سيرة غنوة..
هى فوضى.. كيف دخلت إلى عالم يوسف شاهين؟
كان فى رأسى، فى تلك البدايات التى تشبه الحمى الخفيفة، اعتقاد صغير لكنه عنيد: أننى أكتب، نعم، لكننى أكتب بعين كاميرا لا أملكها، وأن هناك خيطًا خفيًا يشد لغتى إلى عالم يوسف شاهين، إلى طريقته فى الحكى، فى القطع، فى الفوضى المنظمة التى تبدو كأنها ارتجال، بينما هى محكومة بإيقاع صارم.
ربما كان غرور البدايات، ذلك الكائن اللطيف والخطير فى آن، هو من زرع هذه الفكرة فى رأسى، أو ربما كنت أبحث فقط عن نسب فنى أتبناه قبل أن أتأكد أن لى صوتًا يخصنى.

فى ذلك الوقت، كنت أشتغل على مشروع شعرى ضخم، أو هكذا كنت أراه: «الحصى والدوائر».
قصيدة درامية طويلة، مفرطة الطموح، ومليئة بأحلام أكبر من عمر صاحبها.
كنت أكتبها وأنا متيقن، أو متواطئ مع هذا اليقين، أن شاهين سيخرجها يومًا ما.
لم أكن أعرف كيف سيخرج قصيدة، ولا كيف ستتحول الكلمات إلى مشاهد، لكن هذه التفاصيل الصغيرة لم تكن تهم شاعرًا فى طور التكوين. المهم أن الحلم كان واضحًا، صاخبًا، ولا يقبل النقاش.
ثم، كعادة الحياة، قررت أن تسخر قليلًا من هذا السيناريو الذى كتبته لنفسى، لكنها لم تبتعد كثيرًا عن عالم السينما، كأنها تقول: سأغير لك الطريق، لكننى سأبقيك داخل المتاهة نفسها.
فجأة، ودون مقدمات درامية كافية، وجدت نفسى مطلوبًا من قبل شادى عبدالسلام، أثناء تحضيره لمشروعه «إخناتون»، ذلك الحلم الذى ظل معلقًا فى الهواء، كتمثال لم يكتمل، أو كجملة ناقصة فى قصيدة عظيمة.
شاع الخبر، أو هكذا قيل لى، فى كواليس الدراما، وبدأت أتحرك داخل دوائر لم أكن أتخيل أننى سأدخلها بهذه السرعة.

وفى إحدى المصادفات التى تحب أن تتصرف كأنها مدبرة، التقيت المخرج يسرى نصرالله، ربما فى نقابة الصحفيين، على هامش ندوة أو نقاش أو مجرد فوضى ثقافية معتادة.
اقترح ببساطة شديدة، كأنه يقترح فنجان قهوة، أن نذهب إلى مكتب الأستاذ.
«الأستاذ» هنا لم يكن يحتاج إلى تعريف.
وهكذا، وجدت نفسى فجأة، ودون تدريبات تمهيدية، وجها لوجه أمام يوسف شاهين.
لكن ليس من بوابة الشعر، ولا من باب الأحلام الكبرى، بل من باب التمثيل، وهو باب لم أطرقه حتى فى خيالى.
اقترح يسرى أن ألعب دور فلاح فى فيلم «وداعًا بونابرت».
فكرة لطيفة، فيها قدر من المفارقة، وربما كانت ستمنحنى فرصة أن أرى نفسى من الخارج لأول مرة.
لكن شاهين، كعادته، لم يتعامل مع الأمر بهذه البساطة.

نظر إلى من تحت نظارته، تلك النظرة التى تشبه فحصًا كاملًا للروح قبل الملامح، وقال جملته التى لا تزال ترن فى أذنى:
«شكله مثقف».
جملة قصيرة، لكنها كفيلة بإبعادى عن دور الفلاح، وربما عن مسار كامل لم يحدث.
حاول يسرى إنقاذ الموقف، أو توضيح الصورة، فقال إننى أعمل مع شادى عبدالسلام.
فعقب شاهين بطريقته المتقطعة، التى تشبه مونتاجًا صوتيًا:
«بتشتغل مع... بتاع الآثار...»
ثم، وكأنه لا يريد أن يظلم أحدًا، أضاف:
«شادى عبقرى... وبيلعب ألعاب كتير... وشاطر فيها كلها».
انتهى اللقاء.
ببساطة شديدة، كما بدأ.

