الأحد 26 يوليو 2026
المحرر العام
محمد الباز

هـوس.. فيلم بميزانية إعلان يصنع الرعب حول العالم

حرف

- الفيلم يحكى عن لعبة غامضة تمنح «أمنية واحدة» فتتحوّل إلى لعنة 

أطلق فيلم «Obsession 2025» أو «هوس» عاصفة جماهيرية لم يكن أحد يتوقعها من فيلم صغير صُنع بميزانية لا تكفى لإنتاج إعلان تليفزيونى، ليُحطم بذلك شباك التذاكر ويشعل فضاء الحديث على مواقع التواصل الاجتماعى.

«هوس» هو العمل الروائى الطويل الأول للمخرج «اليوتيوبر» كيرى باركر، الذى خرج من دائرة الإنتاج المستقل بميزانية متواضعة لم تتجاوز 750 ألف دولار، ليصنع واحدًا من أكبر مفاجآت السينما العالمية فى 2026. 

ينتمى الفيلم إلى نوع الرعب النفسى الممزوج بالكوميديا السوداء، ويستند إلى تيمة كلاسيكية مألوفة: «احذر مما تتمنى»، لكنه يقدّمها بمعالجة غير متوقعة وصادمة، عبر قصة لعبة غامضة تمنح أمنية واحدة فتتحوّل إلى لعنة وخليط من الكوابيس، لدرجة أن أغلب مشاهديه أجمعوا على أمر واحد، وهو أن تصوراتهم عن الحب والأمنيات والحرية ليست كما كانت قبل مشاهدة العمل! 

منذ عرضه الأول فى مهرجان تورونتو السينمائى، ثم وصوله إلى دور العرض فى مايو ٢٠٢٦، اجتاح الفيلم شباك التذاكر محققًا إيرادات تجاوزت ٤٠٠ مليون دولار، ليضع نفسه فى قائمة الأفلام الأعلى ربحًا عالميًا فى تاريخ أفلام الرعب.

إلى جانب نجاحه التجارى، أثار «هوس» جدلًا واسعًا بين النقاد والجمهور، حيث اعتبره البعض تحفة فنية مستقلة كسرت هيمنة «هوليوود» التى تعتمد على الإمكانيات الضخمة والميزانيات الهائلة.

ولم تأت طاقة الرعب فى «هوس» من الدماء أو الصرخات إنما من ذلك الخوف المتسلل الذى يزرعه فى العقل ويظل يتردد حتى بعد انتهاء العرض، وتحول ذلك بين المشاهدين من الأوساط الشبابية تحديدًا إلى مادة للنقاش والجدل، وانتشرت المقاطع القصيرة التى تتحدث عنه على «تيك توك» مصحوبة بتعليقات مثل: «هذا ليس حبًا، هذا جحيم».

فكيف صنع «هوس» كل هذا الرعب فى قلوب من شاهدوه، وكيف يمكن أن تتحول أمنياتنا إلى لعنات تطاردنا وتدمر حيواتنا؟

يُكنّ بارون «بير» بيلى، مشاعر عاطفية لصديقته منذ الطفولة نيكى فريمان، التى تعمل معه فى متجر للموسيقى إلى جانب صديقيهما «إيان» و«سارة». 

وكان «بير» قد فقد قطته «ساندى» بعدما ابتلعت بعض حبوب الأوكسيكودون، ثم تقنعه «نيكى» لاحقًا بالخروج للترفيه عن نفسه، وبينما يشترى هدية لها من متجر لـ«الروحانيات»، يبتاع لعبة غريبة تُسمى «صفصاف الأمنية الواحدة»، يُزعم أنها تحقق أمنية عند كسرها.

فى تلك الليلة، يوصل «بير» «نيكى» إلى منزلها، فتسأله بانزعاج إن كان معجبًا بها، لكنه ينكر خوفًا من الرفض، فتنصرف ويغضب هو من نفسه ويكسر اللعبة متمنيًا أن تحبه «نيكى» أكثر من أى شخص فى العالم. 

تظهر «نيكى» مجددًا وتطلب المبيت فى منزله، وتخبره أن والدها يحتضر بسبب السرطان، وفى سريره تقبّله ثم تصرخ فجأة وتدفعه بعيدًا، فيقرر النوم على الأرض.. «لم تنته الأشياء الغريبة بعد أيها القارئ».

