الخميس 09 يوليو 2026
المحرر العام
محمد الباز

صدمات روائى شجاع.. محمد إبراهيم طه: 400 مثقف إخوانى يعملون فى الخفاء لهدم الثقافة المصرية

حرف

- لا يمكن فصل «نظام الطيبات» و«أزمة مستشفى الشاطبى» عن «دعشنة الثقافة»

- «دواعش الثقافة»أصحاب خطاب عنيف يتبنى أفكارًا متطرفة

- ناقد إخوانى يدير منتدى ثقافيًا كل همه استضافة الفنانات التائبات 

- المجموعة القصصية التى ناقشتها فى الأمسية الأخيرة كلها عنف وتحريض عليه

- الثقافة مُخترقة من «الدواعش» و«الإخوان».. والرهان على الوعى

- من 15 إلى 20 ناقدًا وأستاذًا جامعيًا منتشرين يروجون لـ«الكتابات الداعشية»

- «الإخوان المتنكرون» حلقة الوصل بين المواقع الثقافية و«دواعش الثقافة

- الدواعش يريدون هدم ثوابت الوطن بدءًا من نجيب محفوظ وانتهاءً بكل رموز الثقافة

قبل أيام، تحديدًا يوم الجمعة الماضى، وعلى إثر مشاركته فى مناقشة مجموعة قصصية بنادى أدب مصر الجديدة، وعبر حسابه الشخصى بـ«الفيسبوك»، كشف الكاتب الروائى د. محمد إبراهيم طه، عن اختراق ما وصفهم بـ«دواعش الثقافة» بكل ألوانهم وأطيافهم من سلفيين جهاديين وإخوان وغيرهم من الفصيل اليمينى المتأسلم، للساحة الثقافية المصرية.

وأطلق «طه» صيحة تحذيرية/ تنبيهية لهذا الاختراق والذى يراه بأنه ليس مصادفة أن يأتى بالتزامن مع ذكرى ثورة 30 يونيو 2013، ولا مصادفة أن يتزامن أيضًا مع ضجيج «الطيبات» ومستشفى الشاطبى الجامعى.

وخلال تلك المناقشة، انتقد «طه» الضعف الفنى للمجموعة القصصية، ونشر عددًا من صفحات إحدى قصصها وقال إنها لا ترقى إلى مستوى موضوع تعبير لطالب بالصف الابتدائى، مفندًا العبارات والشعارات المعلبة الجاهزة الواردة فيها، مصنفًا المجموعة بأنها ضمن «موجة الدعشنة الثقافية».

فى حواره مع «حرف» يفجر محمد إبراهيم طه، العديد من الوقائع الصادمة عن قائمة تضم 400 مثقف، يقول إنهم انشقوا عن صف الجماعة الثقافية المصرية ودعموا وزير الثقافة الإخوانى، وعادوا الآن مستهدفين اختراق المشهد الثقافى المصرى وإعادته للقرون الوسطى.

■ قبل أيام وإثر مشاركتك فى أمسية ثقافية قلت: «دواعش الثقافة قادمون»، ما القصة؟

- القصة لا تعود إلى هذه الأمسية، بل تعود إلى ثلاثة عقود أو يزيد لمن يرصد المشهد الثقافى، وما حدث فى الأمسية كان ذروة القصة التى جعلتنى أطلق هذه الصيحة، فقد اكتشفت أنهم يعملون بقوة محمومة على الوجود فى الحياة الثقافية، ليس حبًا فى الثقافة ولا فى الأدب، فما يكتبونه لا يستحق القراءة ولا صلة له بفن الكتابة، بل وجدتهم يضمرون عداءً للثقافة المصرية أشرس مما كان يطمح إليه الإخوان إبان حكمهم من «أخونة الثقافة»، هم يريدون المزيد، هدم الهوية الثقافية المصرية واستبدالها بأخرى أقل ما توصف به أنها متطرفة وتنطوى على عنف وفاشية تعود إلى العصور الوسطى، والعودة أقوى وأعنف وأكثر تطرفًا، فبداخلهم عداء شديد بعد إزاحة حكم الإخوان فى ٢٠١٣، لقد وعوا الدرس، وفيما ظن الناس أنهم انتهوا على المستوى السياسى والأمنى، فإنهم تلافوا أخطاءهم السابقة متعمدين التوغل داخل الوسط ومؤسسين لمنتديات ثقافية ظاهرها المشاركة فى إنتاج الثقافة والأدب ومتابعة الإبداع والنقد، بينما باطنها ينطوى على معاول هدم ثوابت الثقافة والإبداع الذى لفظهم.

