الأحد 02 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

أنا يوسف يا أبى!.. هل عانى «جو» من «عُقدة الأب»؟

حرف

- «الصدام مع والده» ولّد لديه إحساسًا عاليًا بقيمة الدعم والاحتضان

- علاقته مع محسن محيى الدين مليئة بالمساحات الغامضة والملتبسة

- لا يوجد ممثل ممن تبناهم إلا ويتحدث عن أبويته بحنين ورومانسية

- تعامل مع تلامذته بـ«رومانسية أبوية» أخفاها خلف انفعالاته العنيفة والحادة

فى الإثنين الماضى 27 يوليو 2026 يكون قد مر 18 عامًا على رحيل المخرج الكبير يوسف شاهين، بعد عمر من «مشاكسة» الفن والناس والحياة.

ربما تلك «المشاكسة» هى ما جعلت يوسف شاهين، ذلك الفنان والإنسان العبقرى الذى ملأ الدنيا ضجيجًا وحيوية واشتباكًا وهزائم وانتصارات ومناديل مبللة بالدموع.

حين نتذكر يوسف شاهين الآن، فإننا لا نتذكر فقط منجزه الفنى الذى لم يخفت بريقه فى يوم من الأيام، نتذكر أيضًا نمط حياته الذى كان مليئًا بالاختلافات والثورية التى تستحق أن نقف عندها كثيرًا.

أبرز مناطق ذلك الاختلاف، هو ما يمكن وصفه بـ«غريزة الأبوة» التى كان يتمتع بها يوسف شاهين وتسكن أعمق نقطة حالمة ورومانسية فى روحه، رغم ما قد يبدو على مظهره الخارجى وأدائه العام من علامات ثورية وجنوح وتمرد وشطحات.

قد نسميها «أبوية فنية»، أو نسميها «أستاذية»، نسميها ما نشاء، لكنها كانت نمط حياة وروحًا أحس بها وغمرت كل من عايش ذلك الرجل الذى لا يتوقف عن إثارة الجدل رغم مرور نحو عقدين على رحيله.

هذه الروح تظهر جلية حين نستمع لأحاديث الأبناء عن والدهم «جو»، فمن هم الأبناء؟ هم كثر، يكفى أن نذكر منهم محسن محيى الدين، وهند صبرى وخالد النبوى وعمرو عبدالجليل وماجدة الرومى، وهانى سلامة، وغيرهم، وحتى محمود حميدة الذى يسبق كل هذه الأسماء سنًّا، الذى اعترف صراحة بأبوية يوسف شاهين عليه.

 

فى حديثه خلال أحد المهرجانات الفنية، يفتح محمود حميدة قلبه فى حديث نادر عن فكرة «الأبوية»، فلا يعترف فقط بأبوة يوسف شاهين إنما يكشف عن أن المخرج الكبير كان له الإسهام الأكبر فى تشذيب روحه وتقليم أظافر فكره وعقله الذى وصفه بأنه «كان مليئًا بالحمورية والعند».

يقول «محمود» إن فرق العمر بين يوسف شاهين ووالده الحقيقى حسن حميدة سنتان، وإنه حين كان يتعامل معه لم يكن يرى إلا والده، وهذا بفضل روحه الأبوية الكبيرة وقدرته على أسر قلوب تلامذته الذين يتحولون إلى أبناء حقيقيين.

يحكى الابن «محمود»: «أبويا الحقيقى كنت بتخانق معاه كتير، مثل كل الأبناء اللى بيتخانقوا مع آبائهم، فكل أب بيحاول يشد ابنه ناحيته، لكن الابن بيكون له رأى تانى، وعايز يعمل اللى فى دماغه».

ويكمل «محمود» حديثه المملوء بالشجون: «لقيت يوسف شاهين بيستقبل انفعالاتى زى أبويا ما كان بيعمل معايا بالضبط، ولما كان بيوجهنى لم يكن يقول لى اعمل كذا مباشرة، لأنه لقط إنى عندى نوع من أنواع (الحمورية) والعند، فلو قال لى افعل كذا مباشرة لن أسمع الكلام».

