العصفور الحزين.. سيرة جديدة لـ«صلاح جاهين»
لكأنه بالأمر المحال اغتوى حقيقةً وليس مجرد مجاز شعرى.. ولمَ لا، وكل شىء فى حياته من أول الميلاد فى 25 ديسمبر عام 1930 وحتى الوفاة التى حلت ذكراها أمس الثلاثاء 21 أبريل عام 1986، يشى بتلك الغواية، غواية الفن والجمال والمحبة المطلقة.
إنه صلاح جاهين، الشاعر والرسام والفنان والإنسان وأشياء أخرى كثيرة يصعب حصرها، والذى لا يمكن وصفه إلا بقطعة شديدة الجمال والبراءة من تاريخ مصر الحديث، وهو أيضًا صاحب الروح الحية التى لا تكفّ عن التغريد حتى من داخل قبرها.
وبالتوازى مع مرور 40 عامًا على رحيله وفى ذكراه التى حلت أمس، أصدرت دار ريشة للنشر والتوزيع كتابًا جديدًا يحمل اسم «العصفور الحزين» سيرة درامية عن صلاح جاهين، تأليف الكاتب ماهر زهدى، والذى يرسم خلاله المؤلف تفاصيل رحلة ممتدة وشاقة استطاع خلالها صاحب «الرباعيات» أن يترك بصمة قوية واضحة فى تاريخ مصر الفنى والثقافى، كفنان على مسرح الحياة امتلك الكثير من الوجوه الفنية المستمدة من أبناء الأرض والمهمشين.

ويكشف الكتاب كيف استطاع «جاهين» أن يملأ الدنيا بهجة، بإبداع يليق بحجم موهبته الضخمة والشاملة لكثير من حقول الإبداع، بعد أن تنقل برشاقة بين عوالم الشعر والكاريكاتور وكتابة السيناريو والتمثيل والكتابة الصحفية، فضلًا عن رعايته للعديد من المواهب الفنية، تاركًا فى كل مجال بصمة قوية وعلامة واضحة وأثرًا لا يمحوه الزمن.
فى السطور التالية، تنشر «حرف» فصولًا من «العصفور الحزين» لنأخذ القارئ فى جولة داخل عقل وقلب وحياة إنسان، جرى حب مصر داخل شرايينه فخلدته هى على صفحات تاريخها المجيد.

بعد قرابة المئة عام على إنشاء مدينة «القطائع»، التى أنشأها أحمد بن طولون لتكون عاصمة دولته الطولونية فى مصر، وموقعها فى شمال شرق القاهرة الحالى، قدم إلى مصر جيش الفاطميين من المغرب بقيادة جوهر الصقلى موفدًا من الخليفة المعز لدين الله، ووصل فى شهر يوليو ٩٦٩ بالتقويم الميلادى، إلى «الفسطاط» التى أسسها عمرو بن العاص بعد الفتح الإسلامى لمصر، ودخلها فى اليوم التالى، ونزل مع جنوده فى الفراغ الواقع شمال شرقى القطائع، وأخذ فى وضع أساس مدينة جديدة فى ٧ يوليو من العام نفسه، وأطلق عليها اسم «القاهرة»، كما وضع أساس القصر الفاطمى الكبير، وشرع بجانبه فى بناء الجامع الأزهر، حيث أنشئت المدينة على مساحة ٣٤٠ فدانًا، وبنى حولها سورًا من اللبن مربع الشكل طول كل من ضلعيه الشمالى والجنوبى ١٥٠٠ ذراع، وضلعيه الشرقى والغربى ١٧٠٠ ذراع، وبكل ضلع من أضلاع السور بوابتان، حيث بدأت المدينة