الثلاثاء 01 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

ما تسميه التكنولوجيا حكمًا.. كتاب جديد يفكك نفوذ قادة وادى السيليكون

حرف

- أستاذ بجامعة ستانفورد يكشف كيف تحوّل طموح قادة وادى السيليكون من ابتكار التكنولوجيا إلى ممارسة السلطة والتأثير فى المجال العام

لطالما روّج قادة وادى السيليكون لتكنولوجياتهم باعتبارها قادرة على إحداث تحولات جذرية، وكان لمنتجاتهم، بما فى ذلك الهواتف الذكية ومحركات البحث والتسوق عبر الإنترنت، تأثير لا يمكن إنكاره فى المجتمع.

لكن هذا الطموح إلى إحداث التحول تطوّر إلى هدف أكبر من مجرد بيع المنتجات، وفقًا لأستاذ جامعة ستانفورد أدريان دوب، وهى الفكرة التى يطرحها فى كتابه الجديد «ما تسميه التكنولوجيا حكمًا»، الصادر فى نسخته الإنجليزية عن مطبعة جامعة ستانفورد.

فى كتابه الجديد، يبنى دوب على الأفكار التى طرحها فى كتابه الصادر عام 2020، «ما تسميه التكنولوجيا تفكيرًا»، والذى جرّد أسطورة وادى السيليكون عن الجِدّة والابتكار من بريقها. يكتب دوب، الأستاذ فى كلية العلوم الإنسانية والعلوم بجامعة ستانفورد: خلال السنوات الخمس الماضية، توقفت الشركات عن أن تعدنا بتغيير العالم، وأصبحت تكتفى بدلًا من ذلك بالهيمنة عليه. لقد نفدت قدرتها على الإقناع؛ وما تبقى هو القوة المجردة.

أدريان دوب
أدريان دوب

يستكشف المؤلف الأفكار المتعلقة بالسياسة والقوة والهيمنة التى تميّز قطاع التكنولوجيا، وكيف تشكّلت هذه الأفكار، فيرصد خيطًا ناظمًا فى الطريقة التى يحاول بها هؤلاء القادة فى قطاع التكنولوجيا ممارسة نفوذهم، بدءًا من أسرهم وعلاقاتهم الشخصية، ووصولًا إلى الفضاءات العامة. 

يقدم دوب قراءة فكرية نقدية للتحول الذى طرأ على الخطاب والمزاج السياسى فى وادى السيليكون، مفنّدًا الاعتقاد الشائع بأن قطاع التكنولوجيا شهد تحولًا سياسيًا شاملًا. ويرى، على العكس، أننا أمام توجه أكثر تشددًا لدى نخبة من المليارديرات؛ مجموعة صغيرة من رجال التكنولوجيا، مثل مارك أندريسن وإيلون ماسك وبيتر ثيل، اتجهوا أكثر نحو اليمين، ليس لأنهم أعادوا تقييم مواقفهم بناءً على معلومات أو معطيات جديدة، وإنما فى إطار رد فعل محافظ على الضغوط الاجتماعية التى تصاعدت بعد جائحة كورونا، وعلى تنامى المطالب بالمحاسبة التى ارتبطت بحركتى «أنا أيضًا» «MeToo»، و«حياة السود مهمة» «BLM».

فى مقابلة له نشرت فى موقع «Straight White American Jesus»، يناقش أدريان دوب، أطروحة كتابه الجديد ويكشف كيف تحولت نخبة وادى السيليكون من مبتكرين إلى قوة سياسية متطرفة ترفض الاعتراف بسلطتها.

يرى المؤلف، فى حواره، أن تقديم الذكاء الاصطناعى باعتباره قوة هائلة لا يمكن السيطرة عليها يمكن أن يكون وسيلة سياسية للتهرب من القواعد والرقابة الديمقراطية، باعتبار أن مواجهة قوة لا يمكن إيقافها تبدو بلا جدوى. 

يشير أدريان دوب إلى أن كتابه الجديد هو امتداد لكتابه الأول «ما تسميه التكنولوجيا تفكيرًا- «What Tech Calls Thinking»، الصادر عام ٢٠٢٠، موضحًا أن كلمة «تسمى» فى العنوان مقصودة؛ فهو لا يتعرض لكيف تفكر شركات التكنولوجيا بقدر ما يتناول ما تقدمه هذه الشركات على أنه تفكير وعمل فكرى و«قيادة فكرية». 