ويواصل حديثه: «يوسف بالنسبة لى كان أب مربى فاضل جدًا، وأكثر شىء اتعلمته منه هو الطريقة اللى كان بيشتغل بيها مع اللى حواليه، واللى الكل عاشها وشهد بيها»، ويضيف: «كان شخص مؤسسة».

ويكشف عن جانب آخر من ثقافة يوسف شاهين العامة والفنية، فيقول: «ليس صحيحًا إنه كان بيعرف كل حاجة، لكنه كان بيعرف شىء عن كل حاجة، ويعرف يوظف الشخص اللى بيفهم فى المكان الصحيح، علشان يطلع الشغل على أكمل ما يكون».

كما يكشف عن أن ما تعلمه منه طوال مسيرته، خاصة فى الجانب المؤسسى، أصبح المنهج الذى يتعامل به حين أسس شركته الخاصة، حيث تحول «جو» إلى ملهم يشركه ويعلمه كيف يتصرف فى المواقف المختلفة.

وفيما تمتلئ الصحف والمواقع بأحاديث من هنا وهناك حول علاقة محمود حميدة بيوسف شاهين، فإننى أتوقف عند حديث خاص يكشف فيه عن جانب روحى عميق لدى «جو»، يتمثل فى أنه «كان يؤثر على من حوله عبر نظرة عينيه اللتين امتلكتا بريقًا خاصًا له وقع وتأثير حقيقى».

ويقول إنه كان «ينظر إلى الممثل فى عينيه فيتمكن من إحداث تأثير يمكنه توظيفه على أدائه أمام الكاميرا»، ويضيف: «العين هى المتحكمة فى إيقاع أى كائن بشرى على وجه الأرض، وهذه الحقيقة كانت راسخة لدى يوسف، فكانت عيناه هما طريقه للوصول إلى عقول من حوله».

ويكشف محمود حميدة عما وراء شخصية ذلك المخرج الذى رأيناه فى البلاتوه يدخن بشكل شره ودائم، ويرفع صوته هنا وهناك، ويبالغ فى انفعالاته لدرجة قد تظن معها أنك أمام كائن بوهيمى يصعب التعامل معه، فيقول: «كان مرتب جدًا، منظم جدًا، كل شىء عنده بمواعيد، كل عمل محسوب عنده بالدقيقة والساعة، وكل شىء له خطة، وهذه الخطة هدفها تسهيل العمل، وإذا لم تنفذ هذه الخطة سيكون الشغل المطلوب أصعب ألف مرة على الفريق».

ورغم كثرة أحاديث محمود حميدة عن يوسف شاهين، فإن القاسم المشترك الذى يجمعها كلها، هو تلك اللمعة الرومانسية التى تبرق فى عينى الابن حين يتحدث عن أبيه الروحى الذى ترك فى نفسه أثرًا لا يزال حاضرًا أو متجددًا، رغم شخصية «حميدة» الذى يغلب على مظهرها الصرامة والجدية.

لكن يوسف شاهين الابن يظلّ لغزًا محيرًا، خاصة فى مراحل طفولته الأولى؛ فالسرديات المتداولة فى كتب التوثيق والموسوعات الإلكترونية تبدو ناقصة، وكأنها لا تكشف إلا القشرة الخارجية من حياته، هناك فراغ إذا ما امتلأ لانكشف الكثير من ملامح شخصيته، خصوصًا ذلك الحس الأبوى الذى ميّز علاقته بتلامذته.

المصادر المتاحة تخبرنا أنه نشأ فى بيت له حضور أبوى صارم؛ والده جبرائيل أديب شاهين، المحامى اللبنانى الأصل القادم من «زحلة»، كان يصرّ على أن يسلك ابنه طريقًا تقليديًا يضمن له الاستقرار، بينما والدته اليونانية الأصل «الخياطة»، كانت أكثر انفتاحًا ودعمًا لشغفه بالفن.

