الشاعر الاستثناء.. لماذا تتجاهل جائزة النيل محمد الشهاوى؟
- شاعرنا الكبير يحتاج إلى عملية جراحية عاجلة لتغيير مفصل فى الكتف
- أبرز أصوات جيل الستينيات وارتضى العيش فى الظل ليتلمس الإلهام الصادق
فى 27 يوليو الماضى، ارتسمت ملامح التردد والوجوم على وجوه أعضاء المجلس الأعلى للثقافة وهم يصوتون على منح جوائز النيل فى الآداب، حيث كان الاختيار بين اسمين كبيرين فى تاريخ الإبداع المصرى والعربى، الشاعر الكبير محمد محمد الشهاوى والناقد الدكتور يوسف نوفل.
وانتهى التصويت الذى أثار -ولا يزال- الكثير من العواصف والجدل، إلى فوز الدكتور يوسف نوفل بالجائزة، فيما بقى محمد الشهاوى حاضرًا بقامته الشعرية وإن لم يحالفه الحظ فى هذه الجولة.
ويجد البعض عزاءً فى عبارة «فاز الجميع» المتداولة عقب مثل هذه المنافسات، إذ إن قائمة المرشحين لجوائز النيل تحديدا كانت تضم قامات ونجوماً فى مجالات الأدب والفن، ما يجعل من مجرد الوصول إلى دائرة الترشيح شهادة تقدير لمكانة أصحابها فى المشهد الثقافى.
ولعل عدم توفيق اسم محمد الشهاوى فى التصويت، أفضل فرصة لإعادة الإضاءة على منجز واحد من رهبان الشعر العربى وأبرز أصوات جيل الستينات الذين ارتضوا أن يعيشوا فى الظل يتلمسون نفحات الإلهام الصادق الذى يمكنهم من اكتشاف ذواتهم الإبداعية، وصناعة بصمة حقيقية ومختلفة فى تاريخ القصيدة.
كما تأتى تلك الإضاءة أيضا باعتبارها «واجب الوقت»، فى ظل الأزمة الصحية الطارئة التى تعرض لها محمد الشهاوى مؤخرا، إذ يحتاج بشكل عاجل إلى إجراء عملية جراحية لتغيير مفصل فى الكتف وسط إجراءات روتينية وإدارية لا تزال تؤخر تنفيذ الإجراء الطبى فى إحدى مستشفيات كفر الشيخ حتى نشر هذه السطور.


