الثلاثاء 16 يونيو 2026
المحرر العام
محمد الباز

ماذا يحدث ليلًا؟.. مارتن سكورسيزى يشعل معركة الذكاء الاصطناعى فى «هوليوود»

حرف

- بينما يتحدث سكورسيزى عن استخدام محدود للذكاء الاصطناعى.. اتجه آخرون إلى دمج التقنية فى صميم عملهم الإبداعى

- المخرج الذى كرّس جانبًا كبيرًا من مسيرته للدفاع عن جوهر السينما الإنسانى يتحدث بحماس عن إمكانات الذكاء الاصطناعى 

بينما ما زالت الأوساط الأدبية عالميًا وعربيًا فى حالة من الجدل النقدى وما يشبه الصدمة عقب تصريحات الكاتبة البولندية أولجا توكارتشوك، الحائزة على جائزة نوبل، حول استخدامها الذكاء الاصطناعى فى كتابة روايتها الجديدة، وثنائها على ما يتيحه من إمكانات وما يمنحه من آفاق، أثار إعلان المخرج السينمائى الأمريكى مارتن سكورسيزى عن استثماره فى شركة متخصصة بالذكاء الاصطناعى واستخدامه هذه التكنولوجيا فى التخطيط البصرى لفيلمه المقبل: «ماذا يحدث ليلًا»، من بطولة ليوناردو دى كابريو وجنيفر لورنس- ردود فعل غاضبة وانتقادات من عدد من العاملين فى صناعة السينما.

منذ أيام، ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن مارتن سكورسيزى، المخرج الحائز على جائزة الأوسكار، قد عُيّن عام ٢٠٢٥ شريكًا ومستشارًا لشركة «بلاك فورست لابز» الألمانية، وهى شركة ناشئة متخصصة فى تقنيات الذكاء الاصطناعى التوليدى لتحويل النصوص إلى صور.

قال سكورسيزى، فى تصريح للصحيفة: أنا مهتم بنقطة التقاء التكنولوجيا بالسرد القصصى، وبالطريقة التى يمكن أن تدفع بها حدود الإبداع نحو آفاق جديدة، بما يتيح تقديم تجارب أكثر عمقًا وثراءً للجمهور. تذكّروا أن السينما وسيط فنى لا يتجاوز عمره نحو ١٢٥ عامًا، ولذلك يجب أن نبقى منفتحين على الكيفية التى يمكن أن يتطور بها.

وأضاف: على مدى سبعين عامًا، كنت أصمم التخطيط البصرى للأفلام بنفسى. وكانت هناك دائمًا مشكلة أساسية: كيف تنقل ما تراه فى ذهنك إلى الممثلين وفريق العمل؟ هناك أشياء لا بد من رؤيتها والشعور بها. أما الآن، فمن خلال هذه الأداة، أستطيع أن أشارك فريقى الإبداعى ما أتخيله بصورة أكثر وضوحًا وكفاءة.

لم تتضمن تصريحات سكورسيزى فى الواقع دعوة إلى إحلال الذكاء الاصطناعى محل الفنانين أو الاستغناء عن الخيال البشرى فى الإبداع، فما تحدث عنه لم يتعدَ النظر فى استخدام أداة تساعده على تجسيد الأفكار التى تتشكل بالفعل داخل ذهنه، ونقلها إلى فريق العمل بصورة أكثر وضوحًا، أى ما طرحه ودافع عنه ليس إلا استخدام الذكاء الاصطناعى بوصفه وسيلة تتيح له عرض رؤيته بكفاءة أكبر.

