صديق العمر.. سعيد شيمى: أيامى مع محمد خان
- عمل فى مهن عديدة بلندن للإنفاق على نفسه من بينها بيع البنطلونات «الجينز»
- رفض طلب سعاد حسنى بمشاهدة «موعد على العشاء» فى غرفة المونتاج
- له فيلم مجهول فى المالديف باسم «يوسف وز ينب»
رغم أن المخرج الكبير محمد خان «26 أكتوبر- 1942 - 26 يوليو 2016» حقق نجاحًا جماهيريًا ونقديًا كبيرًا من خلال فيلمه الأول «ضربة شمس»، إنتاج عام 1978، ثم فيلمه الثانى «الرغبة» عام 1979، فإن كثيرين لا يعرفون أن العام التالى مباشرة 1980 شهد قيامه بإخراج وكتابة قصة فيلم بعنوان «الثأر».
فى فيلم «الثأر» يُهدى صناعه، وعلى رأسهم محمد خان، الذى اشتهر بشغفه بشوارع القاهرة، خاصة «وسط البلد»، العمل إلى العاصمة المصرية، قائلين: «إلى مدينة القاهرة وسكانها الذين لولاهم لما تحقق هذا الفيلم».
الفيلم كان من تأليف وإخراج محمد خان، وكتب السيناريو والحوار الخاص به فايز غالى، وصوّره رفيق الطفولة والصبا وشغفه بالفن السابع، مدير التصوير الكبير سعيد شيمى، الذى جمعت الصداقة والجيرة أسرتيهما فى حى عابدين.
كما أن والديهما تجاورا فى محل العمل أيضًا. فعيادة والد سعيد شيمى كانت تقع فى نفس العقار الذى افتتح به والد «خان» مكتبًا لاستيراد الشاى من الهند وسيلان، وتوريده للتجار فى منطقة العتبة.
عشق السينما نما وكبر فى وجدان الطفلين، ثم الصبيين فالشابين: «خان/ شيمى»، ولم يفرقهما إلا الموت. غير أن «شيمى»، وفاءً لذكرى صديقه رفيق رحلته، لا يكتفى باستدعاء ذكرياته مع «خان» فى ذكرى ميلاده ورحيله فقط، بل يتذكره دومًا، مشاركًا ألبوم ذكرياته وصوره معه، منذ الطفولة، مرورًا بعمر من الفن والسينما، وصولًا إلى اللحظة التى وارى فيها «شيمى» جسد جثمان «خان» لمرقده الأخير.
فى الحوار التالى مع «حرف»، يفتح «شيمى» خزائن الذكريات عن صداقة العمر مع «خان»، وخبايا العمر بينهما، وسر القطيعة بين سعيد شيمى ورأفت الميهى، التى دامت 10 سنوات، ودور «خان» فيها.

■ رغم أن عشاق محمد خان يعرفون أفلامه عن ظهر قلب.. فإن الكثيرين فوجئوا بأن فيلم «الثأر» من إخراجه.. ما قصة الفيلم وكواليسه؟
- صداقتى بـ«محمد خان» لا تحتاج إلى تعريف، فقد تربينا سويًا رغم أن أبيه ليس مصريًا، فقد كان باكستانيًا، يستورد الشاى ويوزعه على تجاره. وعندما تولت الدولة تجارة الشاى لم يعد لديه عمل فسافر إلى لندن، حيث عاش «خان» ودرس السينما.
أول فيلم أخرجه بعد العودة كان «ضربة شمس»، الذى كان جديدًا على السينما المصرية، وأغلب مشاهده كانت مصورة فى الأماكن الحقيقية، وسط القاهرة وشوارعها، لذا حقق نجاحًا كبيرًا.
بعد هذا الفيلم ظل محمد خان فى البيت بلا عمل، لأن السينما المصرية تصنف الممثلين والمخرجين إلى ممثلين ومخرجين «أكشن» أو «رومانسى»، وهكذا اعتبروه «مخرج أكشن»، رغم أن رفيق الصبان كتب مقالًا وقتها وصف فيه «ضربة شمس» بأنه من «الأفلام الرومانسية الجديدة».

