أجمل من نجلاء.. ذاكرة جيل اعتصرته تحولات كبرى
- نجلاء أقرب إلى شخصية «قناع» تحمل آثار التحولات الكبرى التى مرّت بها المنطقة
- الرواية تطرح تصورًا نقديًا حادًا للتيارات السلفية فتُقدمها بوصفها قوة تسعى إلى فرض نمط حياة مغلق يخاصم الفنون والحريات
بين أروقة الماضى وشظاياه، ومن خلال تداع حر للذكريات خلال فترة ملتهبة من تاريخ العالم العربى، يشرع الروائى شريف سعيد من خلال روايته الأحدث «أجمل من نجلاء» فى بناء عالم روائى قائم على استدعاءات متقطعة لتاريخ متشظٍ من خلال حكاية بطلة تتنقّل بين الأمكنة والأزمنة، وتتشابك ذكرياتها الفردية مع تحولات سياسية واجتماعية كبرى.


من خلال سرد دائرى متشظ يرتكز على استدعاءات مختارة من ذاكرة البطلة «نجلاء»، خلال فترة تاريخية تمتد من السبعينيات وتصل إلى العقد الثانى من القرن الحادى والعشرين، تتكشف تجربة إنسانية تمزج بين الخاص والعام بما يخلق حالة من «الزمن النفسى» الذى يتجاوز الزمن الواقعى. تتحول الذاكرة إلى فضاء سردى، تصبح فيه الكتابة وسيلة لفهم الذات والعالم، فى رحلة استدعاء للذكريات الأليمة والمبهجة، من حارة «حسين شاهين» فى القاهرة إلى الحدود السعودية العراقية فى «رفحاء»، ثم إلى العاصمة الفرنسية.
تبدأ الحكاية من باريس، حيث استقرت المصرية «نجلاء بهاء الوطن»، التى تعمل فى إذاعة مونت كارلو الدولية، لكن باريس هنا ليست نقطة انطلاق بقدر ما هى مرآة تتكثف فيها حياة نجلاء، وتنعكس عبرها شظايا الماضى، ففى مطبخها الصغير فى باريس، تستمع إلى نشرة أخبار فى قناة «فوكس نيوز»، فتتفجر داخلها صور قديمة، مع مقابلة تجريها القناة مع جندى سابق شارك فى حرب الخليج الثانية عام ١٩٩١، إذ ترى فيديو لها وهى طفلة حافية باكية بملابس البيت فى طرقات البلدة الحدودية يُستعاد أمام أعين العالم بعد مرور عقود على يوم كان الأسوأ فى حياتها، ومن هنا تتفجّر الذاكرة فى استدعاءاتها المتتالية التى تبوح بها نجلاء على الورق.

يمكن اعتبار شخصية نجلاء، التى نالت اسمها تيمنًا بالفنانة نجلاء فتحى ودورها فى فيلم «اسكندرية ليه»، أكثر من بطلة تقليدية فى رواية، فهى أقرب إلى مرآة لجيل وُلد فى نهاية السبعينيات وشهد مرحلة التحولات الكبرى التى كانت تطال الشخصية المصرية بدون وعى منها آنذاك. تبدو نجلاء فى ظاهرها نجلاء بطلة ذات سيرة حافلة، تتنقل ما بين القاهرة والسعودية وباريس، وتتحول من الطفولة إلى النضج، لكنها فى العمق أقرب إلى شخصية «قناع» تحمل آثار التحولات الكبرى التى مرت بها المنطقة، وتمثل شريحة من جيل عاش انتقالات عنيفة؛ من الطبقة الوسطى المصرية بثقافتها التقليدية، إلى الخليج بنظامه الاجتماعى المتشدد، ثم إلى أوروبا، حيث تتفكك كل المرجعيات السابقة.

تمارس الرواية لعبة ربط التاريخ الشخصى بالأحداث الكبرى. من حرب الخليج واحتلال الكويت، إلى صعود التيارات الدينية فى الخليج ومصر، كلها أحداث تتسلل إلى ذاكرة نجلاء، وتعيد تشكيل وعيها. لكن هذا الربط يأتى بشكل أكثر تعقيدًا عبر تفاصيل الحياة اليومية. فالانتقال من القاهرة إلى رفحاء يمثل دخولًا إلى عالم مختلف تصبح فيه التفاصيل الصغيرة محملة بدلالات كبرى.