كمدينة عسكرية تشتمل على مساكن الأمراء ودواوين الحكومة وخزائن المال، وفى سنة ٩٧٣ تحوَّلت إلى عاصمة الدولة الفاطمية عندما انتقل إليها المعز لدين الله من المغرب، وأطلق عليها «قاهرة المعز»، وبعد انقضاء ١٢٠ سنة من تأسيس القاهرة رأى أمير الجيوش بدر الجمالى، وكان وزيرًا للخليفة المستنصر بالله، أن الناس شيَّدوا خارج سور القاهرة بسبب اتساع العمران، فأحاطها بسور وصله بسور جوهر عام ١٠٨٧، وأقام السور الجديد من اللبن والأبواب من الحجارة، لتبدأ مدينة القاهرة فى الاتساع، إلى أن وصلت إلى شكلها الحالى، مع الحفاظ على القاعدة الأساسية التى بناها الفاطميون، وفى عام ١٩٦٩ صُودف مرور ألف عام على إنشاء القاهرة، وهى مناسبة مهمة لا تتكرر إلا كل ألف عام، ومن المهم أن يتم الاحتفال بالمناسبة بما يتناسب معها، غير أنها جاءت خلال مرحلة من أكثر مراحل مصر مجدًا، لكنها كانت أكثرها حزنًا، فقد جاءت بعد عامين فقط من نكسة يونيو ١٩٦٧، وخلال سنوات حرب الاستنزاف، لكن كان من المهم ألا تمر هذه المناسبة دون احتفال للتنويه عنها، فكتب الشاعر فؤاد حداد «من نور الخيال وصنع الأجيال فى تاريخ القاهرة»، وتحوَّلت هذه الملحمة الشعرية الغنائية إلى برنامج إذاعى أخرجه فتح الله الصفتى، ولحَّنه سيد مكاوى، كما كتب عبدالرحمن شوقى مسرحية استعراضية ضخمة بعنوان «القاهرة فى ألف عام»، أنتجتها وزارة الثقافة المصرية، من خلال الفرقة الاستعراضية الغنائية التى طلبت من صلاح جاهين كتابة أشعارها، ووضع ألحانها مجموعة من الموسيقيين، من بينهم: سيد مكاوى، محمود الشريف، أحمد صدقى، محمد الموجى، كمال الطويل، وعبدالعظيم عبدالحق، فحققت أشعار المسرحية نجاحًا كبيرًا.
رغم النجاح المسرحى الكبير الذى يحققه صلاح من عمل لآخر، وجد جاهين أن السينما تأخذه بقوة، فلم يكتفِ بكتابة أغانى الأفلام عن بُعد، بل ظل عشقه للسينما يطارده طوال الوقت، ما جعله يحرص على معايشة صناعة العمل السينمائى فى مراحله كافة، وربما هو ما دفعه للعمل منتجًا فنيًّا للحلقات الاستعراضية التى كتبها للتليفزيون بعنوان «لغز الملكة شهر زاد» فى شكل «فوازير» يحكى من خلالها «حواديت» للأطفال والكبار، على لسان الملكة «شهرزاد»، التى تُعاقب الملك «شهريار» كل ليلة، بحرمانه من استكمال الحكاية، لأنه لم يتوصل إلى حل «الفزورة»، لذا فمطلوب من المشاهدين حلها، وأدت الفنانة الشابة منى قطان، زوجة صلاح، دور «شهرزاد»، فى أول عمل فنى كبير لها، بعد عدة تجارب مسرحية، وشاركها البطولة نجم الكوميديا عبدالمنعم مدبولى، فى دور الملك «شهريار»، وأخرجها يحيى العلمى.