قبل نحو ١٥ عاما التقيت الشاعر الكبير محمد محمد الشهاوى فى ميدان العتبة بالقاهرة برفقة الشاعر محمد عبد الوهاب السعيد، واقترح الأخير أن نتناول وجبة عشاء فى أحد مطاعم الفول والفلافل فى الميدان.
وخلال تناولنا الطعام، لاحظت حركة غريبة من الطاولة المجاورة والتى كانت فى الأساس عبارة عن طاولتين مضمومتين على بعضهما، ويجلس إليها عدد كبير من الشباب الأفارقة، علمت فيما بعد أنهم طلاب وافدون يدرسون فى الجامعات المصرية.
كانت عيون الشباب تتجه نحونا، وكانوا يتكلمون مع بعضهم بلغة غير مفهومة لى أظنها لغة فرنسية أو محلية إفريقية، فزاد شعورى بالارتياب، وبينما أوشكنا على الانتهاء من طعامنا، إذ بالشباب يهبّون نحونا فى اندفاع زاد الموقف غرابة، ووقفت أستطلع الأمر.
كانوا يمدون أياديهم للسلام على «الشهاوى»، وحاولت أن أفهم لغتهم فلم أميز سوى جملة قالها بعضهم أكثر من مرة بلكنة أعجمية: «شاعر شهاوى.. شاعر شهاوى»، وازداد الموقف تعقيدا حتى ظهر من بينهم من يتحدث العربية بطلاقة، وقال بالفصحى: «نحن طلاب أغلبنا من السنغال، وبعضنا من دول إفريقية مجاورة، وحين رأينا الشاعر الشهاوى أحببنا أن نرحب به»، فسألته: «هل تعرفون الشهاوي؟»، فرد بثقة ولهجة توكيدية حادة: «نعم إنه شاعر شهير، ونقرأ له كثيرا فى بلدنا».
وأخذ الشباب الأفارقة يلتقطون الصور مع محمد الشهاوى وكأنه -دون مبالغة- واحدا من نجوم التمثيل أو الغناء، فى موقف جسّد حجم الشعبية الإقليمية والدولية الواسعة التى حققها محمد الشهاوى.
وأحالنى ذلك الموقف إلى قصة أخرى جسّدت نجومية محمد الشهاوى أمام واحد من أساطير الشعر العربى، هو الشاعر الفلسطينى الكبير محمود درويش، فقد جمعتهما ندوة شعرية فى الدورة السادسة والثلاثين لمعرض القاهرة الدولى للكتاب عام ٢٠٠٤، حيث تمكن الشاعر المصرى من أسر قلوب وعقول الجماهير الغفيرة التى جاءت بالأساس للاستماع إلى صاحب «جدارية».
لكن «الشهاوى»، بقصيدته البديعة «المرأة الاستثناء»، خطف الأضواء وأدهش الحضور بشكل لافت، حتى إن «درويش» نفسه أعجب بها كثيرًا وطلب نسخة منها لينشرها فى مجلة «الكرمل» التى كان يرأس تحريرها آنذاك.
ولعل التجسيد الأوضح لنجومية محمد الشهاوى يتجلى فى الأعداد الغفيرة التى دأبت على حضور أمسياته الشعرية، بل وفى قدرته على اجتذاب جمهور ليس مثقفًا من الأساس.
وأتذكر كيف استطاع فى إحدى المناسبات الاجتماعية بإحدى القرى أن يستقطب جماهير واسعة من المزارعين البسطاء حين ألقى قصيدته الصوفية «اخرج من ذاتك تظهر»، فكانت بساطة أدائه وصدق تجربته كفيلان بأن يفتحا قلوب الحاضرين، بما يؤكد أنه يمتلك فرادة نادرة تمكّنه من الوصول إلى الجمهور العادى، جمهور القصيدة الحية، لا جمهور النخبة.
وكان تأثير محمد الشهاوى فى الشعراء الشباب، وخاصة فى دلتا مصر، عميقًا وملموسًا قبل أن يظهر عصر «السوشيال ميديا» ويُسهِّل التواصل مع الرموز الثقافية، حيث تحوّل منزله فى قرية «عين الحياة» بمركز قلين بمحافظة كفر الشيخ إلى ما يشبه «منتدى يومى»، حيث كانت عشرات من التلامذة والمهتمين بالشعر يفدون إليه بشكل منتظم، يجالسونه ويتعلمون منه لا الشعر وحده، بل الثقافة العامة والمعرفة الإنسانية الواسعة التى كان يفيض بها.
وكان حضوره بمثابة مدرسة مفتوحة، يمدّ الشباب بأدوات التفكير والمعارف، ويمنحهم الإلهام الذى يحتاجونه ليشقوا طريقهم فى الكتابة والإبداع، حتى صار بيته قبلةً للباحثين عن المعنى، ومختبرًا حيًا لتجارب شعرية جديدة، ما رسّخ مكانته كأب روحى لجيل كامل من شعراء الدلتا الذين وجدوا فيه نموذجًا للمعلم والمُلهم.