ومع ذلك، وربما بسبب مخاوف حقيقية ومتزايدة من أن يؤدى الذكاء الاصطناعى إلى تهميش بعض أشكال العمل الإبداعى أو إزاحة المبدعين من مواقعهم، وجد سكورسيزى نفسه فى قلب عاصفة من الانتقادات. وقد لا يختلف ما حدث معه كثيرًا عن الجدل الذى أحاط بالكاتبة الحائزة على نوبل أولجا توكارتشوك، حين تعرضت لهجوم واسع بسبب تصريحات رأت فيها إمكانات جديدة يمكن أن تتيحها تقنيات الذكاء الاصطناعى للعملية الإبداعية، فقد بدا فى الحالتين، أن كثيرًا من الانتقادات انطلقت من المخاوف المرتبطة بالتكنولوجيا نفسها بدلًا من التدقيق فى طبيعة الاستخدام الذى كان يجرى الحديث عنه. لم يتحدث سكورسيزى عن استبدال المُبدع أو إقصاء الخيال البشرى، وإنما عن أداة تساعده على نقل رؤيته البصرية إلى فريقه بصورة أكثر وضوحًا، تمامًا كما لم تكن توكارتشوك تدعو إلى إحلال الآلة محل الكاتب، بل إلى التفكير فى الكيفية التى يمكن أن تُستخدم بها التقنيات الجديدة داخل العملية الإبداعية نفسها مثلما قد تستخدم أى وسيلة بحثية أخرى، وفى المستقبل الذى قد يفرضه التطور الحتمى والمتسارع لهذه التقنية. 

أصابت تصريحات سكورسيزى وترًا حساسًا لدى صنّاع السينما فى هوليوود، إذ لا تزال الانقسامات حادة بشأن ما إذا كان الذكاء الاصطناعى يمثل ثورة إبداعية جديدة أم تهديدًا وجوديًا للفنون والصناعات الثقافية. وجاءت ردود الفعل على حديثه أكثر حدة من المعتاد، ربما لكونه أحد أبرز من أسهموا، على مدار ما يقرب من سبعة عقود، فى تشكيل التصور لما يمكن أن تكون عليه السينما، لذلك بدا لكثيرين أن ثمة مفارقة فى أن المخرج الذى كرّس جانبًا كبيرًا من مسيرته للدفاع عن جوهر السينما الإنسانى، هو الذى يتحدث، فى الثالثة والثمانين من عمره، بحماس عن الإمكانات التى قد تتيحها أدوات الذكاء الاصطناعى للعملية الإبداعية. 

وفقًا لما أوردته صحيفة «الجارديان» استقبل فنانو «الستورى بورد» التصريحات بغضب، فقد كتبت كارلا أورتيز، التى عملت فى عدد من أفلام «مارفل»، على وسائل التواصل الاجتماعى: «إنه يلقى بكل فنان ستورى بورد عمل معه طوال حياته تحت عجلات الحافلة... أن يستخدم إرثه ومكانته من أجل هذا الأمر هو شىء مقزز».

وعلّق صامويل ديتس، مخرج مسلسل الرسوم المتحركة «Castlevania» قائلًا: «لا يوجد أى سبب يدعو إلى استخدام ذكاء اصطناعى بُنى على أعمال ملايين الفنانين المسروقة، من أجل تحويل رؤيتك إلى ستورى بورد. تحلَّ ببعض الكرامة والاحترام لزملائك».

بعيدًا عن الانفعالات السريعة والانتقادات اللحظية، توقف موقع fan bolt عند عدد من الخلاصات الأساسية التى قد يحيل إليها حديث سكورسيزى. الخلاصة الأولى تتمثل فى أنه بالنسبة إلى الصف الأول من صنّاع السينما فى هوليوود، يتحول الذكاء الاصطناعى تدريجيًا إلى جزء من السعى الدائم نحو الوصول إلى أفضل نسخة ممكنة من أعمالهم الفنية.

يُدلل كاتب المقال على رأيه بالقول: ليس سكورسيزى أول مخرج حائز على جائزة الأوسكار يظهر انفتاحًا على أدوات الذكاء الاصطناعى، فقد انضم جيمس كاميرون، مخرج فيلم «أفاتار»، إلى مجلس إدارة شركة Stability AI عام ٢٠٢٤، وتحدث عن الكيفية التى يمكن بها للتقنية أن تسهم فى تبسيط إنتاج الأفلام ذات الميزانيات الضخمة، فقد رأى كاميرون أن مستقبل الذكاء الاصطناعى يكمن فى تعزيز الكفاءة لا فى الاستغناء عن البشر، وجادل بأن هذه الأدوات ينبغى أن تضاعف سرعة عمل الفنانين، بما يتيح لهم التفرغ لمهام أكثر إبداعًا.