لم أخبره عن «الحصى والدوائر»، ولا عن يقينى القديم بأنه سيخرجها يومًا ما.
ولم يعرف هو، فى المقابل، ماذا أفعل بالضبط، أو من أكون خارج هذا المشهد العابر.
ومع ذلك، نشأت علاقة غريبة، غير معرفة، مع مكتبه.
كنت أذهب إلى العروض الخاصة لأفلامه، أجلس فى الظل، أراقب، ثم أتحول فجأة إلى محاور، أناقش، أجادل، وأحاول أن أفهم كيف يفكر هذا الرجل الذى يشبه أفلامه: صاخب، حساس، ومربك.
فى مرحلة لاحقة، أخبرنى خالد يوسف أنه رشحنى لكتابة أغانى فيلم «المصير».
بدت الفرصة هذه المرة أقرب إلى ما كنت أحلم به، أو على الأقل، أكثر تماسكًا.
وبالفعل، بدأنا العمل.
نسخ متعددة من السيناريو، نقاشات لا تنتهى، وأغانٍ أحاول أن أجد لها مكانًا داخل هذا العالم الصاخب.
لكن، وكما يحدث غالبًا، لم تسر الأمور كما ينبغى.
كان لدى شاهين شرط واضح: التفرغ الكامل.

وهو شرط يبدو منطقيًا إذا كنت تصنع عالمًا، لكنه بدا لى، فى تلك اللحظة، كأنه يطلب منى أن أختفى تمامًا خارج هذا العالم.
لم أستطع.
ليس فقط بسبب هذا الشرط، بل أيضًا بسبب اختلافات فنية، لا داعى لفتحها الآن، لأنها تشبه النقاشات القديمة: حادة وقتها، وبلا جدوى الآن.
اعتذرت.
وخرجت مرة أخرى، لكن هذه المرة بإحساس أقل درامية، وأكثر واقعية.
مرت السنوات، أو بعضها، حتى جاءنى اتصال غير متوقع من صديقى السيناريست ناصر عبدالرحمن.
قال ببساطة: الأستاذ يريدك أن تكتب أغنية لفيلم جديد.
الفيلم كان «هى فوضى».
والفرصة، هذه المرة، بدت كأنها عودة متأخرة لحلم لم يكتمل.
رحبت، طبعًا.
ليس فقط بدافع الحماس، بل بشىء يشبه الرغبة فى تصحيح مسار قديم.
قرأت السيناريو.

شاهدت نسخة مونتاج.
تحدثت مع ناصر، ومع شاهين، ومع خالد يوسف.
كان الفيلم كابوسيًا، كما لو أنه مرآة مكسورة لواقع ملىء بالقهر:
رجال شرطة يمارسون السلطة كأنها غنيمة، وناس عاديون يدفعون الثمن كاملًا.
كان من السهل، وربما المتوقع، أن أكتب عن هذا القهر مباشرة.
لكننى توقفت عند شخصية «حاتم»، التى جسدها ببراعة الراحل خالد صالح.
رأيت شيئًا آخر.
رأيت رجلًا لم يتحقق فى الحب.
رجلًا فعل كل شىء تقريبًا ليكسب قلب جارته، لكنه ظل مرفوضًا، منبوذًا، كأنه يطرق بابًا لا يفتح أبدًا.
وجدت فى هذا الخيط مدخلًا مختلفًا.

ليس للهروب من القهر، بل للدخول إليه من زاوية أكثر إنسانية، وأكثر إيلامًا.
وفى صباح عادى، كنا أنا وناصر نسير فى شارع طلعت حرب، ذلك الشارع الذى يعرف كيف يحتفظ بأسرار المارة، رن الهاتف.
كان شاهين.
سألنى: كتبت حاجة؟
قلت: آه.
ثم قرأت:
«هو انتى ليه بعيدة كده... ومستحيلة بالشكل ده...؟».
صمت قصير.
ثم جاء صوته، مفاجئًا، مبهجًا، كأنه وجد ما كان يبحث عنه:
«عندك حق... الواد ده مشكلته إنه حبيب».

فى تلك اللحظة، شعرت بشىء بسيط لكنه نادر: أننا، أخيرًا، نتكلم اللغة نفسها.
سعادتى لم تكن فقط فى قبول الكلمات، بل فى أننى، بعد كل هذه الدوائر، حققت شيئًا من حلمى القديم:
أن أعمل مع الأستاذ.
ليس كما تخيلت فى البداية،
وليس بالحجم الذى رسمته فى رأسى،
لكن ربما، وهذا ما تعلمته متأخرًا،
أن الأحلام لا تتحقق كما نراها،
بل كما تستطيع الحياة أن تتحملها دون أن تنفجر من الضحك.







