ضوء وخيط.. اعترافات «صاحبة نوبل» حول الكتابة
- الكاتبة الكورية الجنوبية هان كانج: يمكننا أن نُنمّى أملًا صادقًا حتى لو كان هشًا
- فى كتابة الرواية أسير وسط العتمة محمّلة بتساؤلاتى.. والإحساس بالألم جزء من قوة الكتابة الأدبية
فى عام 2024 مُنِحت الكاتبة الكورية الجنوبية هان كانج جائزة نوبل فى الآداب، وفى حفل تسليم الجائزة قدّمت محاضرة بعنوان «ضوء وخيط»، وقد تحوّلت لاحقًا إلى جزء من عملها غير الروائى الأول الصادر حديثًا باللغة الإنجليزية بالعنوان نفسه.
يمزج كتاب «ضوء وخيط» بين الشخصى والجماعى، إذ يعرض خطاب هان كانج فى نوبل قبل أن ينسج عبر القصيدة والمقال واليوميات لمحات نادرة من تجربتها مع الكتابة، كاشفًا عن الثيمات والقضايا التى تتقاطع مع أعمالها الأدبية، ومضيئًا لجانب من ذلك الحيز الداخلى الخفى الذى تتشكل فيه أفكارها قبل أن تتحول إلى نصوص. وفقًا لمراجعة صحيفة «الجارديان»، ينقسم كتاب «ضوء وخيط» إلى ثلاثة أقسام: الكتابة، الشعر، والحديقة. فى القسم الأول، وهو الأهم حسب المراجعة، تكشف هان كانج عن أن رواياتها لا تنشغل بالبحث عن إجابات بقدر ما تنبع من أسئلة وجودية مستمرة، من بينها: إلى أى مدى يمكن للإنسان أن يرفض العنف؟ وما معنى أن نبقى بشرًا فى عالم تتسع فيه القسوة يومًا بعد يوم؟
وتوضح أن كثيرًا من أعمالها، مثل «أفعال بشرية»، وُلدت من تجارب شخصية مؤلمة وذكريات مرتبطة بمجزرة «غوانغجو». أما رواية «دروس يونانية» فتواصل طرح الأسئلة نفسها حول الألم والصمت، وإمكانية التمسك بما هو إنسانى بوصفه شكلًا من أشكال البقاء فى مواجهة العنف.

تشير المراجعة إلى أن أقوى ما فى الكتاب هو هذا القسم المتعلق بالكتابة، بينما تبدو القصائد أكثر رمزية فى تقديم فهم أعمق لتجربتها، خاصة عند مقارنتها بما كشفت عنه فى مقابلاتها السابقة حول الألم المزمن. أما فى القسم الأخير فتتأمل هان كانج علاقتها بالحديقة التى تديرها بعناية، مستخدمة المرايا لتوزيع الضوء على النباتات.
وفى قراءة أخرى قدّمها موقع «Deccan Herald»، تتضح جوانب أعمق من عالم الكتابة عند هان كانج كما يظهر فى هذا الكتاب. ففى رواية «النباتية»، التى حققت شهرة واسعة ونالت عنها جائزة «مان بوكر الدولية» 2016، تتخذ البطلة خطوة راديكالية بالامتناع عن أكل اللحوم احتجاجًا على العنف، قبل أن ينتهى بها المطاف إلى رفض الطعام والشراب جميعًا، عدا الماء، اعتقادًا بأنها تتحول إلى نبات، لتجد نفسها داخل مفارقة مأساوية. تقول هان كانج إنها وضعت المشهد الختامى داخل سيارة إسعاف، على أمل أن تظل البطلة على قيد الحياة داخل عالم الرواية. وقد استغرقت عامين «من 2003 إلى 2005» فى كتابة الرواية، عاشت خلالهما مع أسئلة مضنية: هل يمكن للإنسان أن يكون بريئًا تمامًا؟ إلى أى مدى يمكن رفض العنف؟ وماذا يحدث لمن يرفض الانتماء إلى هذا الكائن المسمى «الإنسان»؟
واصلت الكاتبة طرح هذه الأسئلة فى روايتيها التاليتين «حبر ودم» و«دروس يونانية»، لكنها وسّعت فى كل منهما نطاق النظر إلى هذه الإشكالات. فبما أننا لا نستطيع جميعًا التحول إلى نباتات احتجاجًا على العنف، كيف نواصل الحياة إذن؟ ألا ينبغى أن نبقى فى النهاية؟ وأى لحظات هى التى تجعل هذا البقاء ممكنًا؟ وما الذى يمنح حياتنا القدرة على الاستمرار وسط ما هو قاسٍ وغير مفهوم؟
فى خطابها خلال تسلم جائزة نوبل، والذى يحضر فى هذا الكتاب، تستفيض هان كانج فى شرح كيف ولماذا قررت كتابة رواية «أفعال بشرية»، التى تدور حول انتفاضة طلاب «غوانغجو» عام 1980 والقمع الدموى الذى مارسته الدولة. كانت فى التاسعة من عمرها حين قررت عائلتها مغادرة المدينة متجهة إلى سيول، وبعد فترة قصيرة بدأت عمليات القتل الجماعى. لاحقًا، عثرت بالصدفة على كتاب صور يوثّق مقتل سكان «غوانغجو» وهم يقاومون القوات العسكرية التى نفذت الانقلاب.
إن روايتىّ «أفعال بشرية» و«نحن لا نفترق»، التى تتناول مجزرة جزيرة «جيجو» عام 1948، تبدوان كتجسيد للمقاومة ضد النسيان؛ إذ تعيدان طرح سؤال الذاكرة بوصفها فعلًا أخلاقيًا. وكما تتأمل هان كانج، فإن الوحشية نمط يتكرر عبر الزمان والمكان، بأشكال مختلفة وبآثار متشابهة. فى حوار أجرته معها مجلة «Vogue» تحدثت هان كانج عن مسألة المثابرة اللازمة لكسر دوائر العنف، وكيف يمكن لـ«الإحساس والتخيّل» فى الأدب أن يقدما نوعًا من العلاج لليأس.