■ لماذا لم يكونوا ظاهرين قبل ٢٥ يناير؟

- لم يكن لدى الإخوان قبل ٢٥ يناير اهتمام بالثقافة ولا بالأدب ولا بالفنون، ولم يكن لهم كوادر ثقافية أو فنية تتولى إدارة الثقافة بشكل لا يثير حفيظة المثقفين، اكتشفوا ذلك بعد وصولهم إلى الحكم، فتلألأ أمامهم حلم أخونة الفنون والآداب، وكانت المعضلة أمام هذا الحلم عدم وجود كوادر، ولم يكن أمامهم سوى علاء عبدالعزيز ليسندوا إليه وزارة الثقافة، شخص مجهول لا توجد له مشاركة واحدة فى الحقل الثقافى، وليس له سوى كتابين مطبوعين فى سوريا، أحدهما رسالته للماجستير والآخر للدكتوراة من أكاديمية الفنون، ومقال يتيم يهاجم فيه الثقافة والمثقفين، هذا المقال البائس كان كفيلًا بتسليمه وزارة الثقافة، وهو الوزير الكارثى الذى تعجل أخونة الثقافة، فأطاح بالدكتور أحمد مجاهد رئيس الهيئة العامة للكتاب، وبإيناس عبدالدايم رئيس دار الأوبرا، وعدد من قيادات وزارة الثقافة وأتى بآخرين محسوبين على الإخوان، ولا تنس مجيئهم بمجدى العفيفى رئيسًا لتحرير أخبار الأدب، الذى تبنى غسيل سمعة الإخوان وتقديم أفكارهم، وتوالت على صفحات الغلاف صورة خيرت الشاطر وحسن البنا ومحمد مرسى.

ولا تنس ما حدث من مناوشات فى عهد مبارك قبل ٢٥ يناير من أعضاء فى جماعة الإخوان المحظورة تسللت إلى مجلس الشعب تحت لافتة مستقلين وتربصوا بالثقافة المصرية بطلبات إحاطة واستجوابات لوزير الثقافة فاروق حسنى حول رواية «وليمة لأعشاب البحر» للروائى السورى حيدر حيدر بحجة الإساءة إلى القرآن.

ثم زوبعة الروايات الثلاث: «أحلام محرمة» لمحمود حامد، و«أبناء الخطأ الرومانسى» لياسر شعبان، و«قبل وبعد» لتوفيق عبدالرحمن بحجة «خدش الحياء العام»، وبعد ركوبهم ثورة ٢٥ يناير ووصولهم إلى الحكم فى ٢٠١٢، بدأوا الأخونة فكان اعتصام المثقفين ضد وزير الثقافة الشرارة الأولى لثورة ٣٠ يونيو وإزاحة حكم الإخوان وهو الأمر الذى يؤلمهم حتى الآن، ويجعلهم يريدون العودة وفى أيديهم كل معاول الهدم، وبداخلهم غضب ورغبة فى الانتقام.