ربما هذا التناقض بين الصرامة والاحتضان شكّل بيئة متعددة الأصوات فى بيت الإسكندرية، حيث اختلطت اللغات والثقافات، وولّد فى داخله صراعًا مبكرًا بين الطموح الشخصى والقيود العائلى المفروضة عليه.

لكن إصراره على الفن غلب فى النهاية، فأقنع والده بالسفر إلى الولايات المتحدة لدراسة الفنون المسرحية فى باسادينا، ليبدأ رحلته رغم المعارضة الحادة.

ومن هنا يمكن قراءة أثر تلك التجربة، حيث يمكن أن يكون الصدام مع الأب قد جعله أكثر وعيًا بقيمة الدعم، فمارس لاحقًا دور الأب الراعى داخل البلاتوه وخارجه، ليمنح تلامذته الثقة ويحتضن تجاربهم الأولى حتى لو كان فى ذلك مخاطرة فى مدى تحقيق النجاح.

وكما تحدّى رغبة والده، تحدّى أيضًا تقاليد السينما المصرية التى كانت تعتمد على النجوم الكبار، ففتح الباب أمام وجوه جديدة مثل محسن محيى الدين، وخالد النبوى، وهند صبرى، وهانى سلامة، متعاملًا معهم بروح الأستاذ الذى يرى أن الممثل لا يكتفى بالموهبة، إنما يحتاج إلى ثقافة ووعى وتكوين نفسى مختلف.

هذا البعد الشخصى ربما انعكس أيضًا على الشاشة؛ ففى رباعيته الذاتية «إسكندرية ليه؟ وحدوتة مصرية، وإسكندرية كمان وكمان، وإسكندرية نيويورك»، جسّد الأب كرمز للسلطة التقليدية التى تفرض القيود، بينما ظهرت الأم كصوت الاحتضان والدعم.

فى «إسكندرية ليه؟» بدا الأب محافظًا يريد لابنه مسارًا عمليًا، وفى «حدوتة مصرية» ظلّ حاضرًا كظل يذكّره دائمًا بالمسئولية، أما الأم فمثلت الحضور الحنون الذى يخفف من الصرامة ويمنح الثقة والدعم.

ويمكن أن نقول إن هذه التجليات امتلكت أكثر من بعد أو كانت أكبر من مجرد شخصيات درامية، لتكون انعكاسًا مباشرًا لتجربة «شاهين» الشخصية، التى تحولت لاحقًا إلى فلسفة تربوية وفنية أثرت فى أجيال كاملة من الممثلين، وتجلت فى علاقات أكبر من مجرد الشراكة الفنية، خاصة علاقته بالممثل الاستثنائى محسن محيى الدين.

كل الشواهد تقول بعلاقة شديدة الخصوصية كانت بين يوسف شاهين وتلميذه النجيب «ألفة جيله» محسن محيى الدين، وكل الشواهد تقول أيضًا إن هناك تفاصيل كثيرة تمتلئ بها تلك المساحة الغامضة بين الرجلين.

هل كانت العلاقة تحمل كل هذه «الندية» التى يحاول محسن محيى الدين أن يصدّرها دائمًا للمشاهد فى كل لقاء يتحدث فيه عن يوسف شاهين؟!

ربما، لكن فى تصورى أن الأقرب إلى الحقيقة أن تلك العلاقة كانت كبيرة وعميقة، وأكبر من مجرد شراكة فنية تقليدية بين أستاذ وتلميذ، وأنها انتهت- كما تخرج الشوكة من اللحم- بشكل مؤلم أو شديد الألم.

العلاقة بين يوسف شاهين ومحسن محيى الدين بدأت فى أواخر السبعينيات، مع فيلم «إسكندرية ليه؟» «١٩٧٩»، الذى كان نقطة الانطلاق الحقيقية للنجم الصاعد فى السينما.