■ أشرتِ فى كتاب «ضوء وخيط» إلى أنه رغم استمراركِ فى كتابة الشعر فإن الروايات لها جاذبية خاصة عندك.. ما سبب ذلك؟
- أكتب القصائد بين الحين والآخر حين تخطر ببالى، أما الروايات فتستغرق منى سنوات من العمل؛ أحمل خلالها تساؤلاتى وأتحسس طريقى وسط العتمة، وأدفع نفسى للمضى قدمًا عبر قوة الإرادة.
■ يستكشف مقال «ما بعد النشر» عذاب الإبداع الأدبى ونشوته.. ما هى الجوانب الأكثر صعوبة وإثارة بالنسبة لكِ فى هذه العملية؟
- أثناء كتابتى هذا المقال تمكنتُ من التأمل بعمق فى عملية الكتابة الخاصة بى وما مررتُ به بعد الانتهاء من كل رواية. أنا دائمًا شخص مختلف قبل كتابة الرواية وبعدها. ولحسن الحظ، أشعر بأننى أصبحتُ إنسانة أفضل بعد الانتهاء منها عما كنتُ عليه قبل البدء.
عندما أكتب، أشعر كأننى شخص يسير فى طريق طويل. كثيرًا ما أضلّ الطريق، لكننى أحاول أن أظل ممسكة بالكتابة بإحكام، وأن أواصل التقدّم. هناك صعوبات بالطبع، لكن هناك أيضًا لحظات من البهجة حين أعثر فجأة على طريقى، وأشعر بأن الكتابة ليست سوى محصّلة كل تلك التجارب.
■ على امتداد الكتاب، وربما بشكل أوضح فى نص «فنجان شاى صغير»، تتأملين التفاصيل اليومية الصغيرة التى تدخل فى تكوين الروتين الإبداعى.. كيف يبدو روتينكِ؟
- بصراحة، ذلك النوع المكثف من الروتين لا يكون ممكنًا إلا عندما أكون فى خضمّ الكتابة. خلال تلك الفترات أعود إلى مكتبى مرارًا وتكرارًا كلما سنحت لى الفرصة. لكن عندما لا أكون منهمكة فى الكتابة أعيش بعفوية ومن دون روتين محدد. وفى الحقيقة، عندما أنظر إلى حياتى بأثر رجعى أجد أننى قضيت الجزء أكبر منها على هذا النحو.
■ ما العلاقة بين رعاية النباتات والكتابة؟
- بينما كنت أعمل على إعداد هذا الكتاب كنت آمل أن يغمر الضوء صفحاته كلها، لذلك اخترت مقاطع من يومياتى عن العناية بحديقتى. حديقتى صغيرة جدًا، ولا يصلها ما يكفى من ضوء الشمس لأنها تواجه الشمال. ولكى أمنح النباتات الضوء، أضع مرايا على الأرض وأحرّكها مع مسار الشمس. كنت آمل أن تعكس هذه الصورة ذلك الضوء الكامن فى «ضوء وخيط».
■ فى خطابكِ لنيل نوبل طرحتِ سؤالًا يقول: «إلى أى مدى يمكننا أن نرفض العنف؟».. ومع كل هذا العنف فى العالم اليوم، هل تعتقدين أن رفضه لا يزال ممكنًا؟
- يفاجئنى دائمًا أنه حتى فى أكثر الأوضاع يأسًا، يوجد أناس يحاولون الوقوف فى مواجهة العنف. لا أريد أن أنسى أن لدى البشر تلك القوة الكامنة فى داخلهم.