ولأن غطاءهم أعنف وأقوى من الأول، وقد وعوا الدرس جيدًا، ارتفع سقفهم فلم تعد أخونة الثقافة بل دعشنة الثقافة والفضاء العام كله، وذلك هو ما دفعنى لقول: «دواعش الثقافة قادمون»، وليس «الإخوان قادمون»، لأن الإخوان الذين كانوا يقدمون أنفسهم على أنهم الفصيل المتعقل من التيار الإسلامى والمؤهل للحكم صار إرهابيًا، لأن فصائله المسلحة مارست العنف والإرهاب ضد المصريين، فلم يعد هناك خطوط فاصلة بين أطياف التيار الإسلامى، لم يدينوا العنف، فأصبحت الداعشية غطاءً ملائمًا للتيار الإسلامى بجميع أطيافه: السلفى والجهادى والإخوانى والمتعاطفون معهم.

■ استخدمت مصطلح «الدواعش» لوصف بعض الكُتاب، فما المعايير التى استندت إليها فى هذا الوصف؟

- أثناء اعتصام وزارة الثقافة الذى استمر لأكثر من شهر، وارتفع سقفه من المطالبة بإقالة وزير الثقافة إلى الإطاحة بحكم الإخوان كله، خرجت جماعة من المثقفين المنتمين إلى هذا التيار على إجماع المثقفين، وطالبت ببقاء وزير الثقافة الإخوانى فى بيان وقع عليه ما يقرب من ٤٠٠ مثقف، يذكرنا «فيسبوك» كل عام وفى مثل هذا الوقت بهذا البيان، ليتأكد لنا أنه بيان كاشف، يوضح لك بالاسم كل أديب كان إخوانيًا أو متعاطفًا مع الإخوان.

الغريب أن هؤلاء ما زالوا يمارسون الكتابة وما زالوا يتحركون فى الحياة الثقافية، ولا يشعرون بالخجل أو يغيرون موقفهم، بل ما زالوا يضمرون الغضب والنقمة على الثقافة، ويخفون ما يؤمنون به، وقد ظلوا كذلك بعد ثورة يونيو ٢٠١٣، لكنهم الآن نظموا أنفسهم ورفعوا سقف مطالبهم من أخونة الثقافة إلى هدم ثوابتها بدءًا من نجيب محفوظ الذين طعنوه فى رقبته، وكان برنامج أحدهم فى انتخابات مجلس الشعب بالإسكندرية أثناء حكم الإخوان للناخبين بأنه لو نجح سيجمع كل كتب نجيب محفوظ فى ميدان عام ويحرقها، ويحطم التماثيل أو يغطيها، والحمد لله أنه لم ينجح، لكن دواعش المثقفين يسعون علنًا لهدم كل رموز الثقافة المصرية.

■ هل تتحدث عن انتماء تنظيمى أم عن تبنى خطاب وأفكار تراها قريبة من الفكر الداعشى؟

- أتحدث عن خطاب عنيف ومتطرف يتبنى أفكارًا داعشية مباشرة دون إضفاء أى تجميل عليها، والغريب أن المراقب لهذا التحرك المنظم وهذا الاختراق الداعشى للثقافة يتم بشكل منظم وله من ينظر له ومن يدعمه، ومن يفتح أبواب المواقع الثقافية أمامه، ومن يوفر لهم هذا الحضور الكثيف كأنما بالأمر، يحشدون لهذه الندوات لمؤازرة كاتب أقل ما يوصف بأنه «تافه»، وما يكتبه لا يمت إلى الأدب بصلة، هذا التحرك المنظم يتجاوز فى رأيى فكرة أنه تلقائى، ويؤكد فكرة الحشد، وفكرة المؤازرة، وهى فكرة لا تبتعد كثيرًا عن وجود تنظيم، ولجان إلكترونية.

■ كيف يمكننا فرزهم واكتشافهم؟

- هم المثقفون من ذوى التوجهات الأصولية، جهاديون وسلفيون وإخوان، أو متعاطفون معهم. هذه التقسيمات شكلية، بينما فى الحقيقة كلها تصنيفات مفتوحة على بعضها، وليست هناك أى حدود فاصلة بينها، ولا خلافات فكرية ولا عقائدية، الأساس واحد، والتنوع الذى تراه شكليًا فقط. يشغلونك بالفروق بين هذه التنظيمات، لكنها للمدقق فروق وهمية، وثمة تحايل على هذه التصنيفات، وتوزيع جيد لأدوار، حيث كل عضو فى هذه المنظومة يعرف دوره فى الساحة الأدبية، ويتلقى تعليماته وينفذها كما ينبغى.

