الثلاثاء 23 يونيو 2026
المحرر العام
محمد الباز

العشاء الأخير.. الحدث الأكثر إلهامًا للفنانين عبر التاريخ

حرف

- بلاوتيلا نيلى.. أول امرأة رسمتها.. وتميزت لوحتها بالمعالجة التشريحية المتقنة وقوة الفرشاة

- أشهرها لوحة ليوناردو دافنشى.. بدأت فى التقشر بعد 20 عامًا من رسمها.. وحالها الآن يرثى له

- صوّرها تينتوريتو عدة مرات.. أهمها تختلف جذريًا عن أسلوب عصر النهضة ورسمها فى عامين

العشاء الأخير الذى يعد من أشهر العشاءات فى التاريخ، وأحد أهم الأحداث فى الديانة المسيحية، وهو أيضًا من أكثر المواضيع المحببة لدى فنانى عصر النهضة فى إيطاليا وحول العالم، وأكثرها تناولًا فى عالم الفن، حيث قام أكثر من فنان على مر العصور بتقديمه بأسلوبه، ونظرته الخاصة، وبشتى الطرق التعبيرية، ومختلف الخامات، ومنها الرخام، والخشب، والزجاج الملون، والطلاء الزيتى وغيرها، وإذا كنت فى جولة فنية، يمكنك العثور على نسخ منها فى كل بقاع الدنيا، بالذات فى إيطاليا، سواء كنت فى ميلان، فلورنس، فينيس أو نابولى أو أى بلدة أخرى.

وفى جميع تلك اللوحات المختلفة يمكن تحديد المسيح بسهولة كشخصية محورية، إلا أن أتباعه الاثنى عشر غالبًا ما يصعب تحديدهم، إذ لا يظهرون فى المواضع نفسها من تفسير لآخر، الشخصية الوحيدة التى نجدها بارزة دائمًا هى يهوذا الذى كشفه المسيح كالخائن من بين تلامذته، وغالبًا ما يكون تصويره لافتًا للانتباه من خلال الرموز ومواقع الشخصيات. 

ليوناردو دافينشى
ليوناردو دافينشى

يحمل هذا الموضوع الكثير من الأحداث والشخصيات والمشاعر المختلفة وكان تجسيد هذا التعقيد هو التحدى الذى واجهه العديد من فنانى عصر النهضة، الذين اعتبروا العشاء الأخير بمثابة العمل الفنى الأسمى وكانت هذه الأعمال تُنفذ عادةً فى ذروة مسيرة الفنان وتتطلب مستوى استثنائيًا من المهارة والحرفية لإخراجها إلى النور. 

 

لعل أشهر تلك اللوحات على الإطلاق هى لوحة ليوناردو دافينشى الجدارية التى تشكل ظاهرة ثقافية ظهرت فى الكثير من الأعمال الفنية والسنيمائية، ويمكن أن ترى نسخًا منها فى كل بيت لأى أسرة مسيحية، أو تراها على مواقع السوشيال ميديا بشتى الطرق.

وبرغم شهرة تلك اللوحة الواسعة إلا أنها ليست أول من قام بتقديم هذا الموضوع فقد تعرّض ليوناردو للعديد من اللوحات الشهيرة فى فلورنسا قبل أن يمسك بريشته ليرسمها، حيث ازدهرت لوحات العشاء الأخير خلال عصر النهضة، وتضم فلورنسا بالذات أكبر عدد من لوحات العشاء الأخير فى العالم.

بينما ركّز الفنانون السابقون على لحظة كشف هوية يهوذا، ركّز ليوناردو على اللحظة التى سبقتها، حين أعلن المسيح للتوّ عن نيّته بالخيانة، وجو الشك السائد، وفى سيلٍ من المشاعر، جسّد ليوناردو ردود أفعال كلٍّ من الرسل على إعلانه: الرعب، الدهشة، الغضب، القلق، الحزن، الصدمة وغيرها فى شكل إيماءات وحركات انفعالية.

مزج دافينشى ما بين العاطفة والتحفظ، واهتم بقواعد المنظور حيث اشتهرت اللوحة بالسيمترية واستخدم فيها منظور النقطة الواحدة، الذى يمنح اللوحة ثنائية الأبعاد بُعدًا ثلاثيًا حيث قام ليوناردو بتعديل زاوية الجدران داخل اللوحة بحيث تتقارب نقطة التلاشى على المسيح ويتنحى التلاميذ بعيدًا عنه قليلًا، تأكيدًا لأهميته وأنه بطل العمل. 