فى الصباح، تنتشل «نيكى» جسد القطة «ساندى» من القمامة! وتعدّ له مشهدًا تذكاريًا غريبًا، ما يثير انزعاج «بير»، وتفسر هى لاحقًا تصرفاتها المضطربة بأنها نتيجة تناولها منشطات «إم دى إم إيه»، ثم تعترف بمشاعرها تجاهه. 

يدخل الاثنان فى علاقة عاطفية، فيزداد ارتباك صديقيهما «إيان» و«سارة» أمام ما يحدث، فيخبر «إيان» «بير» أن «نيكى» كانت قد أبدت عدم اهتمامها به قبل ارتباطهما بقليل، وأن والدها بصحة جيدة.. «أى أنها تكذب عليه». 

وحين يواجهها «بير» بذلك، تنزعج وتطالبه بألا يذكر الأمر مرة أخرى، وفى تلك الليلة، تراقبه وهو نائم وتتهمه بأنه لا يحبها بقدر ما تحبه، ثم تغطى الباب الأمامى بشريط لاصق حتى تسده تمامًا، ويفاجأ «بير» بالشريط وهو يغادر إلى عمله فيمزقه بصعوبة بالغة، ليكتشف فى العمل أن «نيكى» أعدت له شطيرة من بقايا قطته «ساندى».

يتصل «بير» بخدمة العملاء الخاصة بـ«صفصاف الأمنية الواحدة» أملًا فى تعديل أمنيته، فيُخبره الصوت أن الأمنية لن ينتهى مفعولها إلا بموت أحدهما! 

وترافقه «نيكى» إلى حفلة «إيان» رغم اعتراضه، وهناك تروى نسخة عنيفة وجنسية من قصة «هانسل وغريتل»، ثم تبدأ بالصراخ وطعن وجهها بزجاجة مكسورة قبل أن تعود إلى وعيها، ولاحقًا تهدد بالانتحار لإجباره على النوم بجانبها.

فى الليلة نفسها، ترسل «سارة» رسالة إلى «بير» تطلب لقاءه، لكنه حين يحاول المغادرة يخرج صوت من «نيكى» يقول إنها «نيكى» الحقيقية وأن شخصيتها المهووسة نائمة، وتتوسل إليه أن يقتلها فيرفض. 

وفى سيارة «سارة»، تكشف له عن أنها و«إيان» كانا فى علاقة عابرة، وتلمّح إلى انجذابها إليه، فتظهر «نيكى» فجأة وتحطم النافذة وتقتل «سارة» بقطعة طوب، ثم تذكّره بأن هذا ما تمنّاه.

ويشترى «بير» لعبتين إضافيتين من «صفصاف الأمنية الواحدة» ويحاول استخدام إحداهما لعكس أمنيته، لكنها لا تنجح. فيطلب من «إيان» أن يستخدم الأخرى لإبطال الأمنية، لكن الأخير يتمنى مليار دولار فتنهال النقود من السقف. 

ويعود «بير» إلى منزله ليجد جثة «سارة» و«نيكى» ترتدى ملابسها، ثم تهدده بمسدس، ويصل «إيان» فتطلق «نيكى» النار على رأسه وتقتله فى مشهد عبثى، فيقرر «بير» تناول جرعة مفرطة من الأوكسيكودون لإنهاء حياته وبالتالى إنهاء أثر الأمنية، لكنه يتراجع ويحاول التقيؤ، وقبل أن ينجح تستخدم «نيكى» اللعبة الأخيرة عليه متمنية أن يحبها، فيخرج من الحمام مهووسًا بها ويقبّلها قبل أن ينهار بسبب الجرعة.

وتستعد «نيكى» لإطلاق النار على نفسها حزنًا على موت حبيبها، لكنها حين يموت «بير» تعود إلى شخصيتها الحقيقية بعدما يزول أثر الأمنية، وتبدأ بالنحيب أمام مشهدى القتل والدمار من حولها.