فى تلك الفترة كان رأفت الميهى صديقنا قد قرر أن يبدأ أول أفلامه، وكان اسمه «عيون لا تنام»، بطولة أحمد زكى وفريد شوقى ومديحة كامل، وتم التعاقد معى على تصوير ذلك الفيلم حينها، وبينما كنا على مسافة أسبوع ونبدأ فى التصوير، جاء محمد خان إلى منزلى، وقال لى إنه تعاقد مع محمود ياسين لإخراج فيلم «الثأر»، وسنبدأ بعد أسبوع.. كان الفيلم عن قصة كتبها محمد خان، لكنه لم يكتب السيناريو والحوار.
تناقشت معه وأبلغته بأننى تعاقدت بالفعل مع رأفت الميهى على تصوير «عيون لا تنام»، فطلب منى الاعتذار له، وإبلاغه بأننى سأصور فيلم «الثأر»، قبل أن يقول لى: «الفيلم يصور كله فى الشوارع، فمن يصوره غيرك؟!».
حينها لم أكن أستطيع رد طلب له، خاصة أننى أردته أن يعمل ويصور أفلامًا، فاعتذرت لرأفت الميهى عن عدم تصوير فيلمه، وبالتأكيد «زعل» منى جدًا، قبل أن نبدأ بالفعل فى تصوير فيلم محمد خان.

■ ما الذى حدث بعد بدء تصوير الفيلم؟
- سادت شائعات تقول إن سعيد شيمى سيترك أى مخرج ليعمل فقط مع صديقه محمد خان، مع العلم بأن هذا لم يكن حقيقيًا على الإطلاق. فى تلك الفترة صورت مع «خان» ٦ أفلام، بينما أعماله وصلت إلى ٢١ فيلمًا. فى تلك الفترة صورت معه فيلم «الحريف»، وقلت له بعدها: «لا ينبغى أن نعمل معًا مرة أخرى، خاصة أنك أصبحت مخرجًا محترفًا الآن، وحتى لا تظل الشائعات تطاردنى، ويقولون إن سعيد شيمى لا يعمل إلا مع محمد خان».
بالفعل توقفنا عن العمل سويًا، لكن حافظنا على صداقتنا وتمسكنا بها. كنا نخرج ونظهر سويًا لكن لا نعمل معًا؛ حتى تساءل الناس حينها عن السبب وراء عدم عملنا فى الأفلام سويًا رغم أننا ما زلنا صديقين.

ظل رأفت الميهى «زعلان» منى طوال ١٠ سنوات، لأننى اعتذرت له عن عدم تصوير فيلمه الأول «عيون لا تنام» عندما طلب منى تصويره، خاصة أنه كان يريد مصورًا محترفًا حينها. لكن فيما بعد عادت علاقتنا طبيعية، ودرّس لى فى أكاديميته التى كانت فى استديو جلال.
فى كل الأحوال، لا أنسى فيلم «الثأر»، الذى ما زال يمثل بالنسبة لى له ذكرى قوية، خاصة فيما يتعلق بالخصام بينى وبين رأفت الميهى، وتركى تصوير فيلمه الأول لأعمل مع محمد خان.

■ بحكم التاريخ المشترك والعشرة والعمر الطويل بينك وبين محمد خان.. ما سر شغفه بالتصوير فى الشوارع.. خاصة شوارع القاهرة؟
- شغف محمد خان بتصوير الأفلام فى الشوارع، وتحديدًا شوارع وسط القاهرة، يعود إلى شغفه بتصوير الواقع، ورغبته فى تصوير الحقيقة، وأن يكون صادقًا على الشاشة، خاصة أن التصوير فى الأماكن الحقيقية يعطى انطباعًا بالصدق.
هذا لم يكن مقتصرًا على محمد خان فقط، بل شمل أيضًا رأفت الميهى وعاطف الطيب، فكلهم أحبوا التصوير فى الأماكن الحقيقية، وهو أمر صعب للغاية. أول من كسر حدة وصعوبة التصوير فى الشوارع والأماكن الحقيقية كنت أنا، مستفيدًا من كونى فى الأساس مصورًا للأفلام التسجيلية.
أنا جئت من السينما التسجيلية. وآخر ٨ أو ٩ جوائز حصلت عليها كانت عن أفلام تسجيلية، وصنعت مع «خان» فيلمًا قصيرًا بعنوان «البطيخة»، فى عام ١٩٧٢ على وجه التحديد، تم تصوير كل مشاهده بالكامل فى الشارع، وكان من إنتاج شركة أسستها مع زوجتى لإنتاج الأفلام التسجيلية بمشاركة أحمد متولى وأحمد راشد.