■ ما الشىء الذى تتمنين رؤيته فى العالم من أجل إنهاء دوائر العنف؟
- فى روايتى الأخيرة «نحن لا نفترق»، هناك أناس حسموا أمرهم بإشعال الشموع فى العتمة الحالكة للّيل. وما زلت أرجو أن أؤمن بذلك الضوء المرتجف الذى نحمله فى داخلنا، وأن نمضى قدمًا ونحن نتشبث به بعناد وأمل.
■ تتناول رواية «نحن لا نفترق» مجزرة «جيجو» عام ١٩٤٨، حينما قتلت القوات العسكرية الكورية الجنوبية عشرات الآلاف لقمع الاحتجاجات والانتفاضة التى تلتها فى جزيرة جيجو.. من أين استلهمتِ فكرة هذا الكتاب؟
- بعد نشر روايتى «أفعال بشرية» التى تتناول مجزرة مماثلة وقعت عام ١٩٨٠، راودنى حلم؛ رأيتُنى أسير فى حقل يكسوه الجليد، ملىء بأشجار سوداء قُطعت رءوسها، وكان هناك عشرات الآلاف من القبور التى اتخذت من تلك الأشجار شواهد لها. فجأة، بدأت مياه البحر تتدفق من الجانب الآخر للحقل حتى غمرت كاحلىّ. لم أكن أعرف كيف أنقل تلك العظام من قبورها إلى مكان آمن، فركضتُ عبر الماء، ثم استيقظت. سجلتُ تفاصيل هذا الحلم، وكانت تلك هى الصفحتان الأوليان من الرواية، ثم كتبتُ بقيتها وأنا أتحسس طريقى لمعرفة ما الذى قد يأتى بعد هاتين الصفحتين.
■ ونحن اليوم فى عام ٢٠٢٦، ما الذى يتعين علينا تعلمه من العنف الذى شهده ماضى كوريا الجنوبية؟
- إن الكراهية والإقصاء ومحاولات الإبادة كلها أمور مرتبطة ببعضها ارتباطًا وثيقًا. إنها أفعال بشرية تكررت عبر تاريخ العالم الطويل. والسبب الذى يدفعنا لفحصها، والتشكيك فيها، ومناهضتها، هو أنها قابلة للتكرار دائمًا.

■ فى رأيكِ، لماذا أحدثت رواية «النباتية» كل هذا الصدى القوى لدى القراء؟
- الكتاب يراكم طبقات من رفض العنف، واليأس من الطبيعة البشرية، وصرخات النساء الصامتة. وهذا كله ليس إلا انعكاسًا لنا ونحن نعيش فى هذا العالم.
■ أشرتِ فى عام ٢٠١٩ إلى أن رواية «أفعال بشرية»، التى تروى قصة «انتفاضة غوانغجو» من منظور أحد الناجين، هى العمل الأحب إلى قلبك.. هل ما زلتِ تشعرين بذلك؟ وما الذى يجعلها مميزة إلى هذا الحد؟
- كانت الفترة التى قضيتُها فى كتابة «أفعال بشرية» قصيرة نسبيًا، قرابة عام ونصف العام، لكنها كانت مكثفة جدًا. كانت تجربة غيرتنى جذريًا. روايتا «أفعال بشرية» و«نحن لا نفترق» مرتبطتان، وقد استغرقت عملية كتابتهما معًا حوالى تسع سنوات. كانت تلك العملية مضنية. ومع ذلك فإن رواياتى الأخرى مهمة لى أيضًا؛ لذا يصعب عليىّ تحديد أى منها أحب أكثر.

■ ما هو دور الروائى وقيمة الرواية، أو الفنان والفن عمومًا، فى أوقات المحن الكبرى؟
- الأدب يتخيّل، وبكثافة شديدة. أشعر بأن قوة هذا التخيّل الحىّ تصبح ضرورية بشكل خاص فى مثل هذه الأوقات. بالطبع، الإحساس الحىّ أكثر إيلامًا من غيابه، لكن أعتقد أننا يجب أن نتمسّك بهذا الألم ونواصل الإحساس والتخيّل. لأن الأدب والفن يقومان بهذا العمل فى كل لحظة، ولأنهما يُصيبان كل من يقرأ أو يسمع أو يرى بنوع من الحساسية التى تدفعه للانحياز إلى الحياة، فإنهما ليسا شيئًا زائدًا أو ثانويًا، بل ضروريان.
ما هى أكبر مخاوفك وآمالك فى المستقبل؟
- ما دمنا أحياء، فنحن بحاجة إلى الأمل. أعتقد أنه بدلًا من تفاؤل كبير وضبابى، إذا استطعنا أن نُنمّى أملًا صادقًا حتى لو كان هشًا، من دون أن نطفئه، يمكننا أن نتجنب الوقوع فى اليأس.