■ ما المؤشرات التى تجعلك تقول إن «الدواعش قادمون إلى الوسط الثقافى»؟

- لا يمكن قراءة المشهد بمعزل عن اقتراب ٣٠ يونيو، وزوبعة «نظام الطيبات»، الذى يحاول هدم تقدم طبى عمره يتجاوز ١٠٠ عام من الرسوخ العلمى، وانقسام المجتمع حول هذا المشروع الخائب، الذى يقوده طبيب أكاديمى مختل لمجرد أنه يستند فى تفسيره على آية أو نص دينى.

إنها زوبعة مفتعلة يقف خلفها هذا القطيع، ولا يمكن فصله عن أزمة مستشفى «الشاطبى» الجامعى، التى انتشرت كالنار فى الهشيم، وتحولت إلى كرة لهب تهدد كل الخدمات الطبية الحكومية، وتطالب بمنع أطباء النساء الرجال من ممارسة المهنة، والاقتصار فى الكشف والتوليد على طبيبات، ثم اقتصار الكشف على المرأة فى أى تخصص على الطبيبات، والرجال على الرجال، تمهيدًا للفصل فى المدارس والجامعات بين البنين والبنات. نعم لا يمكن فهم «دعشنة الثقافة» بمعزل عن «الردة الثقافية» التى يعيدنا إليها «المثقفون الدواعش».

■ هل لديك شواهد محددة على وجود من يروّج لهذا النوع من الكتابة داخل الوسط الثقافى؟

- يمكن أن أعدد لك من ١٥ إلى ٢٠ ناقدًا وأستاذًا جامعيًا ينتشرون فى الساحة الأدبية ويدعمون هذه الكتابة مهما كانت رداءتها، ويمنحونها صك الاعتراف. وهناك عدد من المنتديات الممثلة لهذا الاتجاه منتشرة فى القاهرة والإسكندرية وطنطا ودمياط، وعدد من دور النشر بنفس المواصفات.

كما يتم التنسيق بين «دواعش» الثقافة فى مصر وآخرين خارج البلاد، بحيث يتم التنسيق والترابط بينهم دوليًا، والترشح لجوائز، أو للعمل فى دور نشر والإشراف عى مطبوعاتها. وهم منظمون جدًا فى هذه المسائل.

■ كيف يمكن للمؤسسات الثقافية أن تتعامل مع هذه الظاهرة دون مصادرة حرية التعبير؟

- بالمواجهة والمناقشة والتوعية، والإعلاء من شأن الأدب الحقيقى، ووصول الجوائز إلى من يستحقها من الأدباء الذين يعلون من قيم التسامح والتعايش ويقفون حائطًا صلدًا أمام كل محاولات الترهيب والتكفير.

■ هل تعتقد أن الوسط الثقافى يدرك خطورة ما تشير إليه، أم أنه يتعامل معه باعتباره مجرد اختلاف فى الرأى؟

- أخشى أن يتساهل الوسط الثقافى فى أخذ موقف من هذا الزحف، معتقدًا أنه لن يحدث اختراق، ساعتها قد يصحو على فاجعة كبرى ما لم ينتبه ويعالج هذا الخلل.

■ قلت إنهم يعتبرون سيد قطب «أكبر ناقد أدبى فى مصر».. كيف استقبلت ذلك؟ وهل تعتقد أن استدعاء سيد قطب هنا يحمل بعدًا أدبيًا أم أيديولوجيًا؟

- أن يذكر ذلك على منصة بها ٣ نقاد فهذه غوغائية. سيد قطب نفسه ترك النقد خلفه واتجه إلى مشروعه التكفيرى، وهؤلاء قطيع غوغائى لا يرى فى تاريخ القصة المصرية أى قيمة، ويقف أغلبهم فى الكتابة عند مصطفى صادق الرافعى، ومصطفى لطفى المنفلوطى. لا يرون من الأدب سوى جزالة اللغة والخطابية، والسجع والطنطنة.