لماذا حقق محمد الشهاوى كل هذا التوهج؟ ربما تكمن الإجابة فى قدرته على أن يجعل قصيدته تسير على صراط رفيع بين المباشرة والغموض؛ فلا هو انزلق إلى الخطابية ومغازلة الجمهور الشعبى، ولا هو اعتكف فى برجٍ عاجى كما فعل بعض شعراء السبعينيات حين جنحوا إلى مناطق تغريبية ساهمت فى إبعاد القارئ العادى عن الشعر.
لقد اختار «الشهاوى» أن يكتب من قلب التجربة الإنسانية، بلغةٍ شفافةٍ تحمل عمقًا روحيًا، فكان شعره قريبًا من الناس دون أن يفقد أبعاده الفنية وجودته العالية.
فى مقالٍ خصصه عنه فى كتاب «تحولات العاشق» الذى أصدره المجلس الأعلى للثقافة احتفاءً بسبعينية صاحب «المرأة الاستثناء»، رأى الشاعر الكبير أحمد عبد المعطى حجازى أن الغنائية فى قصيدة «الشهاوى» كان لها أثر بالغ فى صناعة حالة شعرية مختلفة، معتبرًا أنها منحت شعره حيويته ومرونته وقدرته على البقاء.
وختم «حجازى» حديثه عن التجربة بعبارة لافتة خاطب فيها «الشهاوى» مباشرة، حيث قال: «أقول للشهاوى.. ابقَ للمئة»، فى إشارة إلى إيمانه بقدرة هذا الصوت الشعرى على الاستمرار والتجدد.
ويمكن القول إن نظرة محمد الشهاوى لوظيفة الشعر هى التى منحته هذا التوهج، إذ أدرك مبكرًا أهمية كتابة قصيدة قريبة من الناس ومن قضاياهم العامة، دون أن تركن إلى الذاتية المفرطة أو الهلامية التى قد تُبعد الشعر عن جمهوره الطبيعى، فاختار أن يكون شعره جسرًا بين التجربة الفردية والهمّ الجمعى وبين البوح الشخصى والصدق والتطوير الفنى.

ويقول «الشهاوى» فى مقدمة كتابه «صالح الشرنوبى النهر الذى أسكر العالم»: «الشعر هو دم الشاعر وخلاياه آخذين شكل الحروف.. هكذا أرى، وعندى أن الذات هى بانوراما الكونية والملكوتية [وتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر]. الشاعر الذى يستطيع أن يحيط بأقطار نفسه، وأن تجسد حروفه خفايا ذاته، وأن ترسم كلماته بورتريه روحه، لهو شاعر له الأبد صديقًا والخلود رفيقًا».
ويضيف مؤكّدًا على العلاقة بين الخاص والعام: «فى يقينى أن القدرة على الغوص داخل الخاص جدًا لهى المنطلق إلى القدرة على تعمق العام جدًا، وأن الإبحار داخل الأنا بكل خصوصياتها هو المعبر إلى إمكانية استكناه تفاصيل أعماق الآخر. فمن لا يشعر بحال نفسه حرىٌّ به ألا يشعر بمعاناة غيره».
كما يرفض «الشهاوى» فكرة أن الشعر يمكن أن يقوم على الزيف أو التزيين المفتعل، قائلاً: «إذا كانت الذائقة الزمنية قد أثبتت كذب ادعاء أن أعذب الشعر أكذبه، فقد أثبتت أن أبقى الشعر أجوده، وأن أجود الشعر أصدقه. لذا اندثر شعر الإطراء والتملق والافتعال، بينما بقى فى ذاكرة الاحترام والخلود شعر الصعاليك والخوارج والعشق والبوح والمكاشفة، وكل شعر لحمته وسداه الصدق النفسى والفنى».

وربما يكون من أسباب نبوغ وثراء تجربة «الشهاوى»، أنها لم تتوقف عند حدود شكل شعرى واحد، بل ظلّ طوال مسيرته فى حالة بحث وتجريب، يطوّر أدواته ويختبر طاقات اللغة والإيقاع.
فكتب القصيدة العمودية بصرامتها الموسيقية، ثم انفتح على شعر التفعيلة بما يتيحه من حرية فى البناء وتعدد فى الإيقاعات، قبل أن يغامر بالكتابة النثرية التى منحته فضاءً أوسع للتعبير عن رؤيته الصوفية والإنسانية.
وهذا المزج بين الأشكال كان أكبر من فكرة خلق تنويع شكلى، فكان تعبيرًا عن قناعة راسخة بأن الشعر كائن حيّ يتجدد بتجدد التجربة، وأن على الشاعر أن يظلّ فى حالة عبور دائم بين الأشكال والأساليب ليصنع بصمته الخاصة.

لا أحد يشكك فى استحقاقية الدكتور يوسف نوفل، لكن السؤال الذى يظل حاضرًا هو: هل كان محمد محمد الشهاوى يستحق جائزة النيل فى التصويت الذى جرى فى ٢٧ يوليو الماضي؟!
قد يحتكم المصوّتون إلى السير الذاتية لكل مرشح، غير أن السيرة ليست وحدها المعيار الحاسم، فالمعيار الأعمق والأكثر حضورًا هو معيار التأثير؛ التأثير الذى يعنى القدرة على صناعة الحالة الشعرية واجتذاب الجماهير، وترك بصمة تتجاوز حدود اللحظة إلى امتداد الأجيال.