كل من عمل فى هذا الفيلم كان متطوعًا، لم نتكلف إلا الخام فقط، بينما الأدوات والأماكن كانت فى بيوت أصدقائنا ومعارفنا. أهمية هذا الفيلم تكمن فى أنه يحوى خلاصة فكر محمد خان فى السيناريو أو الإخراج.
كان لدى «تكنيك» خاص للتصوير فى الشارع، شرحته فى أحد كتبى، ويقوم على أن أختبئ وأخبئ الممثلين أثناء التصوير، حتى لا ينتبه المارة إلى وجود الكاميرا من الأساس فيظهر المشهد طبيعيًا.
فى هذه الطريقة لم نكن نستطيع إعادة المشهد من جديد، لأنه حال إعادة المشهد فى نفس المكان، ينتبه المارة حينها ويتجمعون حول الممثلين والتصوير.
لذا، كل المشاهد التى صورناها فى الشوارع كانت تصور مرة واحدة «وان شوت». مثلًا فى فيلم «البرىء»، عندما كان أحمد زكى يتشاجر مع الناس فى محطة رمسيس، وبرفقته إلهام شاهين، هذا المشهد صورناه مرة واحدة.

■ لمحمد خان فيلم آخر مجهول لدى عشاقه ومريديه.. هو فيلم «يوسف وزينب».. فما حكايته؟
- فى مكتب والد محمد خان كانت تجتمع جالية جنوب شرق آسيا كلها، ومن بينهم مأمون عبد القيوم، أول رئيس لجزر المالديف، الذى كان وقتها يدرس فى الأزهر، وكان يعرف عن «خان» هوسه بالسينما فعرض عليه أن يصور فيلمًا فى الجزر.
بالفعل، سافر محمد خان مصطحبًا معه رءوف توفيق وسامى السلامونى كصحفيين، وأخرج الفيلم، الذى لا يعد من أقوى أفلامه، لأن حكايته غير صادقة عن مدرس يسافر لهذه الجزر، ويقع فى حب فتاة من سكانها.

■ من دراسة الهندسة إلى واحد من أبرز صناع الواقعية الجديدة فى السينما المصرية.. كيف مر رفيقك محمد خان بهذه الرحلة؟
- سافر محمد خان إلى لندن لدراسة الهندسة، فى ١٩٥٩، حيث احتك هناك بالسينما، وبدأ يشاهد أفلامًا من كل الدنيا. وأخبرنى فى خطاباته العديدة «نشرها شيمى فى كتاب من ٣ أجزاء» برغبته فى دراسة الإخراج، وتصادف أن معهد السينما فى مصر اُفتتح فى نفس العام، وكانت هذه مفاجأة بالنسبة لى أيضًا، فرغم عشقنا للسينما لم نكن نعرف أنها تُدرَّس.

فى هذه الأثناء، التحق «خان» بدراسات ليلية لدراسة السينما، فلما كانت الأمور المادية لوالده آخذة فى التدهور، وأصيب بمرض فى القلب، وهو نفس المرض الذى مات على إثره محمد خان، اضطر الشاب للعمل نهارًا فى العديد من المهن للإنفاق على نفسه فى لندن، ومن بين هذه الأعمال بيع البنطلونات «الجينز».
كنا نتبادل الخطابات، ونتناقش فيها وكأننا موجودان معًا. يحكى لى عن الأفلام التى شاهدها فى لندن، وبدورى أخبره عن الأفلام المصرية الجديدة التى تُعرَض، وأخبار السينما فى مصر بوجه عام، ويرسل لى مقالات أحاول أن أنشرها له.
استمرت المراسلات بيننا على هذا النحو حتى عام ١٩٦٢، عندما صدرت القوانين الاشتراكية، وبعدها بعام أممت الدولة صناعة السينما وأنشأت شركة «فيلمتاج»، وكذلك شركة «كوبرو فيلم» التى كان يرأسها صلاح أبوسيف.
نشرت «فيلمتاج» إعلانًا فى جريدة «الأهرام» عن رغبتها فى شباب سينمائى مصرى، فأخذت الإعلان وأرسلته إلى «خان» فى لندن بخطاب مسجل، وبدوره أرسل «خان» أوراقه وقصصًا من تأليفه للشركة فى مصر.