وأوضح أن الفكرة جاءت بعدما اقترح عليه أحد المحررين كتابة «تاريخ فكرى لوادى السيليكون»، وهو ما رفضه، لأن النخب التكنولوجية، فى رأيه، لا تنتج بالضرورة أفكارًا متماسكة بقدر ما تلتقط بعض الأفكار والمصطلحات، ثم تعيد توظيفها داخل أساطيرها الخاصة وتقدمها بوصفها فكرًا.

يوضح الكاتب أن الفكرة نفسها تنطبق على كتابه الجديد، إذ إن هذه النخب تمارس السلطة، لكنها لا تبدو واعية بأنها تحكم. فعندما يقال لهم إنهم أصحاب القرار وإن نفوذهم يفرض عليهم مسئوليات والتزامات، يتعاملون مع الأمر كما لو كان اتهامًا أو إهانة، رغم أنهم يواصلون التأكيد على أن تكنولوجياتهم ستعيد تشكيل العالم. 

ومن هنا، فإن الكتاب لا يبحث فى «كيف يحكمون»، لأن طرق ممارستهم للسلطة واضحة، وإنما فى «ما يسمونه حكمًا»؛ أى الطريقة التى تنظر بها قادة التكنولوجيا إلى ممارسة السلطة، مع رفضهم الاعتراف بما يترتب على امتلاكها لها من مسئوليات وقيود أخلاقية واجتماعية.

يرى دوب أن جائحة كورونا كانت إحدى اللحظات التى عمّقت هذا التحول لدى النخبة التكنولوجية. فمن ناحية، وجد هؤلاء أنفسهم خاضعين، مثل الجميع، لقيود وإجراءات الدولة، وهو ما اعتبروه نوعًا من الإهانة أو التضييق. ومن ناحية أخرى، كانت الجائحة اختبارًا صعبًا للصورة التى رسخها وادى السيليكون عن نفسه بوصفه قادرًا على حل المشكلات الكبرى بالتكنولوجيا. ففى بداية الأزمة، طُرحت حلول تقنية عديدة بوصفها طريق الخروج من الجائحة، من تطبيقات تتبع المخالطين إلى استخدام تقنيات شركات مثل بالانتير، بل وحتى مقترحات تستند إلى تقنية البلوك تشين. لكن فى النهاية، لم تكن هذه الحلول هى التى أعادت الحياة إلى طبيعتها؛ فقد جاءت الاستجابة الحاسمة من المؤسسات الطبية والحكومات، وصولًا إلى اللقاحات والإجراءات الصحية العامة. ويرى دوب أن ذلك شكّل نوعًا من الإخفاق الرمزى لنخبة اعتادت الاعتقاد بأن التكنولوجيا قادرة على إصلاح كل شىء. 

حول الدافع وراء كتابه الأول، يبين أدريان دوب أنه بدأ التفكير فى الموضوع منذ عامى ٢٠١٢ و٢٠١٣، عندما لاحظ توجه بعض أذكى طلابه إلى العمل فى قطاع التكنولوجيا، بدافع اعتقادهم أنهم يستطيعون إحداث تغيير إيجابى فى العالم. ولم يكن يرى فى اختيارهم العمل فى القطاع مشكلة بحد ذاته، لكنه فوجئ بما رآه قدرًا من السذاجة فى تصورهم لدور شركات التكنولوجيا وقدرتها على إحداث هذا التغيير. ودفعه ذلك إلى محاولة فهم ما الذى يجعل هؤلاء الشباب يرون هذا الخطاب مقنعًا. لكن مع مرور الوقت، أصيب كثير من طلابه أنفسهم بخيبة أمل بعد العمل داخل شركات التكنولوجيا، وعادوا إليه ليحكوا له عما يجرى فيها من الداخل، ما منحه نافذة مميزة لفهم القطاع. 

وبالتزامن، بدأ أصدقاء له فى وادى السيليكون يشعرون هم أيضًا بأن شيئًا ما لم يعد على ما يرام، وأن الصورة المثالية التى كانت سائدة عن وادى السيليكون باعتباره نموذجًا يعرف كيف يفعل الأشياء على نحو أفضل بدأت تتآكل.

يلفت دوب إلى أن هذا التحول بدأ يتبلور مع فضيحة كامبريدج أناليتيكا «استغلال البيانات»، وبحلول عامى ٢٠١٨ و٢٠١٩ أصبح الاعتقاد بأن شركات التكنولوجيا تمثل مشكلة هو السائد بشكل متزايد. ولم تتقبل النخبة التكنولوجية هذا التحول جيدًا، بعدما اعتادت أن تحظى بالإعجاب والتقدير، بدلًا من أن تواجه أسئلة عن نفوذها وممارساتها. 