حين ننظر إلى فيلم «هوس» (Obsession) من زاوية فلسفية، بعيدًا عن مجرد كونه تجربة رعب نفسى، نجد أن جوهر الحكاية يقوم على سؤال وجودى، ماذا يحدث حين تتحول الرغبة الطبيعية فى الحب إلى أمنية مفروضة على الآخر؟ هنا يضعنا الفيلم أمام معضلة الحرية والإرادة، وهى قضية ناقشها الفلاسفة منذ القدم.

«بير» حين كسر لعبة «صفصاف الأمنية الواحدة» لم يطلب الحب، بل فرضه، وهنا يظهر البعد الفلسفى الذى يذكّرنا بما قاله جان بول سارتر عن الحب، إنه محاولة للسيطرة على حرية الآخر، لكنه فى الوقت نفسه بحث عن معنى وجودى، فالأمنية التى يطلبها «بير» تلغى حرية «نيكى»، وتجعلها أسيرة مشاعر لا تختارها، وهو ما يحوّل العلاقة إلى سجن نفسى.

من جهة أخرى، يمكن قراءة الفيلم فى ضوء أفكار «أفلاطون» عن الحب باعتباره رغبة فى الاتحاد مع النصف الآخر، لكن الفيلم يقلب هذه الفكرة رأسًا على عقب، فالاتحاد هنا ليس انسجامًا، إنما هوس مرضى يذيب الحدود بين الذات والآخر حتى يفقد الطرفان استقلالهما.

كما يذكّرنا الفيلم بطرح ابن حزم الأندلسى فى «طوق الحمامة» حين وصف الحب بأنه اتصال بين النفوس، لكنه اتصال يقوم على الاختيار والانسجام لا على الإكراه، أما فى «هوس» فالاتصال قائم لكنه مشوّه لأنه مفروض عبر قوة سحرية فيتحول إلى لعنة.

النهاية المفتوحة التى تترك سؤالًا «من هو المهووس الحقيقى؟» بلا إجابة، تعكس فكرة «نيتشة» عن أن الإنسان يعيش دائمًا بين إرادة القوة وإرادة الفناء، فـ«بير» أراد القوة عبر امتلاك حب «نيكى»، لكنه انتهى إلى الفناء، و«نيكى»، التى تحولت إلى أداة لهذه الأمنية عاشت مأساة فقدان ذاتها حتى لحظة الانهيار.

وانعكست فكرة الحب المفروض والإرادة المسلوبة مباشرة فى لغة الصورة، فالكاميرا كثيرًا ما تقترب من الوجوه فى لقطات ضيقة، لتجعل المشاهد أسيرًا مع الشخصيات، كما لو أن العدسة نفسها تفرض القرب القسرى الذى يعانيه «بير» من «نيكى»، كما عكست الإضاءة الخافتة والمتذبذبة بين الدفء والبرودة التحوّل من لحظة رومانسية إلى كابوس نفسى وكأن الحب نفسه يتبدل فى كل مشهد، حتى استخدام المساحات المغلقة، مثل غرفة النوم أو المطبخ يرسّخ فكرة السجن العاطفى الذى لا مفر منه.

أما الأداء التمثيلى فجاء متماهيًا مع تلك الفكرة الفلسفية، إذ تؤدى «نيكى» دورها بحدة عاطفية مبالغ فيها لتجسّد الحب الذى يتحول إلى هوس، بينما «بير» يظهر مترددًا صامتًا وكأنه فاقد للقدرة على اتخاذ القرار. 

وصمم المسار السردى نفسه ليحاكى فكرة الأمنية التى تتحول إلى لعنة، فالبداية الهادئة ثم التصاعد التدريجى فى التوتر، وصولًا إلى الانفجار العاطفى فى النهاية يشبه رحلة فلسفية من الرغبة إلى الفناء، كما يترك الإخراج النهاية مفتوحة بلا إجابة ليؤكد أن سؤال «من هو المهووس الحقيقى؟» لن يُحسم أبدًا.

وحتى التفاصيل الصغيرة، مثل مشهد الشطيرة المصنوعة من بقايا القطة، أو لعبة «جينغا» التى استخدمت فى جلسة الأصدقاء، تحولت من مجرد عناصر رعب إلى رموز فلسفية عن فقدان الحدود بين الحب والجنون، وتمكن  المخرج من توظيف هذه الرموز ليجعل المشاهد يعيش التجربة كمرآة داخلية لمخاوفه.

