سحر الفراعنة.. 5 دراسات عالمية تعيد اكتشاف «ناس» مصر القديمة
- لا دليل يشير إلى قتل الكلاب أو القطط عمدًا وقبور خاصة مع الطعام للقرود
- الأكل «نباتى» فى الغالب والعمل 24 يومًا شهريًا مع «إجازات مرضية بأجر»
بعد آلاف السنين لا تزال مصر القديمة قادرة على تقديم حكايات جديدة، ليس فقط من خلال المقابر والتماثيل والاكتشافات الأثرية الكبرى، ولكن عبر تفاصيل صغيرة ظلت طويلًا بعيدة عن دائرة الضوء؛ فالأبحاث والإصدارات العلمية الحديثة لم تعد تسأل فقط من بنى هذا المعبد؟ ولأى ملك ينتمى هذا الأثر؟ وإنما تتجه بصورة متزايدة إلى سؤال أكثر قربًا من القارئ: كيف عاش المصرى القديم فعلًا؟
من هنا، تأخذنا مجموعة من الدراسات والمشروعات البحثية الحديثة إلى قلب الحياة اليومية للمصريين قبل آلاف السنين؛ لنكتشف كيف كان المصرى القديم يعمل ويحصل على أجره، وماذا كان يرتدى بعيدًا عن الملابس المثالية التى تظهر على جدران المقابر، وماذا كان يأكل، وكيف تعامل مع الحيوانات التى عاشت إلى جواره؟.

نظام العمل: الحضور 8 أيام ويومان للراحة.. والراتب قمح وشعير والغياب مسموح للمرض
قبل أكثر من ٣ آلاف عام، كان عمال المقابر الملكية فى دير المدينة بالأقصر يعيشون حياة مهنية احترافية تشبه نظم العمل فى العصر الحديث، فهناك أيام للعمل وأخرى للراحة، وكشوف للحضور والغياب، وأجور منتظمة، ورؤساء يحصلون على رواتب أعلى، وإجازات بسبب المرض أو المناسبات العائلية.
و«دير المدينة» قرية سكنية أثرية فى البر الغربى بالأقصر، أنشأتها الدولة المصرية لإقامة العمال والحرفيين المتخصصين الذين كانوا يحفرون ويزخرفون المقابر الملكية فى وادى الملوك ووادى الملكات، خصوصًا خلال عصر الدولة الحديثة، وكان سكانها نحاتين، ورسامين، وكتبة، وعمال ومحترفى زخرفة المقابر.
وأهمية «دير المدينة» استثنائية، إذ سجل «الكتبة» بعناية أسماء الغائبين وأسباب غيابهم.
وأحد أشهر هذه السجلات، المحفوظ فى المتحف البريطانى والمؤرخ بنحو ١٢٥٠ ق. م فى عهد رمسيس الثانى، يغطى ٢٨٠ يومًا ويسجل أسبابًا شديدة الإنسانية للغياب ومنها: المرض، ومشكلات فى العين، ووفاة أحد الأقارب، وبناء المنزل، والمشاركة فى احتفال.
ولم يكن المرض يعنى تلقائيًا خصم الأجر؛ فدراسة حديثة للصحة والرعاية فى «دير المدينة»، أشارت إلى أن السجلات لا تظهر بصورة عامة خفض الأجر وفق عدد أيام الغياب.
ووفق السجلات فقد كان نظام العمل يقوم عادة على دورة من ١٠ أيام، يعمل الرجال ثمانية منها ويحصلون على اليومين التاسع والعاشر للراحة.
وبالتالى، نظريًا، خلال شهر مصرى مكوّن من ٣٠ يومًا تكون لدينا ٣ دورات، أى نحو ٢٤ يوم عمل و٦ أيام راحة، قبل احتساب الأعياد والغياب والظروف الأخرى.
أما «المرتب»، فلم يكن ظرفًا من النقود فى نهاية الشهر، وتوضح موسوعة UCLA لعلم المصريات أن العمال كانوا يحصلون على أجورهم الأساسية فى صورة حصص شهرية من الحبوب.
العامل العادى نحو أربعة أكياس من قمح الإيمر «أهم الحبوب التى اعتمد عليها المصريون القدماء فى غذائهم»، وكيس ونصف من الشعير، بينما ارتفعت حصة المشرف إلى خمسة أكياس ونصف من الإيمر وكيسين من الشعير.