فى الثانى عشر من فبراير من العام ١٩٧٠، قصفت القوات الإسرائيلية مصنع «أبوزعبل» للكيماويات التابع لشركة الصناعات المعدنية المصرية، وقت خروج العمال وقوامهم ١٣٠٠ عامل، بعد «الوردية الصباحية»، استشهد منهم ٧٠ عاملًا وأصيب ٦٨ آخرون، وأُحرق المصنع بالكامل، ولولا خروج بعض عمال الوردية لكان العمال جميعًا استشهدوا حرقًا، الأمر الذى أدى لحالة كبيرة من الحزن على كل طوائف وأفراد الشعب المصرى، فى الوقت الذى تأثر فيه صلاح جاهين بشكل كبير، فكتب قصيدة «عمال أبوزعبل»:
إحنا العمال اللى انقتلوا قدام المصنع فى أبوزعبل
بنغنى للدنيا ونتلوا عناوين جرانين المستقبل:
وحدة صف الأحرار... جبهة لكل الثوار
عبور الجيش لسينا... الزحف من الأغوار
جيش العدوان يتقهقر... الأرض قايدة نار
والبحر قايد نار... الاستعمار أثبت فشله
البيت الأبيض لا يخجل
إحنا العمال اللى انقتلوا قدام المصنع فى أبوزعبل
بنغنى للدنيا ونتلوا.. عناوين جرانين المستقبل:
محكمة للمجرمين... قائمة بالمتهمين
إدانة مستر نيكسون... بقتل الأسطى ياسين
القاتل استعمارى... القتلى وطنيين
عمال مدنيين... نصارى ومسلمين
مرتكبو المذبحة يعتقلوا
الحكم على المتهم الأول
إحنا العمال اللى انقتلوا
قدام المصنع فى أبوزعبل... بنغنى للدنيا ونتلوا
عناوين جرانين المستقبل: الجو غدًا يتحسن
معرض لزهور السوسن... الخطة الخمسية تنفذ
مهرجانات النصر غدًا... تصفية الصهيونية
دولة فلسطين... تعلن
دستور وقوانين... تعلن
حرية الدين... تعلن
قوس تذكارى جارى عمله
طلِّين منه إحنا وح نفضل
إحنا العمال اللى انقتلوا
قدام المصنع فى أبوزعبل
بنغنى للدنيا ونتلوا عناوين جرانين المستقبل

قبل أن يمرّ شهران على كارثة مصنع «أبوزعبل»، نشرت جريدة «الجمهورية» فى عددها الأسبوعى، فى صباح الخميس التاسع من شهر أبريل عام ١٩٧٠، خبرًا يحمل كارثة إنسانية بالمقاييس كافة:
«استشهاد ثلاثين تلميذًا فى غارة إسرائيلية... إسرائيل تغير بطائرات الفانتوم أمريكية الصنع على مدرسة بحر البقر بالشرقية».
قرأ صلاح جاهين الخبر، فانهمرت دموعه بغزارة، دخل غرفته، وجلس إلى مكتبه، لم تفارق مخيلته صور «أشلاء الأطفال»، تذكر ولديه بهاء وأمينة فازدادت دموعه، وأمسك القلم وكتب:
الدرس انتهى لموا الكراريس
بالدم اللى على ورقهم سـال
فى قصـر الأمم المتــحدة
مسـابقة لرسـوم الأطـفال
إيه رأيك فى البقع الحمـرا
يا ضمير العالم يا عزيزى
دى لطفـلة مصرية وسمرا
كانت من أشـطر تلاميذى
دمها راسم زهرة.. راسم رايـة ثورة
راسم وجه مؤامرة.. راسم خلق جبارة
راسم نـار... راسم عار
ع الصهيونية والاستعمار
والدنيا اللى عليهم صابرة
وساكتة على فعل الأباليس
الدرس انتـهى.. لموا الكراريس
إيه رأى رجـال الفكر الحر
فى الفكرادى المنقوشة بالدم
من طفل فقير مولود فى المر
لكن كان حلو ضحوك الفـم
دم الطـفل الفـلاح
راسم شمس الصباح
راسم شـجرة تفاح
فى جناين الإصلاح
راسم تمساح... بألف جناح
فى دنيا مليانة بالأشبـاح
لكنـها قلـبها مرتــاح
وساكتة على فعل الأباليس
الدرس انتـهى.. لموا الكراريس
إيه رأيك يا شعب يا عربى
إيه رأيك يا شعب الأحـرار
دم الأطـفال جايلك يحـبى
يقول انتـقموا من الأشـرار
ويسيل ع الأوراق... يتهجى الأسـماء
ويطـالب الآبـاء بالثـأر للأبـناء
ويرسم سيف يهد الزيـف
ويلمع لمعة شمـس الصيف
فى دنيا فيها النور بقى طيف
وساكتة على فعل الأباليـس
الدرس انتهى لموا الكراريس
سجل صلاح بكلماته تلك المجزرة فى تاريخ الشعر العربى والأغنية العربية، ولحَّنها الموسيقار سيد مكاوى، وحملها إلى ضمير العالم «النائم»، صوت الفنانة شادية.