يمكن فهم تأثير فيلم «هوس» (Obsession) على المشاهدين، خاصة لدى شريحة الشباب، من خلال مزيج من العوامل النفسية والاجتماعية التى جعلت التجربة السينمائية تتجاوز حدود الشاشة.

من الناحية النفسية، يضع الفيلم المشاهد أمام تجربة فقدان السيطرة على الذات والعلاقة، وهو قلق أساسى لدى الشباب الذين يعيشون مرحلة البحث عن الهوية العاطفية، فالأمنية التى يطلبها «بير» تمثل رغبة دفينة فى ضمان الحب، لكنها تتحول إلى كابوس حين يصبح الحب مفروضًا، وهو ما يعكس الخوف من العلاقات السامة والارتباط المرضى، وهذا التوتر النفسى جعل الشباب يشعرون أن الفيلم يتحدث عنهم مباشرة، عن هواجسهم فى الحب والحرية والاختيار.

أما من الناحية الاجتماعية، فجاء الفيلم فى وقت تتزايد فيه الضغوط على العلاقات بفعل وسائل التواصل الاجتماعى، فتُقاس المشاعر بالظهور العلنى والاعتراف الرقمى، حيث تظهر شخصية «نيكى» المهووسة فى نظر كثير من الشباب كصورة «الشريك المراقب» الذى يلاحق كل تفاصيل الحياة عبر الإنترنت، ما جعل الفيلم يبدو كمرآة لواقعهم. 

كما أن لغة الإخراج والأداء التمثيلى عززت هذا التأثير، من ناحية الكاميرا القريبة والفضاءات المغلقة التى جعلت المشاهد يعيش تجربة الاختناق العاطفى، فضلًا عن الأداء المفرط لـ«نيكى» المهووسة، فتحولت تلك الفنيات إلى ترجمة مباشرة للهواجس النفسية والاجتماعية التى تعيشها الأجيال الجديدة.

ولا يمكن قراءة فيلم «هوس» إلا بالنظر لكونه نتاجًا مباشرًا لذهنية مخرج ينتمى إلى جيل «الأنفلونسرز» وصنّاع المحتوى على «يوتيوب»، يخوض تجربته السينمائية الطويلة الأولى، وهى خلفية انعكست بوضوح على طبيعة الفيلم سواء فى موضوعه أو فى أسلوبه الفنى.

المخرج كيرى باركر، القادم من فضاء الإنترنت، تعامل مع السينما بنفس الروح التى يتعامل بها صانع المحتوى مع جمهوره، إثارة سريعة ومشاهد صادمة ولحظات مصممة لتصبح قابلة للاقتباس والمشاركة على المنصات. 

لذلك نجد أن الفيلم ملىء باللقطات التى تبدو وكأنها «مقاطع قصيرة» جاهزة للانتشار، مثل مشهد الشطيرة المصنوعة من بقايا القطة أو انهيار «نيكى» بالبكاء، أو صرخاتها الهستيرية العجيبة، وهى مشاهد تمثل انعكاسًا لثقافة «اليوتيوب» التى تبحث عن اللحظة الأكثر إثارة لتجذب الانتباه.

من الناحية الاجتماعية، دخول فريق عمل من خلفية «يوتيوب» إلى السينما لأول مرة، جعل الفيلم أقرب إلى لغة الشباب، لأنه يتحدث بلغتهم البصرية السريعة والمباشرة، فبعض الممثلين والصناع المشاركين فى العمل، هم أيضًا من صانعى المحتوى، ما أضفى على الأداء طابعًا تلقائيًا غير مصقول بالكامل، لكنه فى الوقت نفسه منح الفيلم صدقًا وجرأة فى التعبير، فى تجربة مختلفة عن الإنتاجات الهوليوودية التقليدية، أقرب إلى «فيديو طويل» لكنه مشبع بالرمزية الفلسفية.

كما وجدت الفلسفة التى يقوم عليها الفيلم- فكرة الحب المفروض وفقدان الحرية- صداها فى أسلوب الإخراج الذى يميل إلى المباشرة والصدمة، وكأن المخرج يترجم قلقه الشخصى كصانع محتوى يعيش تحت ضغط الجمهور إلى قصة سينمائية عن علاقة مسمومة.