أما ستيفن سودربرج، مخرج فيلم «ترافيك»، فقد ذهب إلى أبعد من ذلك، حين استخدم أدوات الذكاء الاصطناعى التابعة لشركة «ميتا» لإنشاء بعض المشاهد فى فيلمه الوثائقى المعروض ضمن مهرجان كان السينمائى بعنوان «جون لينون: المقابلة الأخيرة»، كما أعلن عزمه الاعتماد بشكل مكثف على الذكاء الاصطناعى فى فيلمه المقبل عن الحرب الإسبانية الأمريكية، الذى يقوم ببطولته فاجنر مورا.

وأكد سودربرج أن بعض المشاهد فى وثائقى «جون لينون» لم يكن من الممكن تنفيذها من دون هذه التقنية، قائلًا فى حديث له مع موقع «ديدلاين»: «التزامى الأخلاقى تجاه نفسى، وتجاه جون لينون ويوكو أونو، وتجاه الجمهور، هو أن أقدّم أفضل نسخة ممكنة من هذا الفيلم، لا أكثر ولا أقل».

ثمة خلاصة ثانية أشار إليها المقال وترتبط بهذه الفكرة، تتعلق بأنه على الأرجح لم يعد ممكنًا لصنّاع العمل السينمائى تجاهل التقنية تمامًا، وإنه بينما يتحدث سكورسيزى عن استخدام محدود يقتصر على التخطيط البصرى، فإن آخرين قد صاروا بالفعل يدمجون التقنية فى صميم عملهم الإبداعى، ما يعنى أنه سواء أكان الأمر مُصرحًا به أو فى الخفاء، سيستخدم صنّاع الأفلام الذكاء الاصطناعى خلف الكواليس لتسريع العمل وخفض التكاليف.

فبينما شمل استخدام ستيفن سودربرج هذه التقنية فى وثائقى «جون لينون: المقابلة الأخيرة» توليد مشاهد كاملة باستخدام الذكاء الاصطناعى، فإن المخرج دوج ليمان ذهب أبعد من ذلك فى فيلم «بيتكوين»، الذى بلغت ميزانيته ٧٠ مليون دولار، فقد استُخدم الذكاء الاصطناعى لتوليد خلفيات المشاهد وتصميم الإضاءة المسرحية، وحتى فيلم «أوقف ذلك القطار» الذى لم يعتمد على مؤثرات بصرية مولدة بالذكاء الاصطناعى، استخدم التقنية نفسها فى بعض العمليات الخلفية وسير العمل الإنتاجى. 

جانب آخر يتعلق بالجدوى الاقتصادية غالبًا ما يجرى تجاهله فى النقاشات الدائرة، إذ ينطلق مؤيدو التقنية من أنه إذا استطاع الذكاء الاصطناعى خفض تكاليف الإنتاج إلى مستوى يجعل الاستديوهات توافق على تنفيذ عدد أكبر من المشاريع، فإن النتيجة النهائية قد تكون توفير فرص عمل أكثر لا أقل. تثبت التجارب مدى معقولية هذه الفكرة؛ فقد ذكرت شركة الإنتاج Acme AI أن أدواتها قادرة على تقليص مدة تصوير الأفلام بنسبة تتراوح بين ٦٠ و٧٠ فى المائة.

وفى مسلسل «القصص القديمة: موسى» الذى أنتجته «أمازون إم جى إم» تمكن فريق العمل، المؤلف من نحو ١٠٠ شخص، من تصوير المسلسل المكوّن من ثلاثة أجزاء خلال أسبوع واحد فقط داخل أحد استديوهات لوس أنجلوس. وكان ذلك ممكنًا بفضل استخدام الذكاء الاصطناعى لتوليد الخلفيات فوريًا أثناء أداء الممثلين مشاهدهم. 

