففى أول الطابور وأنتم فى آخره»..

الإشارة هنا لا تحتاج إلى شرح وتعليق، وهى تلخيص فنى واستعارى وبليغ ومختصر لما فعلته وتفعله الرأسمالية فى العالم، وهو ما يطرح علينا سؤالًا إجابته تحتاج لمشروع بالغ الجدية والصعوبة، وهو هل كانت «بشائر اليوسفى» أو بشائر النصر استثناء أو صحوة مؤقتة؟ وهل أبدلتنا الخيارات السياسية والثقافية بعد «عبدالناصر» إلى ما نحن فيه، أم أننا كنا «مبدلين» منذ أزمنة وعهود سحيقة، قبل تسلط الجماعات المتأسلمة على الثقافة الوطنية والمثقفين الوطنيين؟ وهل يمكن الاستناد إلى هذا التحليل أم أن الأمر قد بدأ قبل ذلك بكثير؟