الجمعة 08 مايو 2026
المحرر العام
محمد الباز

أنا سيئ الحظ لكن صدقونى.. سيد العديسى يتجلى من «مكان أحلى»

حرف

الميتون فى قرانا

يحفظون

- دائمًا-

كل الطرق إلى المقابر

ربما من كثرة السير خلف النعوش!

غادرنا سيد العديسى، الكاتب الصحفى والشاعر، قبل ساعات، لكن لن تغادرنا قصائده أبدًا، تلك القصائد التى وضعها كوردة فى مهد كل مولود، فظلت تنبت يومًا فأسبوع فسنة، حتى صارت رفيق كل مُحب لكلمات هذا الشاعر الجنوبى، ومتيمًا بسحره الذى ينثره مع كل قصيدة.

غادرنا «سيد» بجسده إلى «العديسات» فى الأقصر، التى ربطها باسمه طوال سنوات عمره القصيرة، وظلت جذوره هناك لم تغادرها أبدًا، تمامًا كأى صعيدى، لم يستطع قول «أحبك»، وكلما قرر القفز على التقاليد ليقولها، خرجتْ: كيف حالك؟.. فلتعذرنا يا «سيد» لأننا «كيف حالك جدًا».

1

«يُلوّحُ بيدِه لمُشيِّعيه»

«يموتُ.. ليشعروا بالندمِ»

من الآن سيشعرون بالحسرةِ

وسيتألمونَ من الخَسارةِ

لأن ندمَهم عليكَ جاء متأخرًا

هم الذين لم يَشعرُوا ولو للحظةٍ واحدةٍ بوجودِك

بالرغمِ من أنك طوالَ عمرِك بينهم.

2

كأى صعيدى،

لا أستطيع قول «أحبك»

وكلما قررت القفز على التقاليد لأقولها

خرجت: كيف حالك؟

فاعذرينى لأننى «كيف حالك جدًا».

-

نحن أبناء الفلاحين

نمشى بعيون سوداء

من كثرة ما نظرنا إلى الأرض

لو أننا نظرنا إلى السماء-

فقط بضع دقائق-

لصارت عيوننا زرقاء

ولمات العالم من الجوع.

-

ذات مرة

ستعلمك أمى

كيف تختارين الوقت المناسب لتضعى الخبز،

قبل أن تهدأ نار فرننا الطينى.

سينكفئ منك، ويحترق

حينها ستضيق بك غرفتك

وتحزنين

بينما أمى فى بهو الدار

تجمع جيرانها

لتحكى لهم عن فوائد الخبز المحترق.

-

حتى أمى لم تمنحنى الفرصة أبدًا

كى أبدو مهذبًا

كلما صحوت مبكرًا- 

لتقبيل يدها-

خبأتها فى «العجين».

-

أنا مزارع فاشل

ودائمًا ما أنسى شيئًا يتسبب فى كارثة

مثلًا

لم أحوّل مجرى المياه فى الوقت المناسب

فأغرقت محصول القمح

أشعلت النار لأخيف الفئران

فكادت تلتهم ما زرع الجيران

وكثيرًا ما ينبهنى الصبية

لألتقط فأسى من الطريق

هل سمع أحد عن فلاح ينسى أين وضع بقراته؟

يا حبيبتى أنا مزارع فاشل

وسيئ الحظ لكن صدقينى..

كان باستطاعتى أن أكون ماهرًا

لو لم يخلق الله بيتكم بجوار الحقل.

3

أقول: صباح الخير

فتظل معلقة

بين السماء والأرض

إلى أن تنفتح نافذتك.

-

صدقينى

ليست هناك جدوى

من كل هذه الصباحات

حين تكونين نائمة.

-

لأنك لست هنا

فأنا لست على ما يرام

وهذا الصباح ينقصه الكثير

لأنك لست هنا

أقول لهذا العالم:

صباح الخير تقريبًا.

-

صباح الخير لك وحدك

فلا فائدة من خير هذا العالم

حين يكون صباحك حزينًا.

-

وكيف يدرك الصباح

من لا يستيقظ ولا ينام؟

وكيف يعرفه

من ليس لديه حبيب يخبره:

أنه صباح الخير.

-

منذ غابت

أصحو كل يوم فلا أجد الصباح

منذ غابت

والناس يكذبون دائمًا

كلما رأونى 

قالوا: صباح الخير.

4

حين تحمل الجرة

يموت الرجال مِن العطش.

أىُّ امرأةٍ تلك التى يعلو لها النهر- 

راضيًا-

لتقتطع مِن جسدِهِ؟

-

كم هى مثابرة

هذه الفتاة

بـ«جرة» صغيرة 

حوّلت نصف النهر إلى بيتها.

-

حكومةٌ فاسدةٌ

قالت لأهل النجع: ازرعوا الصنابير

فى جدران البيوت

فما عادت الفتياتُ يرقصن مِن ثقل جرارهنَّ..

وما عاد النهر يُشبِعُ شهوتَهُ.

-

مذ أقلعت الفتياتُ عن الذهاب للنهر

بجرارهنَّ

ونحن نجلسُ على قارعة الموردة

نلوك حسرتنا

يعتصرنا الألم كلما رأينا «جرَّةً»

تتدحرج- مِن تلقاء نفْسها-

تجاه الماء.

5

كلما داهمنى الحنين

أخرجت صورتك

لأشمها..

وأعيدها للمزهرية مرة أخرى.

-

حتى حين لا يحدث أى شىء

أتذكرك أيضًا.

-

منذ أسبوع

مرت فى شارعنا..

ولا زالت ضحكتها 

حتى الآن

تدق على الأبواب والنوافذ.

-

لأنك لست هنا.. فأنا لست على ما يرام

وهذا الصباح ينقصه الكثير

لذا أقول لهذا العالم: «صباح الخير.. تقريبًا»!

-

أنا الغراب الذى حطّ على نافذتك 

فرآك..

أنا العصفور 

الذى كان غرابًا 

قبل أن ينظر إليك.

-

هل تمنيت مرة

أن تكون منديلًا

لتجفف دمعة فوق خد فتاة عاشقة؟

أنا تمنيت أن أكون خنجرًا

لأغرس نفسى فى قلب من أبكاها.