كان الكيل قد فاض، وبدأ الرئيس جمال عبدالناصر فى التحضير لشن حرب شاملة لتحرير الأرض، لولا وقوع اشتباكات عنيفة فى المملكة الأردنية بين الأردنيين والفلسطينيين، فدعا إلى قمة عربية بالقاهرة فى الثالث والعشرين من سبتمبر من العام ١٩٧٠، غير أنه مع انتهاء أعمال القمة فى الثامن والعشرين من الشهر نفسه، أصيب بنوبة قلبية، فاضت على إثرها روحه إلى بارئها، وألقى أنور السادات، نائب رئيس الجمهورية، فى السادسة والربع من اليوم نفسه بيان وفاة الزعيم:
«فقدت الجمهورية العربية المتحدة وفقدت الأمة العربية.. وفقدت الإنسانية كلها، رجلًا من أغلى الرجال وأشجع الرجال.. وأخلص الرجال.. هو الرئيس جمال عبدالناصر، الذى جاد بأنفاسه الأخيرة فى الساعة السادسة والربع من مساء اليوم، ٢٧ رجب سنة ١٣٩٠، الموافق ٢٨ سبتمبر سنة ١٩٧٠، بينما هو واقف فى ساحة النضال، يكافح من أجل وحدة الأمة العربية، ومن أجل يوم انتصارها، لقد تعرض البطل، الذى سيبقى ذكره خالدًا إلى الأبد فى وجدان الأمة والإنسانية، لنوبة قلبية حادة، بدت أعراضها عليه فى الساعة الثالثة والربع بعد الظهر، وكان قد عاد لبيته، بعد انتهائه من آخر مراسم اجتماع مؤتمر الملوك والرؤساء العرب، الذى انتهى بالأمس فى القاهرة، والذى كرس له القائد والبطل، كل جهده وأعصابه، ليحول دون مأساة مروعة داهمت الأمة العربية».

لم يحتمل قلب صلاح جاهين الطفولى، وفاة جمال عبدالناصر، ولم يساعده على احتمال فراق من أحب، فكانت الصدمة الأكبر فى حياته والسبب الرئيسى لحالة الحزن والاكتئاب التى أصابته، ورغم ما قيل عن انقلاب صلاح جاهين على الزعيم جمال عبدالناصر بعد نكسة ١٩٦٧، فإنه أكد للجميع أنها كانت لحظة غضب للوطن، لكنه أحب جمال عبدالناصر بصدق، وهو ما أكده من خلال قصيدته فى رثاء حبيبه:
حتى الرسول مات وأمر الله لا بد أن يكون
بس الفراق صعب وإحنا شعب قلبه حنون
وحشتنا نظرة عيونك للبلد يا جمال
والحزم والعزم فيها وحبنا المكنون
وحشتنا عبثة جبينك وإنت بتفكر
ونبرتك وإنت بتعلمنا وتفسر
وبسمة الود لما تواجه الملايين
وقبضة اليد لما تدق ع المنبر
وقبضة اليد لما تلاطم الجرانيت
وترفع السد عالى المجد عالى الصيت
وتأدب النيل وتحكم مية الفيضان
ما تعدى نقطة سوى بالخطة والتوقيت
وبقيت أقول: مية الفيضان واحشانى
سبتمبر إزاى بدونها يكون يا خلانى
يا ويلى من دا طلب ويا ريتنى ما اتمنيت
لبى الزمن منيتى من دمع أشجانى
وعاد لسبتمبر الفيضان دمع هتون
ينصب م القلب ويهيم فى النسيم محزون
يميل نخيل الرطب على بعضه بالهمسات:
حتى الرسول مات... مات... وأمر الله لا بد
يكون!