ومن هنا، يصعب أن ينكر أحد حجم التأثير الذى حققه «الشهاوى» عبر منجز شعرى ضخم امتد لعقود منذ الستينات، وأثر فى أجيال متتالية من الشعراء، وكان بمثابة رمانة ميزان وسط حالة التغريب الشعرى الذى انتشرت فى السبعينات والثمانينات حين حافظ على جدية القصيدة وقربها من الناس وتناولها للهم العام.
لقد ترك «الشهاوى» الذى ولد فى ٢٥ مارس ١٩٤٠، أثرًا لا يُقاس بعدد الدواوين وحدها، إنما بقدرته على أن يكون مرجعًا ومُلهمًا ونموذجًا حيًا للشاعر الكبير الذى يعيش بين الناس ويكتب لهم ومنهم.
فمنذ ستينيات القرن الماضى، بدأ محمد محمد الشهاوى حضوره الفاعل فى المشهد الثقافى المصرى، حيث انخرط فى عضوية اتحاد الكتاب، ولجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة، وجماعة الفنانين والأدباء بأتيليه القاهرة، وجمعية الأدباء بالقاهرة، كما شارك فى أمانة مؤتمر أدباء مصر.
وكان جزءًا من أسرة تحرير عدد من المجلات الثقافية المهمة مثل «سنابل» ١٩٦٩-١٩٧٢، خاصة خلال أزمة مصادرتها وإغلاقها بسبب نشر قصيدة «أغنية الكعكة الحجرية» لأمل دنقل، و«دلتا» الثقافية، و«أوراق ثقافية»، ولم يقتصر دوره على المشاركة التحريرية، بل تولى رئاسة تحرير مجلة «إشراقة»، وأشرف على سلسلة كتب إصدارات «إشراقة»، كما أعاد إصدار مجلة «سنابل» فى طبعتها الثانية والثالثة.
أما على صعيد الجوائز والتكريمات، فقد حصد «الشهاوى» سلسلة من الجوائز الكبرى التى رسخت مكانته الشعرية، فقد نال الجائزة الأولى لأفضل قصيدة عام ١٩٩٦ من مؤسسة البابطين للإبداع الشعرى، والجائزة الأولى لأفضل ديوان شعر عام ٢٠٠٠ من مؤسسة أندلسية عن ديوانه «إشراقات التوحد».

وفى عام ٢٠٠٤ حصل على الجائزة الأولى من جمعية الأدباء عن ديوانه «مكابدات المغنى والوتر»، كما نال جائزة التميز، وهى كبرى جوائز اتحاد الكتاب عام ١٩٩٧، وفى أكتوبر ٢٠١٧ توّج بجائزة كفافيس الدولية، ليعلن بعدها محافظ كفر الشيخ إطلاق اسمه على أحد الميادين الرئيسية بالمحافظة.
وفى عام ٢٠١٩ حصل على جائزة الدولة التقديرية فى الآداب، إضافة إلى سلسلة من التكريمات فى مؤتمرات ومهرجانات داخل مصر وخارجها، منها إمارة الشارقة بالإمارات العربية المتحدة.
أما أعماله الشعرية، فقد تنوعت بين دواوين بارزة مثل «ثورة الشعر» ١٩٦٢و«قلتُ للشعر» (١٩٧٢)، و«مسافر فى الطوفان» (١٩٨٥)، و«زهرة اللوتس ترفض أن تهاجر» (١٩٩٢)، و«إشراقات التوحد» (٢٠٠٠)، و«أقاليم اللهب ومرايا القلب الأخضر» » (٢٠٠١)، و«مكابدات المغنى والوتر» (٢٠٠٣)..
وإلى جانب الشعر، كتب دراسات نقدية وسيرية عن عدد من المبدعين مثل صالح الشرنوبى، وأنور المعداوى، ومحمد السيد شحاتة، وعلى قنديل، وعبد المنعم مطاوع، والسيد عبده سليم، فضلًا عن سيرته الذاتية «زهرة اللوتس ترفض أن تهاجر».







