الإثنين 04 مايو 2026
المحرر العام
محمد الباز

مجنون بعشقك.. تبقى فى إيد إيمان البحر وعلاء عبدالخالق وتقسم لـ«أسامة الشريف»

حرف

- كتبتها على مقهى فى فيصل.. وظلت سنوات فى «الدرج»

كان المساء خريفيًا من تلك الأمسيات التى لا تقرر إن كانت تميل إلى الحزن أم إلى الكسل، وكنتُ بصحبة الصديقة الفنانة حنان شوقى نطارد مواعيد مؤجلة، أو بالأحرى مواعيد تطاردنا منذ أيام.

وصلنا إلى آخر شارع فيصل، حيث مكتب المنتج إبراهيم شوقى. توقفت حنان لتنجز ما عليها، واتفقنا أن أنتظرها فى مقهى قريب. أنا بطبعى لا أحب اقتحام الأبواب دون موعد ربما لأننى دخلت الوسط الفنى متأخرًا بما يكفى لأتعلم أن الأبواب لا تُفتح بالاندفاع، بل بالصبر، أو بالصدفة، وأحيانًا بالوساطة، لكن هذا موضوع آخر.

حنان شوقى

جلستُ فى المقهى، طلبتُ قهوة سادة وهذا تفصيل مهم، لأن القهوة السادة تحديدًا تُخرج من الإنسان أشياء لا يعترف بها عادة.

أخرجتُ ورقة وقلمًا، نعم، كنا فى زمن بدائى جميل، نكتب بأيدينا، لا نحذف إلا بالممحاة، ولا نُعدّل إلا بالوعى.

كان هناك موضوع واحد يلحّ علىّ، الرغبات وعجزنا المزمن عن تحقيقها، ومن بين كل الحكايات التى تصلح مثالًا، قفزت إلى رأسى حكاية «مجنون ليلى». لكننى فكرت: ولماذا لا نُنزِل هذا المجنون من على ناقته، ونُدخله إلى شوارعنا؟ لماذا لا يحب فتاة لا تُشبه ليلى، ولا تمنحه حتى شرف الجنون الكامل؟

وهكذا، دون مقدمات كثيرة، كتبت الأغنية دفعة واحدة كأنها كانت مكتوبة من قبل، وأنا فقط قمتُ بدور الناسخ الأمين.

فاروق الشرنوبى

راجعتُها مرة، ومرتين، وعشر مرات، حتى حفظتُها عن ظهر قلب، فالشاعر كما تعرف لا يثق فى الورق، بل فى ذاكرته حتى يخونهما الاثنان لاحقًا.

خرجت حنان من موعدها، وسألَتنى: «طوّلت عليك؟».. ثم نظرت إلىّ وقالت قبل أن أجيب:

«لا، شكلك مبسوط!».

قلت: «كتبت أغنية».

ضحكت وقالت: «كاتبها ليّا؟».

اكتفيت بابتسامة وقررت أن أُسمعها الكلمات بدلًا من الرد.

أُعجبت بها أو هكذا قالت على الأقل، وأنا بطبعى أصدق الإعجاب فى تلك اللحظات دون تحقيق.

سألتنى: «مين هيغنيها؟».

قلت: «صاحب النصيب»، وهو تعبير مهذب جدًا لمعنى: «ولا حد فى دماغى».

فى المساء، التقينا الملحن الراحل جمال عطية، أعطيته الكلمات، فأخذها، ووضعها فى جيبه دون أن يقرأها! تأملتُ المشهد قليلًا، قلت فى نفسى: إما أن الرجل عبقرى، أو أننى أنا المتوهم الوحيد فى المكان.

فى اليوم التالى، جاءنى بنفس الكلمات، لكن هذه المرة على هيئة لحن، جميل، بل بديع، فقررت فورًا أنه عبقرى، وأجلتُ الشكوك إلى إشعار آخر.

قال إن هناك نجمًا كبيرًا طلب أغنية من إنتاجنا.