يتجلى هذا العالم الجديد فى مشاهد مفارقة، مثل تحول الأب «بهاء الوطن» من موظف فى شركة حلوان للغزل والنسيج إلى «مِحرم» بائس يفر من واقعه إلى المسجد، بينما تصبح الأم «هناء» هى المعيلة. كما يتجلى فى تحولات اجتماعية عميقة يلتقطها الكاتب بدقة، واصفًا حال المجتمع فى رفحاء فى نهايات الثمانينيات وبداية التسعينيات: «إن ممارسة الانتشاء الدينى الجماعى ربما كانت نتاج نفوس طيبة ارتبكت وترددت فى الطريق بين بدائية خيمات الأسلاف وبريق الحواضر. إن تفجر أنهار النفط بغتة، والانتقال فجأة من امتطاء ظهور الجمال إلى جوف السيارات الفارهة من دون تجربة العربات التى تجرها الخيول، أو القطارات التى تسير بالبخار، أو الوقوف عند محطات الترام، أو التكدس داخل حافلات العوام، كل هذا جعل الناس فى البلدة الطيبة لا يجدون أدنى غضاضة فى الجمع بين أفخر قشور الحداثة وأعمق ألباب الخرافة»
من خلال تجوال البطلة بين أروقة ذاكرتها، تفرض المقارنة نفسها بين طفولتين: طفولة فى مصر، حيث كانت الإمكانات ضئيلة والأحوال المادية فى أضيق حالاتها، لكنها مع ذلك تبدو فى الاستدعاء السردى أكثر دفئًا وامتلاءً بالحياة؛ وطفولة باهتة فى الخليج، حيث يتوفر الرفاه المادى، لكنه لا يعوض عن تفكك الأسرة واغتراب الروح.
تتوقف نجلاء عند صور الطفولة فى مصر من مظاهر الطبقة الوسطى كما تتبدى فى الطعام والسلوك ودفء البيوت المصرية قديمًا، والنزهات البسيطة إلى السيرك القومى، ومسرح العرائس، والتنزه فوق جسر قصر النيل. ففى هذه اللحظة المبكرة، تتشكل علاقتها الخاصة بالمكان، علاقة تمتزج فيها البساطة بالدهشة، والفقر النسبى بالثراء الثقافى. أما صورة الخليج، فتأتى باهتة، كما لو كان الانتقال إلى المدينة الصغيرة «رفحاء» ذكرى لا ترتبط سوى بالذبول وانزواء أرواح كل أفراد الأسرة.

تطرح الرواية تصورًا نقديًا حادًا للتيارات السلفية، فتُقدمها بوصفها قوة تسعى إلى فرض نمط حياة مغلق، يخاصم الفنون والحريات. يتجلى هذا الطرح فى مشاهد متعددة فى المدينة السعودية؛ من إيقاف الجدول المدرسى من أجل صلاة جماعية، إلى اعتبار الموسيقى والأغانى «حرام»، إلى محاولة طمس صور النساء من المجلات. كما تتوسع الرواية فى وصف الآليات الثقافية لهذا الخطاب، مثل شرائط الكاسيت الإسلامية التى تروج لـذيوع «العفن الفنى»، وكتيبات تنشر الأكاذيب عن «مخططات النصارى» فى مصر.
ولا تكف الرواية عن كشف تناقضات معتنقى هذه الأفكار، فثمة مظهر صلد يُصر أتباع الوهابية على التمسك به، ويحضر فى أوضح صوره من خلال العاملين بهيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والذين يحضرون إلى حياة الأسرة المصرية من خلال موقف ضرب أحدهم للأم على مؤخرتها لزجرها عن رفع غطاء الوجه، وفى مشاهد تنفيذ «القصاص» التى كان الوالد والجار موضوعًا لها عقب ضبطهما أثناء شرب الخمر. ليأتى فى المقابل صورة للتدنى الأخلاقى والتردى القيمى الذى يتفشى بين أفراد ظاهرهم التدين فيما هم يمارسون فى الخفاء كل المحرمات والموبقات.