من يذكرون سيد قطب ويعمون عن أعلام النقد: لويس عوض وشكرى عياد ومحمد مندور ومصطفى ناصف وجابر عصفور وصلاح فضل، لم يقرأوا قصة ليحيى الطاهر عبدالله ولا يوسف إدريس ولا إبرهيم أصلان ولا سعيد الكفراوى ولا صبرى موسى ولا علاء الديب.

إنهم ومن يمثلونه من التشدد لم تغسل أيديهم من دم فرج فودة، ولا أدان أحدهم طعن نجيب محفوظ. ومع ذلك يريدون القفز على هؤلاء بهذا الهراء الذى يكتبونه. إنهم يجاهدون للبقاء فى ظلمة العصور الوسطى.

■ هل ترى أن المشهد الثقافى المصرى يواجه بالفعل محاولات لاختراقه من قبل أصحاب الفكر المتشدد إذن؟

- المشهد الثقافى مُخترق بالفعل، والرهان فى إيقاف هذا الزحف «الداعشى» على وعى الكتاب والمثقفين بخطورة هذا الأمر، إلى جانب وعى الضمير الثقافى العام.

■ تؤكد أنك لا تحاكم النصوص وفق عقيدة أصحابها، فما المعايير النقدية التى اعتمدت عليها فى تقييم المجموعة القصصية محل الجدل؟

- إنها معايير الفن التى تراعى تقنيات الكتابة التى ترسخت على مدار ما يزيد على قرن كامل من الكتابة القصصية، أنا لا أقدم تعريفًا معينًا للقصة ولا قالبًا فنيًا ألزم به الكاتب، فللكاتب كل الحرية فى الكتابة شريطة أن يكون النص أدبًا به ملامح الكتابة الجيدة والناضجة المتعارف عليها.

■ ما أبرز المآخذ الفنية التى وجدتها فى نصوص المجموعة القصصية التى كنت مدعوًا لمناقشتها فأطلقت صيحة «دواعش الثقافة قادمون»؟

- المجموعة لم تترك مأخذًا أو عيبًا إلا ووضعته فى الكتابة: المباشرة، والصوت العالى والوصف المفرط والمبالغ فيه وغياب الحركة فى قصص تعتمد على الحكاية، والوعظ والانتقام من أبطال القصص، والإسقاط على واقع بشكل سخيف، ومسف، والإفراط فى الاقتباس من أبيات الشعر العربى والنصوص القرآنية بما لا يتحمله أى عمل فنى، والاعتماد على جرس اللغة وألفاظها العربية الغريبة التى تميل بالأسلوب نحو الدينى والوعظى.

■ لماذا وصفت هذه المجموعة بأنها «لا تمت إلى الفن بصلة»؟

- لأنها تسعة نصوص، اثنان منها عن توبة ممثل وتوبة مرتشٍ ومتسلق، وثالثة عن ضابط يعذب المعتقلين لأكثر من ثلاثين عامًا ثم يموت فى نهاية النص مشلولًا إثر دعوة من أم أحد ضحاياه، وآخر عن ضابط شاب «جيش أو شرطة لا أذكر» يطلق النار من مسدسه على عروسه فى حفل الزفاف التى هى ابنة لواء، وأخرى عن فتاة اغتصبت فأصابتها العقد النفسية من الرجال حتى دخلت مستشفى الأمراض العقلية بسبب هذه الهواجس والكوابيس التى تدفعها فى نهاية القصة لأن تستل سكينًا وتقتل طبيبًا جاء لمناظرتها لمجرد أنه رجل.