قلت: «تمام»، «وهى كلمة يقولها الإنسان غالبًا عندما لا يفهم ما يحدث لكنه لا يريد أن يبدو جاهلًا».

مرّ أسبوع، ولم يحدث شىء، ثم، فى إحدى سهراتنا، طلب ذلك النجم وكان من شركائنا فى الجلسة أن يسمع الكلمات التى أخبرته بها حنان، قرأتُ عليه الأغنية، أنصت، ثم قال: «حلوة، كان ممكن أغنيها بس فيها غَبْن!».

سكتُّ، ليس اقتناعًا، بل احترامًا، أو ربما كسلًا، لكنه فهم صمتى على أنه اعتراف، فاستطاب الدور، وأكمل محاضرته فى العَروض، وأشار إلى أننى كشاعر كان ينبغى أن أدرسه، هنا فقط قررت أن أُفسد عليه متعة التعليم، قلت له بهدوء: «أنا سكتّ علشان ما أحرجكش، وبعدين، اللى بتتكلم عنه اسمه خَبْن، مش غَبْن، وأنا بادرّسه للناس»، ثم أضفت، بدافع درامى لا أنكره:

«ولو فيه غلطة، أنا أقطع ودنى!»، «وهى لحظة ندمتُ عليها لاحقًا، لأن الأذن عضو مهم، حتى للشعراء».

المهم.. الأغنية دخلت الدرج، والأدراج كما تعلم أماكن مظلمة، لكنها غنية بالوعود المؤجلة، سألت جمال عطية عنها لاحقًا، فقال ببساطة مذهلة: «نسيت اللحن».

ابتسمت ابتسامة من النوع الذى يقول: «أنا بخير، لكن لا تختبرنى أكثر من ذلك».

مرت السنوات إلى أن أعطيت الكلمات إلى رياض الهمشرى، فصنع لها لحنًا جديدًا، لا يقل جمالًا عن الأول، وقال إن إيمان البحر درويش يريدها، فرحت ثم انتظرت، ثم انتظرت أكثر، ثم اكتشفت أن الانتظار نفسه أصبح جزءًا من الأغنية.

وفى يومٍ ما، سمعت أن علاء عبدالخالق يسجلها فى استديو «أمريكانا»، ذهبت فورًا، دخلت الاستديو كأننى داخل لاسترداد شىء ضائع منى، كان صوته على الكلمات بالفعل، قلت لمهندس الصوت: «لو سمحت، وقّف التسجيل».

ثم التفتُّ إليه وقلت: «أنا آسف الأغنية دى مباعة لإيمان البحر»، كانت لحظة ثقيلة، لكنها أيضًا لحظة ضرورية، لأن بعض الأغانى لا تقبل القسمة على صوتين.

غضب بالطبع، ونظر إلى رياض الهمشرى بنظرة فيها عتاب، فقلت له جملة بسيطة تختصر كل شىء: «أنا لسه عايش على وش الدنيا»، وعادت الأغنية مرة أخرى إلى الدرج.

لكن هذه المرة، كانت أكثر خبرة، وأطول نفسًا، وبعد سنوات طويلة طلب منى فاروق الشرنوبى أغنية لصوت جديد هو أسامة الشريف، فتحت الدرج، أخرجت الأغنية، نفضت عنها غبار الانتظار، وقدّمتها له، وأخيرًا وجدت صوتها.

«مجنون بعشقك وإنتى مش ليلى

مسكون بهمك وإنتى مش ليا

ما ملكش فيكى قوة ولا حولا 

وإنتى اللى مالكة كل ما فيّا».

هكذا وُلدت الأغنية: لا من لحظة إلهام فقط، بل من صبر طويل، وسوء تفاهم لغوى، ونجومٍ مرّوا عليها ثم تركوها، وأذنٍ كادت تُقطع، ولم تُقطع لحسن الحظ.

ولو سألتنى الآن: هل كانت تستحق كل هذا؟ سأقول لك بشىء من المرح الصادق: بعض الأغانى لا تنجح لأنها جميلة، لكن لأنها نجت.