يشدد دوب على أن كتابه لا يقدم صورة شاملة لموظفى شركات التكنولوجيا، وإنما يركز بصورة متزايدة على الطبقة العليا من وادى السيليكون، ولا سيما المليارديرات الأكثر حضورًا فى الإعلام، الذين شهدوا منذ عام ٢٠٢٠ تحولًا سياسيًا حادًا نحو مزيد من التطرف، بينما لم يطرأ التغيير نفسه بالقدر ذاته على بقية العاملين فى القطاع.

وحول القواسم المشتركة فى تصور نخبة التكنولوجيا للسلطة، يقول دوب إنهم يتعاملون مع السلطة كما لو أنها قوة يمكن ممارستها مباشرة، من دون أن تواجه عوائق أو تحتاج إلى تفاوض مع المجتمع. ويظهر ذلك بوضوح، بحسبه، فى حديثهم عن الذكاء الاصطناعى باعتباره قوة طبيعية أو قدرًا محتومًا، مع أن أى تكنولوجيا لا تدخل المجتمع بهذه السهولة، بل تخضع لاختيارات بشرية وسياسية تحدد كيفية استخدامها وما ينبغى السماح به أو منعه. ويرى دوب أن هذا التصور يجعل أصحاب التكنولوجيا أنفسهم أحيانًا يبدون كأنهم متفرجون على نفوذهم، مستشهدًا بإيلون ماسك الذى يبدو، رغم نفوذه الهائل، مندهشًا أحيانًا من حجم تأثيره.

يقول دوب إن المفارقة تكمن فى أن هؤلاء الأشخاص يمارسون نفوذًا واسعًا، لكنهم لا يتعاملون مع أنفسهم بوصفهم أصحاب سلطة يتحملون مسئولياتها. ويرى أن هذا يشبه، إلى حد كبير، طريقة إدارة ترامب؛ إذ يمكن لمن هم فى موقع السلطة أن يتحدثوا كما لو كانوا خارجها، ويطالبوا الآخرين بـ«فعل شىء ما». واستشهد بمشهد من فيلم «القيامة الآن»، حين يسأل أحدهم: «من المسئول هنا؟»، فيأتيه الرد: «ألستَ أنت؟». وهى المفارقة التى يلخص بها دوب فكرته: إذا كنتم أصحاب القرار، فالسلطة فى أيديكم أنتم، والمسئولية تقع عليكم أيضًا.

وحول العلاقة بين قادة التكنولوجيا والخيال العلمى، قال دوب إن بعض كبار المستثمرين ورجال التكنولوجيا يتحدثون عن الذكاء الاصطناعى كما لو كان قوة مستقلة ستفرض نفسها على العالم، بصرف النظر عما يريده البشر. ويظهر ذلك، بحسبه، فى استخدام أسماء وصور من أعمال الخيال العلمى مثل Palantir وSkynet، التى تقدم التكنولوجيا باعتبارها قوة هائلة يصعب التحكم فيها. ويحذر دوب من أن حتى منتقدى الذكاء الاصطناعى قد يقعون فى الفخ نفسه عندما يتحدثون عنه باعتباره قوة لا يمكن إيقافها. فالتكنولوجيا، فى النهاية، لا تقرر وحدها كيف ستُستخدم؛ البشر هم من يقررون، والحكومات تضع القوانين، والمجتمع يستطيع أن يقبل بعض الاستخدامات ويرفض أو يحظر أخرى.

ويرى دوب أن المشكلة فى تصور التكنولوجيا بهذه الطريقة هى أنه يعفى أصحابها من المسئولية؛ فإذا بدت التكنولوجيا كأنها قوة لا يمكن لأحد التحكم فيها، يصبح من السهل القول إن ما يحدث أمر محتوم وليس نتيجة قرارات اتخذها أشخاص وشركات. لكن دخول الذكاء الاصطناعى إلى حياتنا، بحسب دوب، لن يحدث بالطريقة التى تصورها أفلام الخيال العلمى؛ فبعض استخداماته سيُسمح به، وبعضها سيُقيد أو يُحظر، وستتغير وظائف وتظهر أخرى. ولذلك، فإن الذكاء الاصطناعى سيجعلنا فى حاجة إلى مزيد من النقاش والقرارات والقواعد التى تحدد كيف نستخدمه.