كل النصوص بلا استثناء وصف ثابت لشخصية القصة ويمتد الوصف فى كل القصص إلى ١٠ صفحات على الأقل، ويتكرر دون أى حركة فى الأحداث أو تقدم، ثم ينهى القصص هذه النهايات الخائبة فى آخر صفحة، هذه نصوص لا ترقى إلى الخاطرة ولا ترقى إلى المقالة، هى كتابة تعليمية، تفتقد إلى أبسط قواعد الكتابة، وهذا ما يجعلنى أجزم بأن هذا الكاتب لا يتعلم، فلديه ١٥ كتابًا قبل هذه المجموعة، كما أنها ليست المجموعة الأولى له بل هى الرابعة، وأجزم بأن هذا الشخص لن يتعلم، ونشرت على صفحتى ١١ صفحة من قصة واحدة للقارئ الكريم كى يقرأ بنفسه هذا الهراء، الذى نال استحسانًا كبيرًا فى منتديات إخوانية، وعلى لسان نقاد يدعمون مثل هذا الهراء، وهم أساتذة جامعيون ونقاد وصحفيون غلب عليهم توجههم الداعشى أن يخالفوا ضميرهم ويضللوا القارئ بهذا السخف.

العمل محض هراء جعلنى أتساءل كيف نوقش سابقًا فى منتدى إخوانى يتزعمه أستاذ جامعى وناقد كل همه أن يحتفل فى الندوات الأدبية بفنانات تائبات، وإعلاميات متقاعدات أو زالت عنهن الأضواء، وكل حضور المنتدى لا تعرف منهم أحدًا فى مجال الأدب، لا يجمعهم سوى الانتماء لذلك التيار الذى يحرص رئيس المنتدى على الترويج بأنه المنتدى المدنى الأول للسرد فى مصر، ويفتتح له فروعًا فى الإسكندرية ويخطط لفروع أخرى.

هذا الناقد الذى خان مهنته كناقد وأكاديمى ليعظم من شأن هذا العمل بشكل دفع كاتبه الفاشل إلى مزيد من الانتفاخ والبارانويا، وكل هم صاحب المنتدى التباهى بجماهيرية المنتدى وبانتصاره على مؤسسات الثقافة البيروقراطية باجتذاب بعض الكاتبات السافرات لمناقشتهن عنده لمجرد إبعاد شبهة الداعشية عنه، لكنه بلا شك حين يحتفى بكتابات محرضة على العنف تفتقر إلى أدنى درجات الفن، يعرف أنه يلغم الحياة الأدبية تمهيدًا للاستحواذ عليها، وهذا أمر لا يخفى علىّ ككاتب ومبدع أمضى أربعين سنة من حياته فى كتابة القصة والرواية وفى قلب الحياة الثقافية.

■ ذكرت أنك لا تمانع فى الإشادة بعمل أدبى متميز حتى لو كان كاتبه متطرفًا، هل لديك أمثلة تؤكد هذا المبدأ؟

- معروف عنى أننى أنتصر للفن لا للأيديولوجيا، قرأت كونديرا وأعجبت جدًا به رغم أننى أختلف معه أيديولوجيته، وقرأت ليحيى السنوار روايته البديعة «الشوك والقرنفل» وناقشتها وأشدت بها لأنها قدمت عالمًا فنيًا واجتماعيًا ومتوازنًا وموضوعيًا للحياة فى غزة ونشأة تنظيم الإخوان هناك، وتعاملهم مع كل التيارات القومية الموجودة فى القطاع وقرأت رواية لكاتبة ابنة كادر كبير فى جماعة الإخوان فى مسابقة أدبية، وأعجبت جدًا بمستوى الكتابة، ولم تفز لوجود روايات أخرى أكثر فنية، وقرأت رواية أخرى لكاتبة تكتب قصة سيدنا يوسف كما وردت فى القرآن، ورواية عن السيرة النبوية لا تختلف عن سيرة ابن هشام ورفضتهما.