عندما انتهى ليوناردو من رسم لوحة العشاء الأخير عام ١٤٩٨، كانت اللوحة قد بدأت بالتدهور، وبعد عشرين عامًا، بدأت تتقشر من على الجدار وحالها حاليًا يرثى له، وذلك بسبب استخدامه لتقنية جديدة جمع فيها بين التمبرا والألوان الزيتية على الجص والرصاص الأبيض.

جاكوبو تينتوريتو
جاكوبو تينتوريتو

صوّر تينتوريتو العشاء الأخير عدة مرات خلال مسيرته الفنية. ففى لوحتيه السابقتين لكنيسة سان ماركولا ١٥٤٧، وكنيسة سان فيليس ١٥٥٩، صوّر المشهد من منظور أمامى، حيث تجلس الشخصيات على طاولة موازية لسطح اللوحة. وهذا يتبع تقليدًا شائعًا فى معظم لوحات العشاء الأخير، أما لوحته التى رسمها بين عامى ١٥٩٢ و١٥٩٤، وهى من أعماله فى سنواته الأخيرة، فتختلف اختلافًا جذريًا عن هذا الأسلوب التركيبى، فبينما تنتمى هذه اللوحة أيضًا إلى عصر النهضة، فهى تختلف عن مفهوم عصر النهضة القائل إن الروحانية تُعبّر عنها من خلال الواقعية والمثالية، فبدلًا من ذلك، يضفى تينتوريتو على اللوحة طاقةً وحالة درامية واهتمامًا بالحركة، ما يوضح التغير الكبير الذى طرأ على الفن فى ظرف قرن من الزمن.

على عكس نسخة ليوناردو ذات المنظور المثالى والسيمترية، كل شىء هنا يبدو غير متناسق ففى مركز المشهد، لا يشغل الرسل مركز اللوحة، بل شخصيات ثانوية، كامرأة تحمل طبقًا، والخدم الذين يأخذون الأطباق من على الطاولة. وتتراجع الطاولة التى يجلس عليها الرسل فى الفضاء بزاوية مائلة حادة. علاوة على ذلك، لا يوجد سوى مصدرين للضوء فى هذه اللوحة المظلمة للغاية، مصباح وهالة وملائكة شفافة على السقف تطوف فى دوائر، ما يطفى شعورًا بالتشتت والفوضى، إلا أن هذا يجعل اللوحة تفيض بالمشاعر. 

اختار تينتوريتو هنا اللحظة التى يقوم فيها المسيح بمشاركة تلامذته الخبز ويوصيهم بتناوله هو والخمر المباركين كبديل عن دمه وجسده، ليغذوا أنفسهم روحيًا فى انتظار عودته بالقيامة، وما يمكن أن نتوصل إليه فإنه فيما تعبر لوحة دافينشى عن لحظة الخيانة، ويمكن وصف اللوحة بتمثيل للموت، تمثل لوحة تينتوريتو الحياة بأجوائها الحركية والحية.

تُعرض هذه اللوحة فى كنيسة سان جورجيو ماجورى ذات الطراز البالادى، على الجانب الآخر من القناة الكبرى مقابل ساحة سان ماركو فى البندقية. تقع اللوحة فى حرم الكنيسة على الجدار الأيمن.

بلاوتيلا نيلى
بلاوتيلا نيلى

على عكس معظم اللوحات فى هذا الوقت والتى كانت أغلبها جداريات، رُسمت هذى اللوحة عام ١٥٦٨، بالألوان الزيتية على قماش من قبل رسامة عصامية، هى الراهبة الدومينيكانية بلاوتيلا نيلى التى أضافت إضافةً رائدة إلى فن العشاء الأخير سبقت عصرها.

تميزت لوحتها الكبيرة بتكوينها المعقد، وضربات فرشاتها القوية، ومعالجتها المتقنة للتشريح وذلك فى عصر لم يسمح فيه للمرأة أن تدرس العلوم، ولم تستطع نيلى أن تدرس تشريح الرجل الحى لكونها راهبة، فتدربت على الأعمال الفنية التى شاهدتها بنفسها، ولم تتلقَّ أى تدريب فى ورشة فنية، واضطرت إلى الاطلاع على الأعمال الفنية الموجودة، لا سيما رسومات فرا، بارتولوميو، وريث، بياتو، وأنجيليكو، التى أثرت فيها بشكل كبير، وافتتحت ورشتها الخاصة لتعليم الرسم، وكانت ورشة العمل نشطة، وجعلت الراهبات مستقلات اقتصاديًا بفضل بيع اللوحات التى طلبها نبلاء فلورنسا. 