عُرضت حلقات «لغز الملكة شهرزاد» فى شهر رمضان من العام ١٩٧٠، وحققت نجاحًا كبيرًا، قدم صلاح منى قطان من خلالها إلى الجمهور المصرى، إلا أن ذلك لم ينجح فى إخراجه من حالة الاكتئاب، التى لم يحتملها بعد رحيل جمال عبدالناصر، كما لم يحتمل كلمات بعض من هاجموه، فسقط مريضًا، ونصحه الأطباء بالسفر إلى موسكو للعلاج، فسافر على نفقة اتحاد الكتاب الإفريقى الآسيوى، لمدة خمسة أشهر، كتب خلالها أطول وأهم قصائده «على اسم مصر»:
على اسم مصر التاريخ يقدر يقول ما شاء
أنا مصر عندى أحب وأجمل الأشياء
بحبها وهى مالكة الأرض شرق وغرب
وبحبها وهى مرمية جريحة حرب
بحبها بعنف وبرقة وعلى استحياء
وأكرهها وألعن أبوها بعشق زى الداء
وأسيبها وأطفش فى درب وتبقى هى ف درب
وتلتفت تلقينى جنبها فى الكرب
والنبض ينفض عروقى بألف نغمة وضرب
على اسم مصر
مصر النسيم فى الليالى وبياعين الفل
ومراية بهتانة ع القهوة.. أزورها.. وأطل
ألقى النديم طل من مطرح ما أنا طليت
وألقاها برواز معلق عندنا فى البيت
فيه القمر مصطفى كامل حبيب الكل
المصرى باشا بشواربه اللى ما عرفوا الذل
ومصر فوق فى الفراندة واسمها جولييت
ولما جيت بعد روميو بربع قرن بكيت
ومسحت دموعى فى كمى ومن ساعتها وعيت
على اسم مصر
مصر السما الفزدقى وعصافير معدية
والقلة ممليَّة ع الشباك.. منديَّة
والجد قاعد مربَّع يقرا فى الجرنال
الكاتب المصرى ذاته مندمج فى مقال
ومصر قدامه أكتر كلمة مقرية
قريتها من قبل ما اكتب اسمى بإيديا
ورسمتها فى الخيال على أبدع الأشكال
ونزلت أيام صبايا طفت كل مجال
زى المنادى وفؤادى يرتجف بجلال
على اسم مصر
شفت الجبرتى بحرافيش الحسين وبولاق
بابن البلد ماشى زى النمس فى الأسواق
بالفلاحين ع المداخل من بعيد وقريب
بالأرناؤوط بالشراكسة بكل صنف عجيب
مترصصين سور رهيب مزراق
فى ريح مزراق
كأنهم لا بشـر ولا خلقـة الخـلاق
ومصر فلاحة تزرق بين رقيب ورقيب
من غير أبوالهول ما ينهض ناهضة شايلة حليب
والصبح بدرى الجبرتى ينام وقلمه يسيب
على اسم مصر
والمس حجارة الطوابى وأدق بكعاب
يرجع لى صوت الصدى يفكرنى بعذابى
يا ميت ندامة على أمة بلا جماهير
ثورتها يعملها جيشها ومالها غيره نصير
والشعب يرقص كأنه عجوز متصابى
انهض من القبر احكى القصة يا عرابى
يطل لى رافع الطهطاوى م التصاوير
شاحب ومجروح فى قلبه وجرح قلبه خطير
وعيونه مغرورقين بيصبوا دمع غزير
على اسم مصر
مالك سلامتك بتبكى ليه يا طهطاوى
قال لك عرابى انكسر بسلاح أوروباوى
وسلاح أوروبا ماهواش المدافع بس
دا فكر ناقد مميز للسمين والغث
قلناها ميت ألف مرة بصوت جهيرداوى
بس الحماقة لا ليها طبيب ولا مداوى
ولا حد م الخلق بالخطر اللى داخل حس
الغفلانين اللى خلوا العقل صابه مس
قالوا الخطر هو فكر أوروبا لو يندس
على اسم مصر
أحسنت فى القول صحيح يا ولد يا متنبى
جبت اللى جوه الفؤاد عن مصر متعبى
وحكمت بالعدل لكن بعضنا انظلموا
«يا أمة ضحكت من جهلها الأمم»
العلم كان عندنا من صغره متربى
لكنه هاجر وعدّى البحر متخبى