ولأن الشاغل الأكبر لدى منظرى التيار السلفى هو المرأة، فلا تنفك الرواية عن الاشتباك مع هذه الأفكار بخصوصها على صفحاتها، فالطفلة نجلاء تتعرض لنظرات رجل سلفى فى الخليج، يلتهم ساقيها بعينيه بينما هى طفلة فى أعوامها الأولى، وهو المشهد الذى يتكرر فى القاهرة ولكن فى شبابها وخلال فترة دراستها الجامعية، إذ تلتقى فى واحدة من الجرائد التى تقصدها للتدريب رئيس مجلس إدارة الجريدة وتحريرها، وهذا الرجل الذى يُدعى «أشرف» أسير عقدة التكوين السلفى فى التعامل مع النساء، بما يجعله فى خصومة غير واعية مع الحياة.
لا تأتى هذه المواقف الهادفة إلى نقد العقلية السلفية بمعزل عن رغبة قصدية من كاتب الرواية فى تقصى جذور الفكر الوهابى الذى أصاب القاعدة المجتمعية فى مصر منذ السبعينيات، فشرع فى تفكيك بنيته الثقافية والاجتماعية، متتبعًا آليات انتشاره التى لم تكن نتاج صدفة، بل جاءت نتيجة تحولات سياسية واقتصادية عميقة. من هنا يكشف حوار الأم «هناء» مع قريناتها من النساء حول الحجاب الذى بدا منذ ذلك الحين معيارًا محددًا للفضيلة، متسائلة: «هل كنا كفارًا قبل مكبرات صوت جوامع الهدى والفتح والسلام، التى خيّرتنا فجأة بين الحجاب أو النار؟»، وهو سؤال استنكارى يعكس حقبة من التحولات الثقافية الكاملة.

تمثل حرب الخليج الثانية فى الرواية لحظة انكشاف كبرى تكشف عن عمق التحولات التى طرأت على الوعى الجمعى العربى. ففى رفحاء، البلدة الحدودية التى تعيش على تماس مباشر مع الأحداث، تتحول الحرب إلى تجربة كاملة؛ هناك يختبر الخوف من صواريخ سكود العراقية، ويملأ التوتر الأجواء. لكن الأكثر دلالة مما ترصده الرواية هو التحول الذى طرأ على وعى الشخصيات إزاء الحرب. ففى لحظة مفصلية، نجد الأم هناء، تدعو الله أن ينصر أمريكا ممثلة فى جورج بوش الأب، وأن يجعل العراق حفرة كبيرة، وهو ما تعده الرواية «شهادة وفاة» لمشروع القومية العربية، عقب موت سريرى له منذ هزيمة ١٩٦٧.
هنا يكمن مرام التحليل الروائى، فالحرب لم تكن مجرد صراع عسكرى بين العراق والكويت والتحالف الدولى، بل كانت لحظة كشف كبرى لتناقضات المشروع القومى العربى الذى قامت عليه أجيال كاملة. فبينما كان الخطاب القومى فى الستينيات والسبعينيات هو الإطار الجامع الذى يمنح معنى للوجود، وكانت مصر، بزعامتها وتاريخها، هى قلب هذا المشروع، فإن التحولات التى حدثت بعد هزيمة ١٩٦٧، ثم التدفق النفطى الهائل الذى أعاد توزيع القوى فى المنطقة، جعلت هذا المشروع يتراجع تدريجيًا حتى وصل إلى لحظة الانهيار الكامل مع حرب الخليج.
مع أن لغة الرواية تميل إلى التكثيف، فإنها فى بعض المواضع تتحول من أداة سردية إلى فضاء تأملى منفصل، يجافى البناء الدرامى. تتجلى هذه الإشكالية بوضوح فى الفصل الذى حمل عنوان «عالم الحيوان»، إذ يستغرق السرد صفحات كاملة فى وصف تفصيلى لرحلة الحيوانات المنوية داخل الرحم، متتبعًا مسار البويضة فى قناة فالوب، فى استرسال يبدو منقطع الصلة عن سياق الحكاية الأساسى.