شرعت فى مشروعها الأكثر طموحًا، وهو لوحة ضخمة للعشاء الأخير يبلغ طولها نحو ٧ أمتار وعرضها مترين، تضم صورًا بالحجم الطبيعى للمسيح والرسل الاثنى عشر، ويُرجّح أن لوحتها كانت ثمرة تعاون بين أعضاء ورشتها. 

ويُرجّح أنها كانت أول امرأة فى التاريخ ترسم هذا المشهد الأيقونى وهى واحدة من الأربع فنانات الذين ذُكرن فى كتاب جورجيو فاسارى «حياة الفنانين» والمرأة الوحيدة التى حظيت بالاعتراف الكامل كفنانة من عصر النهضة.

فى نواحٍ عديدة، عكست لوحة «العشاء الأخير» للفنانة نيلى أجواء قاعة الطعام فى الدير. فعلى سبيل المثال، كانت الراهبات يجلسن حول طاولات مستطيلة طويلة، يتناولن وجباتهن الجماعية فى صمت للتأمل فى الأمور الروحية، وجسّدت نيلى هذا الهدوء فى اللوحة. بينما يتفاعل الرسل على طاولتهم الطويلة مع إعلان المسيح، بالإيماءات ولغة الجسد وتعبيرات الوجه، لكن لا يبدو أن أحدًا يتكلم.

ليوناردو دافينشى
ليوناردو دافينشى

وكمعظم لوحات عصر النهضة كان موضوع اللوحة لحظة كشف المسيح لوجود خائن بين تلامذته، إلا أن العديد من العناصر الظاهرة على الطاولة المرسومة فى لوحة نيلى كانت مألوفة للراهبات فى وجباتهن، ما يعزز الشعور بأن اللوحة وحدثها المقدس امتدادٌ لمساحة قاعة الطعام. فعلى سبيل المثال، تشير السجلات إلى أنه كما هو الحال مع المسيح ورسله فى اللوحة، كانت نيلى وراهباتها يتناولن وجبات تتكون من طبق لحم ونبيذ، بالإضافة إلى تشكيلة من الخضروات والفواكه، بجانب الفول المحلى، الذى صوّرته نيلى مُوزّعًا بين أطباق العشاء الأخير، مُضيفةً بذلك لمسةً فلورنسيةً مميزةً إلى الحدث. ربما كانت الخضروات الورقية فى العشاء الأخير إشارةً رمزيةً إلى وجبة عيد الفصح، كما أنها تُجسّد عادة بعض راهبات سانتا كاترينا فى حرمان أنفسهنّ من مُتع الجسد المُفرطة بجعل وجباتهنّ أقل استساغةً برشّةٍ من الخس المُرّ. حتى أدوات المائدة فى العشاء الأخير ربما كانت من صنع الدير نفسه، إذ تُحاكى الأوانى الزجاجية عالية الجودة أنماطًا صُنعت فى فلورنسا فى القرن السادس عشر.

بلاوتيلا نيلى
بلاوتيلا نيلى

على النقيض من هذه الوجبة المتواضعة، تزين ثلاثة أوعية صينية مائدة المسيح. كان الخزف الصينى، الذى يُعدّ من الكماليات النادرة فى عصر النهضة الإيطالية، مطلوبًا بشدة فى الأوساط الراقية، وهو أمرٌ لا نتوقع رؤيته فى دير. مع ذلك، حصلت دير سانتا كاترينا على هذه الهدايا القيّمة من عائلات راهباتها الثرية. وبإدراجها هذه الأوعية فى لوحة العشاء الأخير، شاركت نيلى فى اتجاه جمالى مستوحى من التجارة الدولية الجديدة بين الصين وأوروبا.

فى عام ٢٠١٥، خضع عمل نيلى لعملية ترميم دقيقة استغرقت أربع سنوات، وفى عام ٢٠١٩، تم الكشف عنها للجمهور لأول مرة منذ ٤٥٠ عامًا.