■ ما الفارق بين الأدب الذى يناقش التطرف، والأدب الذى يروّج له؟

- الفارق كبير، والتحريض على العنف مرفوض فى أى كتابة أدبية. يمكنك أن تناقش التطرف، وتقنعنى كقارئ بأسلوبك، والكتابة الحقيقية هى ما تجعلك تكره العنف والتطرف وتنبذه، والمجموعة محل المناقشة كلها عنف وتحريض عليه، وكاتبها الذى يدعى أنه باحث إعلامى يتبنى أعلى درجات العنف اللفظى، وينتشر فى خطابه السباب واللعان، وهو ما ينزع عنه صفة أنه «إسلامى»، ويؤكد أنه داعشى وصدامى ومتناقض ومرتبك، يعرف نفسه بأنه «إسلامى ويفتخر»، وبأنه «علمانى» و«لا منتمٍ»!، إنه مختل لا يعرف أين يقف، ولا يعرف أن عنفه وتناقضه هو السبب فى فصله من عمله فى قطر وعودته مطرودًا، لأنه لا يجيد أى خطاب.

■ أشرت إلى أن بعض المواقع الثقافية الحكومية أتاحت المجال لهؤلاء الكُتاب.. كيف ترى مسئولية المؤسسات الثقافية لمواجهة ذلك؟

- مسئولية المواقع الثقافية تتمثل فى توخى الانتباه والتدقيق فى هوية هؤلاء، ومنعهم من دخول هذه المواقع أو اعتلاء منصاتها، وتضييق الخناق على مرورهم، وكشف الذين يسهلون لهم الدخول سواء بوعى أو دون وعى. 

كل الحالات تتم غالبًا لوجود منتمٍ لهذا التيار بحكم وظيفته على رأس الموقع، أو ضمن مجلس إدارته إذا كان نادى أدب أو نادى أدب مركزيًا، من خلال احترافهم للوصول إلى مقعد فى مجلس إدارة نوادى الأدب كعادتهم فى انتخابات النقابات، ومن خلال ذلك يمكن تمرير مثل هذا الاختراق.

وبالنسبة للمجموعة محل النقاش، تقرر مناقشتها لوجود صديق لكاتبها داخل مجلس إدارة الموقع، وبتوصية من متطرف يقيم فى الخارج. ليس فيما أقول تجنٍ على الكاتب، فهو يتقدم بالامتنان على صفحته لهذا الشخص لأنه السبب المباشر فى مناقشة كتابه، رغم أنه يقيم خارج مصر. وفى هذه الحالة يكون التواطؤ والتنسيق لهذا الاختراق من الداخل والخارج.

■ أشرت إلى «التسلل الناعم للأفكار اليمينية المتطرفة من خلال وجوه ثقافية بعيدة كل البعد عن مثل هذه الاتجاهات أو الأفكار».. ما الذى تقصده؟

- سبق أن أخبرتك بأمر القائمة التى يذكرنا بها «فيسبوك» كل عام بتوقيع ما يقرب من ٤٠٠ كاتب يطالبون بعودة علاء عبدالعزيز، قائمة من خرجوا على اعتصام المثقفين، ولا يبدو على أى منهم أنه إخوانى، وكانوا يتحركون فى الحياة الأدبية بكل سهولة ويسر.

الآن، وبعد ٣٠ يونيو، ينكر الكثيرون منهم أنهم «إخوان»، وهؤلاء هم الآن حلقة الوصل بين المواقع الثقافية و«دواعش» الثقافة. أضف إليهم أعضاء من «رابطة الأدب الإسلامى»، وهم أقل تطرفًا وأقل مهارة فى الكتابة، لكنهم يمكن أن يكونوا موصلًا لهذه الأفكار.

إنهم يمارسون «التقية» وهذا لا يدهشنى نهائيًا. أما ما يدهشنى أن يقبل كاتب محترم أو كاتبة، رغم علمه أو علمها بتوجهات هذه المنتديات المشبوهة، أن يناقش فيها عمله. فى هذه الحالة إما أن يكون الكاتب انتهازيًا ولا يرفض ندوة حتى لو كانت فى قندهار، أو أنه مخدوع بنعومة صاحب المنتدى المتشدد حين يدعوه بأدب جم لتشريف المنتدى ومناقشة عمل له، فيرد بالإيجاب ويصطحب أصدقاءه ومحبيه للحضور.