لما الإيران هجموا ثم اليونان هجموا
ثم الرومان دمروا ثم التتار هدموا
ثم الجميع كل واحد جه مسح قدمه
على اسم مصر
والديك الفصيح م البيضة بيصيح
ويقول بالصريح
الفكر فوق فى الشمال
يا الله الحقوه يا ولاد
لحقوه ولاد من ولاد الأغنيا الأسياد
وهم راجعين رموه فى الباخرة فى البحر
ونزلوا حكموا فى ظل الإنجليز والقصر
ومصر فى الشمس بتغربل كلام منعاد
عن ابن بنت ابن حنت وطارق بن زياد
والإنجليز راضية بالخطباء وخطب الفخر
خطيب يهز الرءوس وخطيب يهز الخصر
وخطيب يموت موتة الأبطال قتيل القهر
على اسم مصر
هل مصر موميا جميلة صورتها فوق النعش
يعشقها مجنون ينادى عليها ولا تطلعش
هل مصر نار صفصفت والنفخ فيها محال
والأرض نشعت على رمادها استحال أوصال
سألت أنا الرافعى كان عجِّز ولا بيسمعش
لكن عينيه كانوا يحكولى قصص ما اشبعش
يقولولى ماتخافش مصر بخير وعال العال
مصر الجبرتى ومصر الرافعى
حال غير الحال
انظر محمد فريد أعظم وأرقى مثال
على اسم مصر
أنا اللى مشيت ادوَّر باشتياق وحنين
على مصر.. والمشى خدنى من سنين لسنين
لحد ما سنيـنهـا وسنـينى بقُم واحد
وعاصرتها يوم بيوم لم فاتنى يوم واحد
وحضرت شاهد عيان مولد وموت ملايين
ما زعلت من كلمة قد البركة فى الجايين
مين هم دول يا جدع.. ما توحّد الواحد
البركة فينا وفى السامعين بالواحد
أنا قلتها بنرفزة.. من غيرة الواحد
على اسم مصر
مصر الرمال العتيقة وصهدها الجبار
والنيل كخرطوم حريقة وحيد فى وسط النار
فى إيدين بشر نمل رايحة وجاية
ع الضفة فيهم مطافى وفيهم كدابين زفة
وفيهم اللى تعالى وقال أنا حكمدار
وكل باب م البيبان مقفول على أسرار
وكل سر بحريقة عايزة تتطفَّى
من أهلى تندهلى وتقوللى تعا اتدفَّى
أنا اللى عمرى انكتب إلى يوم ما أتوفى
على اسم مصر
القاهرة فى اكتئاب والأنس عنها غاب
من عتمة تدخل لعتمة كأنها ف سرداب
أو قرية مرمى عليَّا ضل هجانة
الحظر م المغربية بأمر مولانا
ومصر فى الليل بتولد والبوليس ع الباب
صبية ولَّادة يابا ولحمها جلاب
طلع الصباح زغرطت فى السكة فرحانة
على كتفها مولودتها لسه عريانة
وف لحظة كانت جميع الدنيا دريانة
على اسم مصر
فى موسكو كان اللقاء الذى تأخر كثيرًا، إذ صُودف وجود المخرج يوسف شاهين برفقة الفنانة سعاد حسنى، لاستكمال بعض مشاهد «الناس والنيل»، وهو فيلم مشترك بين مصر والاتحاد السوفيتى، عن السد العالى، وما إن علم يوسف بوجود صلاح للعلاج فى موسكو، حتى اصطحب سعاد لزيارته فى المستشفى.
كان اللقاء حميميًّا بين صلاح وسعاد، رغم أنهما لم يلتقيا فى عمل فنى من قبل، وهو ما فاتحته به سعاد حسنى، وقبل أن ينتهى اللقاء كان ثمة وعد بلقاء فنى قريب فور عودته من موسكو. عاد صلاح إلى القاهرة، مقبلًا على الدنيا بعد تماثله للشفاء إلى حد كبير، وقد اتخذ قرارًا بإحداث تغييرات فى خياراته الفنية:
اقلع غماك يا تور وارفض تلف
اكسر الساقية.. واشتم وتف
قال: بس خطوة كمان.. وخطوة كمان
يا أوصل نهاية السكة.. يا البير تجف.