كما وصلت إليهم بانتظام مواد مثل السمك والخضروات والمياه والحطب، بينما كان اللحم أقل اعتيادية ويرتبط أحيانًا بالمناسبات والأعياد. وكانت هناك أيضًا مخصصات من الزيوت والملابس فى أوقات محددة.

الأكل: الحبوب والنباتات «الوجبة الأساسية».. وقليل من الأسماك واللحوم
على جدران المقابر المصرية نرى موائد ممتلئة بالخبز واللحوم والطيور والخضروات، وطبيعى أن نسأل: هل كانت هذه فعلًا وجبة المصرى العادى؟
وللإجابة عن السؤال لجأ الباحثون إلى «الأسنان» و«العظام»؛ ففى دراسة دولية نشرتها مجلة Nature عن أول «جينوم» واسع التغطية لإنسان مصرى عاش فى عصر الدولة القديمة، أخضع الباحثون أحد أضراسه لتحليل نظائر الكربون والنيتروجين والأكسجين والسترونشيوم، فتمكنوا من استخراج معلومات عن البيئة التى نشأ فيها وما تناوله خلال طفولته.
وأظهرت النتائج أنه نشأ فى وادى النيل واعتمد على نظام غذائى مختلط، أساسه نباتات مثل القمح والشعير إلى جانب قدر من البروتين الحيوانى، مع احتمال وجود أسماك النيل فى غذائه.
وطبعًا لا يستطيع فرد واحد أن يخبرنا بما أكله جميع المصريين، لكن نتائجه تنضم إلى سلسلة من تحليلات النظائر التى أُجريت على مومياوات وبقايا مصرية من فترات زمنية مختلفة، حيث أشارت إلى أن النباتات كانت تمثل الجزء الأكبر من الغذاء، بينما كان البروتين الحيوانى أقل حضورًا.
وبالتوازى يكشف تحليل الأسنان كيف كان تناول هذا الطعام يؤثر فى الجسد؛ ففى دراسة نشرتها مجلة British Dental Journal، بعد مراجعة الأدلة الأثرية والمومياوات المصرية عبر نحو ثلاثة آلاف عام، ظهر أن أكثر مشكلات الأسنان شيوعًا لم يكن التسوس، وإنما التآكل الشديد للأسنان. والسر أن الخبز اليومى، بشكل أساسى، كان خشنًا، ويمكن أن تختلط به أثناء الطحن والإعداد جزيئات معدنية ورمال دقيقة. وفى المقابل كان تسوس الأسنان أقل شيوعًا، ويربط الباحث ذلك بطبيعة الغذاء الأقل احتواءً على الكربوهيدرات القابلة للتخمر مقارنة بأنظمتنا الغذائية الحديثة، إلى جانب الطعام الليفى والخشن.
الحيوانات: «صداقات» من كلاب وقطط ورعاية فى المرض
وصل اهتمام الدراسات الغربية إلى «حيوانات مصر القديمة»، فقد حاولت دراسة حديثة نشرتها مجلة Journal of Roman Archaeology التابعة لجامعة كامبريدج الإجابة عن سؤال: هل يمكن أن نجد علاقة بين الإنسان وحيوانه تشبه علاقتنا بالحيوانات الأليفة اليوم؟
فقد أعاد فريق من الباحثين دراسة جبانة للحيوانات فى ميناء برنيكى المصرى على البحر الأحمر، تعود إلى القرنين الأول والثانى الميلاديين خلال العصر الرومانى، وكشفت النتائج عن أن بعض الحيوانات لم تُدفن باعتبارها قرابين أو حيوانات مرتبطة بالطقوس الدينية، وإنما تشير طريقة دفنها إلى أنها عاشت إلى جوار البشر كحيوانات رفيقة، وحظيت بعد موتها بعناية خاصة، إذ وُضعت فى قبور منفردة ودفن بعضها مع أشياء وطعام.
وتضم الجبانة مئات الحيوانات، أغلبها من القطط والكلاب، لكن المفاجأة الكبرى جاءت من نحو ثلاثة عشر دفنًا لقرود المكاك القادمة من الهند.