وإلى جانب استخدام الذكاء الاصطناعى بوصفه أداة إنتاج، بدأت الأفلام المُنتجة بالكامل، أو إلى حد كبير بواسطة هذه التقنية، تجد طريقها إلى المهرجانات السينمائية المرموقة. فمن المقرر أن يشهد مهرجان «تريبيكا» العرض الأول لفيلم «أحلام البنفسج» «Dreams of Violets»، وهو عمل وثائقى درامى مولّد بالذكاء الاصطناعى يمتد لـ٧٥ دقيقة ويتناول المقاومة المدنية الإيرانية. أنجز المخرج آش كوشا الفيلم من منزله فى لندن خلال ثلاثة أشهر فقط، وبتكلفة لم تتجاوز ألفى دولار.

وأثار اختيار الفيلم للعرض جدلًا واسعًا، إلا أن جين روزنتال، الشريكة المؤسسة لمهرجان تريبيكا، دافعت عن القرار، معتبرة أن موضوع الفيلم يستحق النظر إليه فى سياق الصراع الدائر فى إيران، بصرف النظر عن الوسائل التقنية المستخدمة فى إنتاجه.

وفى مهرجان «كان»، ظهر فيلم المغامرات والأكشن المولّد بالذكاء الاصطناعى «هيل جرايند» «Hell Grind» بعدما أُنجز بميزانية بلغت ٥٠٠ ألف دولار فقط.

رغم الحماس الذى يبديه كثيرون لما تتيحه التقنية من إمكانات، فإن هوليوود لم تصل إلى إجماع بشأن الذكاء الاصطناعى، فتبنّى سكورسيزى هذه التقنية يعبّر عن موقفه الشخصى، لا عن موقف الصناعة بأكملها. 

توقف موقع fan bolt عند عدد من المنتقدين بشراسة لاستخدام الذكاء الاصطناعى فى الإبداع، وعلى رأسهم المخرج المكسيكى جييرمو ديل تورو، مخرج فيلم «متاهة بان»، فقد صرّح مؤخرًا بأنه يفضل الموت على استخدام هذه التقنية فى أفلامه، منتقدًا من يعتقدون أن الفن يمكن أن يُصنع بواسطة «تطبيق سخيف» على حد تعبيره.

أما المخرج الأمريكى ستيفن سبيلبرج، فقد أكد، خلال ظهوره فى بودكاست IMO، أنه لا يعتقد أن الذكاء الاصطناعى ينبغى أن يكون «الكلمة الأخيرة» فى العملية الإبداعية. وقال: «لا أؤمن بوجود بديل للروح الإنسانية. فكرة أن حاسوبًا يظن أنه يشعر أكثر مما نشعر نحن تتعارض تمامًا مع الطريقة التى نشأت عليها».

أيضًا، حذّر كريستوفر نولان، بصفته رئيسًا لنقابة المخرجين الأمريكية «DGA»، من أن الذكاء الاصطناعى أصبح قضية محورية فى المفاوضات الجارية بين النقابة واستديوهات هوليوود. 

أما بشأن الوجهة التى قد تقود إليها هذه التحولات، فإن حتى أكثر المخرجين حماسًا للذكاء الاصطناعى يعترفون بأن المستقبل لا يزال غامضًا. قال المخرج البريطانى جاريث إدواردز: «لا نعرف إلى أين سيقودنا هذا الأمر. وأعتقد أن أى شخص يدّعى أنه يعرف بدقة ما سيحدث خلال السنوات الخمس المقبلة هو ببساطة كاذب».

بين مؤيدٍ يرى فى الذكاء الاصطناعى أداة جديدة لتوسيع آفاق الإبداع، ومعارضٍ يخشى أن يتحول إلى تهديد لجوهر الإبداع، يظل الجدل مفتوحًا. ومع أن تصريحات سكورسيزى لن تحسم الجدل، فإنها تبدو بمثابة شهادة ثقة من أحد أكبر صنّاع السينما فى العصر الحالى، تؤكد أن الذكاء الاصطناعى بدأ يشق طريقه بالفعل إلى قلب الصناعة السينمائية، وأنه قد صار جزءًا من الأسئلة الكبرى التى ستحدد ملامح مستقبلها.