يحاول الكاتب والساردة تبرير هذا الاستطراد بخاتمة الفصل بالقول: «لقد ثبت لى مبكرًا أنه لا نصرة سوف تتحقق للآدميات أو الآدميين منذ الحقبة الرحمية، وحتى اليوم الأخير إلا من بعد عناء عظيم». لكن هذا التبرير، لا يبدو كافيًا لإنقاذ الفصل من فخ الإغراق اللغوى، إذ تظل المسافة كبيرة بين التأمل الشعرى المستقل وضرورات السرد الذى ينتظر أن يخدم مصائر الشخصيات.
يتكرر الأمر فى بدايات الفصول التى تنطلق من باريس، إذ تنشغل الساردة بتأملات مطولة حول مقطوعات موسيقية، محاولة ربطها بحالتها النفسية، وهنا تظهر شخصية «هنرى»، الرجل السبعينى الذى يعزف أسفل منزل نجلاء فى باريس يوميًا، فرغم أنه يحمل إمكانات درامية كبيرة، فإنه لا يتحول إلى شخصية حيّة تثرى بنية الرواية، بقدر ما يظل مجرد مبرر لاسترسالات الساردة حول الموسيقى.
يضعف هذا الميل إلى الاستطراد، رغم جماليته فى بعض المواضع، الإيقاع السردى العام، ويجعل بعض الفصول أقرب إلى مقالات تأملية طويلة منها إلى أجزاء متماسكة فى بنية روائية. ومع ذلك، فى رواية تقوم على التشظى والتداعى الحر، قد يكون الاستطراد جزءًا من طبيعة النص، لكن نجاح هذا الخيار يتوقف على قدرة الكاتب على جعل هذه الاستطرادات تبدو ضرورية وليست زائدة.

تكتسب الرواية أهمية خاصة فى سياقها الراهن أيضًا لأنها تتناول، بجرأة نقدية، العلاقة بين مصر ودول الخليج، فثمة كشف عن ديناميكيات القوة التى تشكلت فى ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية منذ الهجرة النفطية فى السبعينيات، برصد كيف تحولت الهجرة إلى الخليج إلى تجربة تفكيك للذات المصرية. فالأب بهاء الوطن، الذى كان موظفًا فى شركة مصر حلوان للغزل والنسيج، رمز الصناعة الوطنية المصرية، يتحول فى الخليج إلى «ذكر بائس» يفقد دوره التقليدى، بينما تصبح الأم هناء هى القوة الاقتصادية الفاعلة إلى أن تُدرك بؤس حياة أسرتها فى تربة صحراوية قحلة.
تكشف المفارقات التى تؤسس لها الرواية بين عالمين وثقافتين؛ عن ثقافة مصرية خصبة تمتد جذورها إلى آلاف السنين وتفيض بالمحبة والتسامح، وأخرى صحراوية جافة تتراوح بين بدائية خيمات الأسلاف وبريق الحواضر، إن محاولات التشويه لمكانة مصر والمصريين، سواء كان ذلك قديمًا عبر ترويج متهافت للأكاذيب أو حديثًا عبر ثقافة تتأسس على أموال النفط، لن يقيض لها الصمود. فالرواية، فى بنيتها العميقة، تبنى هذا الصراع بين نموذجين للحياة؛ نموذج تقوم على الغنى الثقافى والتسامح، وآخر يقوم على الرفاه المادى المقترن بالجفاف الروحى والتشدد.
يأتى ذلك من خلال بناء درامى يعكس مصائر الشخصيات. فالأب «بهاء الوطن»، وهو الاسم الذى يحمل دلالة واضحة، يغادر الحياة فى وطنه، والأم «هناء» تموت بعد سنوات تحت أنقاض عقار متهدم، وكأن الرواية تشير إلى أن هذه الشخصيات التى مثلت نموذجًا لمصر القديمة ببساطتها ودفئها قد توارت، لكن الجوهر الذى حملته لم يمت. تترك الرواية بصيصًا من الأمل فى اللحظات التى تعود فيها نجلاء إلى ذاكرتها المصرية، وفى الأسئلة التى ستظل مطروحة حتى وإن تناثرت الأوراق التى دُونت.