ومصدر المفاجأة أن وجود هذه الحيوانات فى ميناء مصرى يكشف شبكة تجارة بعيدة المدى كانت تنقل الحيوانات حية عبر المحيط الهندى، لكن طريقة دفنها تكشف شيئًا أكثر إنسانية؛ إذ وُضعت بعض القرود معها أطواق، وأصداف لامعة قد تكون علامة على مكانتها، وطعام، بينما عُثر مع بعضها على حيوانات صغيرة أخرى، بينها قطط صغيرة وخنزير صغير، وهو ما دفع الباحثين إلى طرح احتمال أنها كانت بدورها رفقاء لتلك القرود.
ولم يكن الأمر مقصورًا على القرود، فالدراسات البيوأثرية السابقة للجبانة نفسها كشفت عن ٥٨٥ دفنة تهيمن عليها القطط والكلاب، وأظهرت عظام بعض الحيوانات إصابات وأمراضًا كان من الصعب معها أن تعيش وحدها من دون رعاية بشرية.
ولم يعثر الباحثون على دليل يشير إلى قتل الحيوانات عمدًا.
إذن هذا عالم كامل.. حيوانات عاشت إلى جوار البشر، ورُعيت رغم المرض، ثم لم تُلقَ أجسادها بعد الموت، وإنما مُنحت قبورًا خاصة ووضعت مع بعضها ممتلكات وطعام.
وهذه الصورة، بالطبع، لا تعنى أن كل قطة أو كلب أو قرد مدفون فى مصر القديمة كان «حيوانًا أليفًا»؛ فمشروع بحثى جديد ينفذه المتحف البريطانى بين ٢٠٢٤ و٢٠٢٧ يدرس نحو ٥٠٠ مومياء حيوانية لتمييز قصصها المختلفة؛ فالحيوان قد يكون رفيقًا للإنسان، أو مرتبطًا بمعبود، أو قُدم كنذر دينى.

الملابس: الكتان المادة الأساسية.. و«البسطاء» يلجأون إلى الترقيع
الصورة التى نعرفها للمصرى القديم على جدران المقابر، بملابسه البيضاء الناصعة والمنظمة بعناية، لا تعطى صورة كاملة؛ فالملابس التى عثر عليها علماء الآثار تكشف صورة أكثر واقعية للحياة اليومية؛ إلى جانب الأقمشة الفاخرة شديدة الرقة، كانت هناك ملابس قديمة ومستهلكة، وأخرى رُقعت وأُصلحت وأعيد استخدامها أكثر من مرة.
ويحاول مشروع بحثى فى جامعة KU Leuven البلجيكية، يستمر حتى أكتوبر ٢٠٢٦، الاقتراب من «أزياء مصر القديمة»، من خلال دراسة المنسوجات المصرية القديمة وطرق صناعتها منذ الدولة القديمة وحتى الدولة الوسطى.
وكان الكتان هو المادة الأساسية التى صنع منها المصريون ملابسهم، لكن هذا لا يعنى أن الجميع ارتدوا الملابس نفسها.
ووفق المشروع فإن الفارق بين ثوب وآخر كان يمكن أن يكون هائلًا؛ فالأثرياء امتلكوا أقمشة ناعمة ومبيضة وشديدة الرقة، تصل أحيانًا إلى درجة ظهور الجسد من خلالها، بينما تكشف قطع أخرى عن ملابس تعرضت للاستهلاك ثم أُصلحت ورُقعت بدلًا من التخلص منها.
وحتى طريقة طى الملابس يمكن أن تحكى عن صاحبها؛ فالثوب الذى حُفظ بعناية وطُوى بطريقة منتظمة قد يشير إلى أن صاحبه كان يمتلك أكثر من قطعة ملابس، ولم يكن مضطرًا إلى ارتداء الثياب القليلة نفسها كل يوم.
كما أن القماش كان شيئًا ثمينًا؛ فإذا تلف الثوب أُصلح، وإذا لم يعد صالحًا لغرضه الأول أمكن استخدام نسيجه من جديد، ثم قد تبدأ له حياة ثالثة بعد وفاة صاحبه داخل المقبرة.
وتقدم حفائر مشروع Saqqara Burials التابع لجامعة وارسو، أدلة ملموسة على ذلك؛ فقد استطاع الباحثون تجميع قطع متناثرة من منسوجات عُثر عليها فى مدافن تعود إلى الدولة القديمة، والتعرف على فساتين كتانية كاملة أو شبه كاملة.