يتم استدراجه أولًا لمناقشة كتاب له، ثم بنعومة ظاهرة، لمناقشة كتاب لمتشدد، ما يضفى مزيدًا من الشرعية وغسيلًا لسمعة المنتدى المتشدد، ومزيدًا من الحضور وطالبى المناقشة. فى مثل هذه الحالة كلاهما مستفيد، الكاتب بأنه ناقش عمله، والمنتدى المتشدد بأنه روج لنفسه وفتح الباب أمام انتهازيين أو مخدوعين جدد.

■ هل ترى أن هناك قصورًا فى آليات اختيار النصوص التى تنشرها المؤسسات الثقافية الرسمية؟

- لا أظن ذلك، فلجان القراءة فى دور النشر الحكومية لا تجيز أعمالًا رديئة او تحرض على العنف، بينما مثل هذه الكتابات تجد طريقها إلى دور النشر الخاصة.

■ هل يكفى ضعف المستوى الفنى للحكم على النص، أم أن الخطاب الفكرى الذى يحمله يجب أن يكون جزءًا من التقييم؟

- المحتوى الفكرى أو الموضوع بالطبع جزء من الحكم على العمل الأدبى، لكنه يأتى بعد التقنيات والبناء ورسم الشخصيات والحرفية فى الشكل.

■ كيف يمكن للناقد أن يفصل بين حرية الإبداع والتحذير من خطاب قد يحمل نزعات متطرفة؟

- حرية الإبداع مكفولة، والكاتب الحقيقى الذى يمتلك أدواته يمكن له أن يعبر عن أى موضوع مهما قل هامش حرية التعبير، مع الأخذ فى الاعتبار مناقشة الموضوع إذا كان يدعو إلى العنف أو إلى قيم غير مقبولة.

■ على خلفية ما كتبته عن الأمسية اتهمك البعض بأنك تدعو لإدخال المثقفين لـ«الحظيرة» كيف ترى الأمر؟

- هذه هى التهمة الجاهزة عند كل غوغائى وداعشى، وتهمتهم تعنى والحمد لله أن المثقفين لم يدخلوا حظيرة الدولة بعد، ومع أن دخولها شرف، فـ«الخرفان» و«الدواعش» يتمرغون كقطيع فى حظيرة سيد قطب ويوسف القرضاوى مفتى الدم، يعيشون كقطيع منعدم الإرادة لا يملك سوى الطاعة العمياء للوهم.

■ ما الرسالة التى توجهها إلى النقاد والمبدعين فى التعامل مع النصوص التى تحمل أبعادًا أيديولوجية؟

- للمبدعين والنقاد والقراء أقول: الأيديولوجيا تفسد العمل الأدبى، الأيديولوجيا تذهب وتتغير وتموت لكن العمل الأدبى باق، كل ما هو إنسانى يبقى، وكل ما هو أيديولوجى يزول.

■ ما المعايير التى ينبغى أن تحكم منح أى كاتب الاعتراف الأدبى بعيدًا عن الانتماءات الفكرية؟

- جماليات الكتابة وامتلاك الكاتب مهارات الكتابة وتقنياتها الفنية أولا، ثم يأتى بعد ذلك الموضوع. وقد تقلل الانتماءات الفكرية من قيمة النص، أما «الداعشية» فتقضى عليه. وأؤكد بناء على ذلك أن هذا التيار القطبى والتكفيرى لم يقدم للحياة الأدبية أديبًا واحدًا معترفًا به، وهذا يؤكد ما ذهبت إليه: «أن تأتى بالدين إلى ساحة الأدب، فأنت تكتب أدبًا وتكون أديبًا، أما أن تذهب بالأدب إلى ساحة الدين، فستكون داعية». وهذا مآل كل من يكتب من «دواعش المثقفين» ومن يدور فى فلكهم، وسيد قطب ليس عنهم ببعيد.