■ هل عمل فى الشركة إذن؟
- بعد شهرين ردوا عليه بأنه ليس لديهم ما يمنع من توظيفه شريطة أن يعود من لندن على نفقته الشخصية.
فرح «خان» للغاية بموافقة الشركة، إذ كان يعانى وقتها من «نوستالجيا مصر»، وكان لديه حنين لجذوره وطفولته، وساعد في هذا كونه ولدًا وحيدًا لم يعرف حتى أهل والده ولم يرهم يومًا.
عاد محمد خان من لندن، وعُيّن فى لجنة قراءة السيناريوهات والموضوعات بشركة «فيلمتاج»، وكان زملاؤه فى الشركة: رأفت الميهى ومصطفى محرم وهاشم النحاس وأحمد راشد وحورية حبشى وفاروق سعيد وعايدة الشريف.
استمر «خان» فى العمل بهذه الشركة حتى وصلته أخبار عن اشتداد مرض والده، فأخذ إجازة ليعود إلى لندن، وهناك وجد الأمور سيئة جدًا، فعاد للعمل فى الصباح والمساء. وإن كانت هذه المهن التى عمل بها قد منحته خبرة كبيرة فى الحياة، انعكست على أفلامه فيما بعد.

وبعد أن اطمأن محمد خان على والده قرر العودة إلى مصر، لكن للأسف كان قد صدر قانون جديد يمنع الأجنبى من العمل فى مؤسسة حكومية إلا إذا كان خبيرًا، ووقتها كان «خان» صغير السن، وبالتالى أخبره صلاح أبوسيف بأن الشئون القانونية لا تستطيع إعادته للشركة.
شعر محمد خان بأنها رسالة من الله ألا يكمل فى طريق السينما التى يحبها، لكن صلاح أبوسيف نصحه بالسفر إلى لبنان، التى سافر إليها العديد من المصريين وقتها، وبدأوا فى إنشاء صناعة سينمائية هناك.
بالفعل، عمل «خان» بنصيحة المخرج المخضرم وسافر، وهناك بدأ العمل فى مهن سينمائية غير الإخراج، ووصل به الحال إلى أنه لم يكن يملك نقودًا ليأكل، فأرسل له والده تذكرة عودة إلى لندن.

■ كنت شاهدًا على علاقة الثنائى أحمد زكى ومحمد خان وما اعتراها من تحولات.. ما سر الشد والجذب فى هذه العلاقة؟
- كان محمد خان يعتز بشغله جدًا، وكذلك أحمد زكى، لكن كان هناك صدام لم يظهر فى بداية عملهما معًا، وظهر عندما اختلفت وجهات النظر بينهما، وكل منهما تشبث برأيه، حتى إنهما وصلا فى فيلم «هند وكاميليا» للاشتباك بالأيدى.

من جولات هذا الخلاف بالطبع فيلم «الحريف»، الذى ذهب إلى عادل إمام بعد اختلاف «خان» مع «زكى» على قَصة الشعر المناسبة للبطل «فارس». لكن «عادل» ظهر بشكله العادى فى النهاية ولم يغير فى قَصة شعره.
«خان» كان لا يقبل أن يفرض عليه أحد شيئًا. فى فيلم «موعد على العشاء»مثلًا أرادت سعاد حسنى أن تشاهد الفيلم فى غرفة المونتاج، فمنعها وقال لنادية شكرى: «متدخلش من باب الأوضة».