واختاره «شاهين» ليجسد شخصية شديدة القرب من سيرته الذاتية، إذ قال له بوضوح: «إنت بتمثلنى أنا، راقبنى كويس وشوف أنا بتصرف إزاى»، وجعل هذا التوجيه المباشر «محسن» يشعر أنه يؤدى دور عمره، وأن هذا الدور ليس مجرد شخصية مكتوبة، إنما انعكاس لشخصية «شاهين» نفسه.

هل كان التألق الكبير لمحسن محيى الدين نتاج موهبته وقدراته الفنية الاستثنائية فقط؟ أم أن «أثر الفراشة» أو لنقُل «أثر شاهين»، كان له وقع السحر فى تدعيم ذلك الحضور الفنى الهائل والاستثنائى تمامًا لدى ذلك الممثل الشاب؟

كما لا توجد إجابة كاملة، لا يمكن أيضًا إغفال تأثير «شاهين» على نجومه الشباب الذين صنعهم على عينه واحتضنهم بكل رومانسية وتدليل أبوى حميم.

ومنذ تلك اللحظة، تحولت العلاقة إلى ما يشبه الأستاذية والأبوية الفنية الكاملة بين «جو» و«محسن»، ففى «حدوتة مصرية» «١٩٨٢»، منحه «شاهين» مساحة أكبر ليكون صوتًا لجيل جديد، معبرًا عن أسئلة الهوية والحرية التى شغلت المخرج طوال مسيرته، وفى «إسكندرية كمان وكمان» «١٩٩٠»، استمر التعاون لكن بدأت تظهر ملامح اختلاف فى الرؤى.

هذا الاختلاف يحكى عنه «محسن» فى ندوة فنية فى «الدستور»، بقوله: «مع الوقت بدأت أشعر إن يوسف شاهين يرى فىّ امتدادًا لحلمه، وكأنه يعتبرنى تعويضًا عن عدم دخوله مجال التمثيل».

فى «اليوم السادس» «١٩٨٦»، بلغ التوتر ذروته، إذ شعر «محسن» بأن تدخلات «شاهين» فى تفاصيل التمثيل تقيّد حريته الإبداعية، فيقول: «كان يتدخل فى أدائى بطريقة مبالغ فيها، وأنا بطبعى فنان حر، لا أحب القيود».

فهل كان مجرد التدخل فى الأداء التمثيلى ومحاولة فرض وجهة نظر فنية معينة، هو السبب الوحيد الذى يجعل محسن محيى الدين يترك العمل مع مخرج كبير ملء السمع والبصر والتاريخ بحجم يوسف شاهين؟! 

وانتهت العلاقة بالانفصال، لكن يبقى أن كل أحاديث «محسن» عن تلك الشراكة، كانت لا تخلو من «لوعة» أو «مرارة» ما يحاول هو أن يخفيها، فبعد ذلك بسنوات قليلة يمتلئ درب «محسن» ببعض العثرات الفنية والإنتاجية، وينتهى المطاف به بالاعتزال لنحو ٢٠ عامًا قبل أن يعود فى ٢٠١٣.

العلاقة بين يوسف شاهين ومحسن محيى الدين، كانت النموذج الأكثر توهجًا لأبوية «جو» المستترة تحت جلده، حيث بدأت باحتضان كامل، ثم فتح الباب على مصراعيه أمام الشاب الصاعد ليكون ممثلًا رئيسيًا فى مشروعه الإبداعى الرئيسى، لتتطور إلى علاقة مركبة يصعب حصرها فقط فى فكرة الرعاية أو التبنى.

وربما تلك الثنائية هى التى جعلت تجربة محسن محيى الدين محطة استثنائية فى تاريخ السينما المصرية، وحكايته مع «جو» إحدى أبرز الصفحات الملتبسة فى تاريخ الفن المصرى.